أسباب رضوخ قائد الانقلاب لضغوط تعديل قانون الجمعيات الأهلية

أسباب رضوخ قائد الانقلاب لضغوط تعديل قانون الجمعيات الأهلية

كتب ـ محمد آدم:

 
رضخ قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي الأحد 4 نوفمبر 2018 للضغوط الأمريكية والاوروبية بالموافقة على مقترح من أحد المشاركين بما يسمى "منتدى شباب العالم" المنعقد بشرم الشيخ، بتعديل قانون الجمعيات الأهلية، وقالت صحف الانقلاب إنه "وجه بتشكيل لجنة وإجراء حوار مجتمعي حول القانون، على أن تعيد الجهات المعنية في الدولة تقديم القانون مرة أخرى إلى مجلس النواب الذي وافق عليه في نهاية نوفمبر2016".
 
ومنذ إقرار السيسي قانون الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنة 2017، الذي يستهدف تكبيلها وقمعها في 25 مايو 2017 الماضي، والصدام بين المجتمع المدني وسلطة السيسي بشأن هذا القانون مستمر، بعدما تجاهلت السلطة ملاحظات المجتمع المدني التي وصفت القانون بــ"القمعي" و"المخالف" لنصوص الدستور.
 
ويمنح القانون الذي أصدره السيسي في مايو 2017، الدولة سلطة تحديد الكيانات المسموح لها بتأسيس جمعيات أهلية والأنشطة التي يمكن أن تعمل بها، كما يلزم الجمعيات بإعلان مصادر التمويل وميزانيتها السنوية، ولا يسمح القانون أيضا للجمعيات بالعمل في مجال أو في ممارسة نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب أو النقابات المهنية أو العمالية أو ذي طابع سياسي.
 
وزعم السيسي أنه "كان فيه تخوف أدى إن القانون يخرج بشكل فيه عوار"، بيد أن الحقيقة أن السيسي لم يوافق على أي مقترح، والأمر اشبه بخدعة لحفظ ماء الوجه بدفع أحد الشباب الموالين له لطرح سؤال او رغبة مكلف بها من المخابرات او الرئاسة كي يظهر ان تراجع السيسي عن القانون الذي اصدره ووافق عليه نواب انقلابه، يبدو ديمقراطيا وانه يقبل اراء الشباب.
 
فقد تراجع السيسي بسبب الضغوط الأمريكية والأوروبية ووقف وتعليق الكونجرس والحكومة الامريكية 4 منح أمريكية حتى الان بسبب تضرر الجمعيات الاهلية الامريكية والأوروبية من القانون، كما أن ارجاع القانون لمجلس نواب الانقلاب لإعادة تعديله يؤكد أن المجلس مجرد "بصمجي" يمرر القوانين التي تريدها سلطة الانقلاب وانه ليس مستقلا إذ كيف يصدر نواب الشعب المفترضين قانون ثم يعيده قائد الانقلاب لهم ليغيروه بما يريد؟!
 
وتعرض القانون منذ إصداره إلى انتقادات من أطراف عديدة، منها أعضاء جمهوريين من مجلس الشيوخ الأمريكي وأيضا لجنة حقوق الإنسان التابعة للكونجرس الأمريكي. 
 
وقبل أن يأمر قائد الانقلاب حكومته وبرلمانه بتعديل القانون، كان لدي نحو 46 ألف جمعية أهلية ومنظمة غير حكومية قرابة عام واحد فقط (انتهت المهلة في مايو 2018) لتنظيم نفسها وفقا للقانون، أو مواجهة عقوبة بالسجن تصل إلى خمس سنوات، ولكن الضغوط الاجنبية عرقلت صدور اللائحة التنفيذية، ومن ثم عرقلت صدور القانون نفسه.
 
ويحدد القانون الكيانات المسموح لها بتأسيس جمعيات أهلية والأنشطة التي يمكن أن تعمل بها، ويلزم الجمعيات الأهلية بالحصول على موافقة مسبقة على أي تبرعات تتجاوز 10 آلاف جنيه (550 دولارا)، وإذا لم تحصل الجمعية على الموافقة خلال 60 يوما يعتبر الطلب مرفوضا تلقائيا.
 
وكانت المحكمة الدستورية العليا قد قضت يونيو 2018 بعدم دستورية نص المادة (42) من قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، فيما تضمنه من منح وزير التضامن الاجتماعي سلطة عزل مجالس إدارة الجمعيات الأهلية. 
 
3 تنازلات مقابل وقف تجميد المعونة 
 
في أغسطس 2017 قررت الإدارة الئمريكية حجب قرابة 15% من المعونة الامريكية لمصر وتعليقها لحين تحسن ملف مصر في حقوق الإنسان، ومن ثم حرمان مصر من مساعدات قيمتها 95.7 مليون دولار وتأجيل صرف 195 مليون دولار أخرى، بدعوى "عدم إحراز مصر تقدمًا على صعيد احترام حقوق الإنسان والمعايير الديمقراطية.
 
وفي مايو 2018 قرر الكونجرس الأمريكي تعليق مزيد من المساعدات الأمريكية لمصر، حيث قرر تعليق صرف 105 مليون دولار إضافيين من المعونة العسكرية ليرتفع مجموع المجمد ارتفع إلى 400 مليون دولار من 1.3 مليار هي قيمة المعونات العسكرية.
 
وقد كشف خبيران كيف قدم السيسي 3 تنازلات سبق أن طالبت بها إدارة ترامب من اجل استئناف ووقف تجميد جزء من المعونة الأمريكية، مشيرين لأن مكتب "محاسبة الإنفاق الحكومي" التابع للكونجرس أصدر تقرير في مايو 2006 بشأن طبيعة وكيفية صرف مصر للمعونة، يفسر لماذا أوقفت أمريكا تجميد المعونة لأنها "تساعد في تعزيز الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة".
 
حيث أكد الباحث القانوني "نجاد البرعي" أن القرار الذي اتخذته الإدارة الأمريكية بالإفراج عن مبلغ 195 مليون دولار من المعونة العسكرية لمصر سبتمبر الماضي، كان قد تم تجميدهم العام الماضي 2017، "لم يكن قرار مفاجئ لأن اسباب التجميد كانت 3 أسباب، استجابت الحكومة المصرية بشكل فوري للسبب الأول؛ وبشكل جزئي للسببين الثاني والثالث.
 
ويقول "البرعي" إن "السبب الاول" لتجميد جزء من المعونة "كان مطالبة واشنطن للقاهرة بوقف التعامل العسكري والاقتصادي مع كوريا الشمالية، وقد استجابت مصر فورا وخفضت تمثيلها مع كوريا الشمالية واوفقت كل مشروعات التعامل العسكري والمدني معها".
 
وأضاف: "السبب الثاني كان قضية المنظمات الأمريكية الأربعة التي تم الحكم بحبس العاملين فيها وإغلاق مقارها، وقد توصل الطرفان الي اتفاق ادي الي ان محكمه النقض الغت الحكم الصادر بحبس المتهمين بأسباب تساعد على الغاء الحكم عند إعادة عرضه على محكمه الجنايات".
 
منوها إلى أنه "قبيل نهاية العام الحالي سوف تقوم المنظمات الأمريكية الأربعة بإبرام اتفاقيه مع الحكومة المصرية تشبه تلك التي وقعتها المنظمات الألمانية مع الحكومة المصرية، وهي اتفاقيه ستحدد ميادين عمل تلك المنظمات والجهات التي ستتعاون معها؛ وبالتالي ستعود إلى العمل وسينتهي النزاع تماما".
 
وتابع "نجاد البرعي" أن "السبب الثالث لتجميد جزء من المعونة كان قانون الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنة 2017، وقد اوقفت مصر العمل به عمليا وهناك تفاهمات على تعديل بعض مواده.
 
وهو ما استجاب له السيسي ورضخ للضغوط الأمريكية بشأنه في مؤتمر شرم الشيخ وحاول الحفاظ على ماء وجهه بادعاء أنه مقترح قدمه شاب ووافق عليه!!.
 
ويقول الباحث محمد سيف الدولة: إن التراجع الأمريكي بشأن تجميد أجزاء من المعونة (بعد استجابة السيسي للضغوط والشروط الأمريكية): "يؤكد لمن يهمه الأمر أن لا شيء قد تغير في مصر، وان خدماتها إلى الولايات المتحدة لا تزال قائمة ومستمرة وفعالة ومحل تقدير كل المؤسسات الأمريكية".
 
ويري أن التراجع الامريكي واستئناف المعونة المجمدة امر متوقع بسبب ماذا تقدم مصر مقابل المعونة، وهو أمر فصلته دراسة قدمها مكتب "محاسبة الإنفاق الحكومي" التابع للكونجرس في مايو 2006 بشأن طبيعة وكيفية صرف مصر للمعونة؛ حيث أكد مسئولون أمريكيون أن المساعدات بغرض "تعزيز الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة".
 
ونشر موقع تقرير واشنطن Washington report يوم 27 مايو 2006 ملخصا لهذا التقرير أوضح طبيعة المصالح الأمريكية التي تم خدمتها نتيجة تقديم مساعدات لمصر مثل سماح مصر للطائرات العسكرية الأمريكية باستخدام الأجواء العسكرية المصرية، ومنح تصريحات على وجه السرعة لعدد 861 بارجة حربية أمريكية لعبور قناة السويس خلال الفترة من 2001 إلى 2005 (كمثال)، إضافة لخدمات عسكرية مصرية أخرى لواشنطن.
 
قصة إصدار قانون الجمعيات 
 
تعود ملابسات صدور القانون إلى ديسمبر 2011، حين وجهت السلطات المصرية في ظل المجلس العسكري الحاكم، اتهامات إلى 43 من المصريين والأجانب، بينهم 19 أمريكيا، في 190 منظمة مصرية وأجنبية بتلقي معونات من بعض الدول بلغت 60 مليون دولار، من خلال 68 منظمة حقوقية وجمعية أهلية تعمل بمصر بدون ترخيص.
 
وفي مارس 2012 جرى تسديد كفالة الـ19 أمريكيا (الهاربين) بواقع 2 مليون جنية لكل متهم بإجمالي 38 مليون جنيه، والسماح بسفرهم (تهريبهم) على طائرة خاصة رغم أنهم متهمون.
 
ثم تنحت المحكمة التي تدرس القضية، وجري تشكيل أخري وتأجيلها إلى أبريل 2012، ثم أعيد فتحها يونيه 2013، بالحكم على الـ43 موظفا أجنبيا ومصريا بالسجن ما بين عام و5 أعوام، مع إيقاف التنفيذ أو غيابيا، وإغلاق مقار المنظمات الأجنبية الخمسة.
 
ومنذ ذلك الحين قُسمت القضية لجزأين: المنظمات الأجنبية (التي غادرت مصر) والمنظمات المصرية الأهلية المحلية التي لا يزال التحقيق فيها مستمرا حتى الآن والتي كانت خاصة لقانون 84 سنة 2002 الذي جرى تعديله ووضع مزيد من القيود الكبيرة عليها فيه.
 
وفي مارس 2016 اعيد فتح التحقيق في القضية رقم 173 لسنة 2011 الخاصة بالتمويل الأجنبي بعد غلقها 3 سنوات، وقصره على أشخاص ومنظمات مصرية، وصدر قرار قضائي بمصادرة أموال أربعة من الحقوقيين، ثم توالت قرارات المصادرة والمنع والسفر لعشرات الحقوقيين.
 
وعقب الانقلاب العسكري في يوليه 2013، أصدر السيسي قانون تنظيم عمل الجمعيات الأهلية بهدف قمع الجمعيات الخيرية الإسلامية التي لعبت دورا مهما في توفير الغذاء والملابس والرعاية الصحية والتعليم في البلاد التي يعيش فيها ملايين المصريين، وقمع نشطاء حقوق الإنسان في الجمعيات الحقوقية، والاستفادة من التغير في المواقف الاوروبية والامريكية تجاه سلطة الانقلاب بتغاضيهم عن ملف حقوق الإنسان.
 
وجاء القانون متضمنًا 89 مادة، تشمل المواد التي وصفها معارضو القانون بـ"المصادرة  للحق في العمل الأهلي"، حيث أبقى القانون على نصوص المواد: (13) التي تحظر على الجمعيات الأهلية  ممارسة أي نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب أو النقابات المهنية أو العمالية أو ذات طابع سياسي أو يضر بالأمن القومي للبلاد أو النظام العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة.
التعليقات