معركة الجمل.. نقطة التحول في ثورة 25 يناير

معركة الجمل.. نقطة التحول في ثورة 25 يناير
 

كتب ـ أحمد مصطفى:

 
نجحت ثورة يناير بتوحد الرفقاء، وكان الشعب على قلب رجل واحد، فما شعر أحد في ميدان التحرير بفرق بين تيار وآخر، أو قوى سياسية وغيرها، لقد كان انصهار الشعب لا يستطيع أحد أن يفرق بينهم، وتجلى ذلك في موقعة الجمل.
 
في يوم الثلاثاء 1 فبراير 2011م دعا المتظاهرون إلى أول مظاهرة مليونية واستجاب لها الشعب واحتشد فيها لأول مرة في هذه الحشد الكبير في تحدّ غير مسبوق للظلم الذي ظلوا فيها سنين عددًا، ومرت الساعات والجميع يشعر بأن الميدان يتزين بمن فيه، وبعد انتهاء اليوم بعد أن نزل رجال القوات المسلحة في الميدان وشاهدوا الحشد الذي كان عاملاً قويًّا في تحجيمها في التعامل بالشدة مع معتصمي التحرير.
 
لكن ما إن حلَّ الظلام وانصرف من انصرف، أخذت الشائعات تنتشر أكثر بتعدي البلطجية على البيوت والأسر الآمنة، لكن يبدو أنها لم تؤثر في الناس كثيرًا الذين لا يعرفون ما يجري خارج الميدان، غير أن الجميع سارع بالجلوس أمام شاشة العرض والتي وفرها للجميع وحدة الإعلام في الميدان لمشاهدة الجزيرة، في انتظار خطاب مبارك لعله يثلج صدورهم بالتنحّي، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، فقد خطب خطابًا دغدغ فيه العواطف والمشاعر، وانهمرت كثير من دموع بعض المعتصمين، وفجأة انتهى الخطاب، وظهرت بوادر الشقاق في الميدان ما بين مطالب بالانصراف لنعطي الرجل فرصة أن ينهي فترة رياسته، وأخر يطالب بأن نترك الرجل يموت على أرض الوطن كما طلب، وغالبية مصممه على مواصلة الاعتصام، وكان هؤلاء هم الذين شاركوا من أول يوم في الثورة وأول الشهداء يتساقطون الواحد تلو الآخر، واستقر الرأي على مواصلة الاعتصام، وانصرف البعض على أمل العودة في الصباح الباكر للميدان؛ لكونه منذ الصباح يقف على قدمه الميدان، لكن لم يعلم أحد بما كان يخبئه الصباح.
 
وما إن بزغ فجر الأربعاء 2 فبراير استيقظ الجميع للوقوف بين يدي ربهم في صلاة الفجر رافعين أكف الضراعة إلى ربهم، بعدها ظل من يقرأ القرآن، وآخرين خلدوا إلى النوم، وما إن اقترب الساعة من العاشرة استيقظ الجميع على وقع الصدمة، اقتحم بلطجية المخلوع مبارك الميدان وهم يمتطون الجمال والبغال والحمير، وكان الميدان في هذا الوقت شبه خالٍ، إلا ممن تبقى من جاء من الأقاليم ومن ظل في الميدان لم يغادره، حتى استشعر المعتصمون الخطر والموت يحوم حولهم من كل اتجاه، والهتافات ضدهم، وهنا استيقظ كل من في الميدان، وعبر شاشات التلفزيون شاهد الجميع نذر الصدام القادم بين الطرفين، فسارع شباب القاهرة والجيزة ومن تسنّى له النفرة من كل مكان للتوجه لميدان التحرير لإنقاذ من فيه.
 
وفي مفاجأة لمن في الميدان تخلى أفراد القوات المسلحة المرابطة حول الميدان عن حماية من فيه، أو القيام بواجبتهم في التصدي لمن يحملون الأسلحة - حتى تصور الجميع أن ما تم كان بإيعاز من المجلس العسكري - ومع لحظات الترقب التي كانت تعلو الوجوه هجمت الخيول والإبل من ناحية عبدالمنعم رياض، في محاولة لاختراق الصفوف والوصول لقلب الميدان والسيطرة عليه، وضرب المعتصمين وطردهم خارج الميدان، غير أن كل فرد استمات على التصدي لهذا الهجوم واستطاعوا أن يقبضوا على بعض المهاجمين، غير أن ذلك كان يمثل الموجة الأولى من محاولة اختراق الميدان.
 
بدأت المرحلة الثانية بوجود المهاجمين في جميع مداخل الميدان من ناحية طلعت حرب، والمتحف المصري، وعبد المنعم رياض، وكوبري قصر النيل، وشارع القصر العيني والفلكي وشارع شمبليون، وشارع مسجد عمر مكرم، حتى شعر من في الميدان بخطر المؤامرة ماثلا أمام أعينهم.
 
وانطلقت النداءات من إذاعة الميدان.. احموا المداخل يا شباب.. احموا النساء ياشباب..وهنا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتواترت الأخبار أن كثيرًا من البلطجية قادمون من شارع شمبليون وآخرين من شارع طلعت حرب وآخرين من على كوبري قصر النيل والأغلبية من عند ميدان عبدالمنعم رياض جهة المتحف.
 
وقد تجلت بطولات الشباب والبنات والشيوخ والأطفال الموجودين في الميدان في التصدي للهجمات المتدفقة من كل اتجاه، بل استطاعت هذه القلة أن ترد المهاجمين من ناحية عمر مكرم وقصر النيل إلى ادراجهم مذعورين، والذين تحولوا إلى ميدان عبدالمنعم رياض في محاولة لتجميع أنفسهم وزيادة عددهم لعمل هجوم قوي على الميدان ومن فيه، خاصة قبل دخول الليل.
 
وعلى الرغم من المعركة الشرسة بين المتظاهرين السلميين والبلطجية وقف رجال الجيش يتفرجون، بل إنهم اختفوا داخل دباباتهم، ورغم النداءات والاستغاثات من قبل المعتصمين - الذين زادت فيهم الإصابات - فإن أفراد الجيش لم يتحركوا، ورغم استمرار التراشق بين الطرفين من صباح الأربعاء حتى فجر الخميس فإن هذا لم يحرك ساكنا في أحد من رجال الجيش، بل رأينا وسمعنا القبض على من جاء لنصرة المعتصمين من قبل أفراد من الجيش بجوار المتحف المصري.
 
لم تنته المعركة بعد، فما إن حل الظلام حتى كانت الموجه الثالثة وهي موجة المدربين - وهم من رجال الشرطة أو الجيش - لأنها جاءت مع الساعات التي سبقت أذان الفجر بضرب نار على المعتصمين، وسقط الشهيد تلو الشهيد، واصبحت الطلقات محددة الاتجاهات سواء من فوق العمارات المحيطة بالميدان أو من فوق الكوبري، وحاول المعتصمون الوصول لمكان من يطلق الرصاص وبالفعل وصل بعضهم وارتقى أسطح العمارات وتأمينها، لكن بعدها راح العديد من الشهداء لبلوغ هذا المراد.
 
كانت الكلمات التي تدوي في الميدان: "لا سبيل سوى الموت في الميدان.. لا انسحاب ولا استسلام"، وهنا تجلت أصالة الشعب المصري وصمد رجال وزوجاتهم وقد بلغوا فوق الستين، واندفعوا يكسرون رصيف الميدان ويحملون الطوب في أثوابهم ليوصلوه إلى الشباب الذي يصد هجوم البلطجية ناحية ميدان عبدالمنعم رياض، وكان هناك من يحمل الخبز ليطعم الصفوف الأولى التي لا تستطيع أن تترك أماكنها خشية نفاذ البلطجية مناها.
 
كان المشهد كربا والصورة قاتمة، والمجهول يسيطر على المشهد، غير أنه مما رفع الروح المعنوية لشباب الميدان ما قام به الدكتور محمد البلتاجي، حينما قاد البعض من الشوارع الخلفية ودخلوا مهللين ومكبرين؛ ما أعطى الأمل للمعتصمين أن المدد يصلهم، وتكرر هذا المشهد أكثر من مرة فزادت حمية شباب الميدان في التصدي للبلطجية، ولم تتكشف لهم الحقيقة أن هذا المدد ما هم إلا أفراد من الميدان خرجوا مع الدكتور البلتاجي ودخلوا ليرفعوا من الروح المعنوية، خاصة أن البلطجية سيطروا على الشوارع المؤدية للميدان ومنعوا أي أحد من الوصول للميدان لنصرة المعتصمين؛ حيث وقع عبء الدفاع عن الميدان على المرابطين فيه سواء من الإخوان - خاصة إخوان الأقاليم الذين لم يغادروا الميدان بعد مليونية الثلاثاء - أو كثير من شباب الثورة والشعب المصري الكريم.
 
لقد مكث المعتصمون في الميدان في ساحة حرب من الساعة الحادية عشرة صباحا من يوم الأربعاء حتى الساعات الأولى من صباح الخميس لم يعرف أحد طعم الراحة في هذا اليوم، ولم تنطلق الحناجر تعبر عن أن هذا إخوان أو ليبرالي أو يساري أو غيره، لكن الجميع كانوا على قلب رجل واحد.
 
لكن كانت الحصيلة في صباح الخميس عشرات الشهداء ارتقوا، ومئات المصابين الذين لم تستطع المستشفيات الميدانية استيعابهم، وتلمس كل واحد أقرب مكان ليرتمي عليه من الاجهاد والتعب بعد يوم واجهوا فيه الموت بكل بسالة، حتى كلل الله ذلك - من فضله - بردع البلطجية ومن خلفهم النظام، والحفاظ على الميدان، فلم يجد النظام سبيل إلا تسليم البلاد لرجاله من العسكر ليستكملوا إجهاض هذا الحلم الذي اندلع وثبت أقدامه منذ معركة الجمل، لكن بعدها ضاع الميدان وتفرق الثوار.
التعليقات