د. عبدالرزاق مقري مرشحا لرئاسة الجزائر.. الفرص والتحديات

د. عبدالرزاق مقري مرشحا لرئاسة الجزائر.. الفرص والتحديات
كتب ـ محمد آدم:
 
للمرة الثانية منذ 24 عاما قررت حركة (مجتمع السلم) الجزائرية خوض انتخابات الرئاسة الجزائرية ضد الرئيس بوتفليقة، طارحة برنامجا لمحاربة الفساد المستشري في البلاد ومتحدية العسكر الذين يهيمنون على السلطة مع تحالف حزبي رباعي فاسد يدير البلاد فعليا بدلا من الرئيس المريض عبدالعزيز بوتفليقة.
 
وأعلنت الحركة رسميا ترشيح رئيسها د. عبد الرزاق مقري للرئاسة في الانتخابات التي ستجرى 18 أبريل 2019، بالرغم من إعلان أحزاب التحالف الحاكم إعادة ترشيح بوتفليقة للمرة الخامسة، رغم عجزه، وتحديد برنامجها السياسي والاقتصادي لخوض الانتخابات.
 
وسبق لحركة "مجتمع السلم" (إخوان الجزائر) تقديم مؤسس الحركة الراحل الشيخ "محفوظ نحناح" للترشح في انتخابات 1995، وكان في منافسة مع مرشح السلطة ورئيس الدولة آنذاك "يامين زروال"، وحلّ حينها ثانيا بحصوله على 26 في المائة من نسبة التصويت، فيما دعمت الحركة في انتخابات 1999 و2004 و2009 الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، قبل أن تختار المقاطعة في عام 2014، ثم تقرر الترشح ضده في انتخابات 2019.
 
وفي خطوة تبدو مهمة لتوحيد الصف الإسلامي وعدم تكرار أخطاء تجارب الربيع العربي، دعت حركة "مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية بالجزائر، الإسلاميين، إلى دعم مرشحها للانتخابات الرئاسية.
 
وأكدت الحركة أن المرشح الرئاسي للحركة ورئيسها "أنهى جمع التوقيعات المشروطة للترشح للانتخابات الرئاسية (600 توقيع من المنتخبين أو 60 ألف توقيع من الناخبين)، بوتيرة أعلى وأسرع مما خطط لها".
 
وحدد بيان لقيادة الحركة نهجها في الانتخابات الرئاسية، مؤكدة أن رئيس الحركة د. مقري هو "القادر على مواجهة آفة الفساد بمصداقية عالية وتقويم الانحرافات وتحقيق التوافق الوطني لضمان مستقبل آمن ومزدهر للجزائر".
 
ودعت "حمس" الأحزاب والقوى الجزائرية الإسلامية وغير الإسلامية لدعم مرشحها في مواجهة مرشح الأحزاب الفاسدة والعسكر، مؤكدة دعوتها "المؤمنين بالانتماء النوفمبري (ثورة الجزائر) والتيار الباديسي (نسبة إلى عبد الحميد ابن باديس، مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين)، والرافضين للهيمنة والوصاية الاستعمارية، والديمقراطيين الصادقين المؤمنين حقا بتمدين العمل السياسي وحماية المؤسسة العسكرية من المناكفات السياسية، والمناضلين من أجل الإصلاح والتغيير، إلى دعم والالتفاف حول المرشح عبد الرزاق مقري".
 
 
* لماذا الترشح لانتخابات الرئاسة؟
 
وأرجع الدكتور عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم (حمس)، إصراره على الترشح للرئاسة في حوار مع "الجزيرة نت" بقوله إن "الانتخابات الجارية جاءت في ظرف استثنائي"، وإن "ترشحنا هو تعبير عن رفضنا للعهدة الخامسة (أي ترشيح بوتفليقة)، ونحن حينما ننسحب من الانتخابات نكون قد قدمنا خدمة للنظام لأنه يريد إبعادنا عن الساحة".
 
وشدد على أنه "إذا كانت الانتخابات حرة ونزيهة فإن حظوظنا في الفوز بالرئاسيات ثابتة، سواء ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة أو ترشح آخرون".
 
وقال إنه "لم يحدث أي نوع من الجدال حول موضوع من سيكون مرشح الحركة غير رئيسها؛ لأن العرف في الجزائر أن يترشح رئيس الحزب، وحالة الثقة بين رئيس الحركة وأعضاء مجلس الشورى كبيرة وترشيحه كان بالإجماع".
 
وعن حظوظ الحركة في رئاسيات 2019، قال: "نحن نتنافس للفوز، وإن كانت الانتخابات حرة ونزيهة حظوظنا في الحكم كبيرة"، نافيا أن يكون لأحزاب السلطة قاعدة شعبية، متسائلا: "إن كان هذا الطرح سليما فلماذا يتم تزوير الانتخابات في الجزائر؟ ولماذا يرفضون تشكيل لجنة مستقلة لتنظيم الانتخابات؟".
 
وقال الدكتور مقري: إن "التزوير في الجزائر بات أمرا مفروغا منه، والاعتراف بحدوثه من قبل جميع الأطراف أكبر دليل"، مضيفا "حتى رئيس الحكومة شكا علانية من التزوير، بل ثمة مسئولون صرحوا لوسائل الإعلام بأن التزوير يتم من أجل المصلحة الوطنية، ولا اختلاف على هذه القناعة، موالاة ومعارضة".
 
وأوضح أن "هناك استراتيجية قديمة لتيئيس قوى التغيير من المشاركة في الانتخابات لكي يجعل النظام السياسي أحزابه تتداول يوما ما على السلطة دون حاجة إلى التزوير في غيابنا، ونحن لا يمكن أن نسمح لهم بذلك، سنشارك في الانتخابات حتى يتوقفوا عن التزوير أو يبقوا يعانون من اللاشرعية أو الشرعية المعطوبة بسبب التزوير الذي يلجؤون إليه حين نكون حاضرين في الانتخابات".
 
وعن أبرز سبل التزوير في بلاده، قال مقري: إن "أساس التزوير هو إخفاء حقيقة الكتلة الناخبة، وهي الملاحظة الأساسية التي سجلتها لجنة الاتحاد الأوروبي سابقا؛ حيث تصب أرقام وهمية لصالح أحزاب الموالاة، ويتم التصويت المتكرر، إلى جانب إقحام أسماء أموات لا يشطبون من السجلات"، كاشفا عن "تورط بعض القضاة في عملية التزوير؛ حيث يقومون بتغيير نتائج المحاضر بعض الأمثلة منها بلدية برج الكيفان في الجزائر العاصمة في التشريعيات السابقة".
 
ووصفت الحركة، في بيان، إصرار السلطة - عبر 4 أحزاب تشكل الائتلاف الحاكم بالجزائر - على ترشيح الرئيس المريض بوتفليقة بأنه "ليس في مصلحته وإنما لمصلحة المستفيدين من الوضع الراهن"، و"هؤلاء (لم تسمهم) يتحملون المسئولية كاملة أمام ما ينجر عن مناوراتهم السياسية من مخاطر تهدد الجزائر".
 
وأوضحت حركة مجتمع السلم في بيانها أن "بوتفليقة غير قادر على الاستمرار في الحكم بسبب طبيعة مرضه، وأن ترشيحه لعهدة خامسة ليس في مصلحته، ولكنه في مصلحة المنتفعين والمستفيدين من الوضع" في إشارة إلى أحزاب الموالاة ومحيط الرئيس. 
 
ودعا الحزب إلى الالتفاف حول مرشحه عبد الرزاق مقري (رئيس الحركة) "القادر على مواجهة آفة الفساد بمصداقية عالية وتقويم الانحرافات وتحقيق التوافق الوطني لضمان مستقبل آمن ومزدهر للجزائر".
 
كما دعا المواطنين إلى "الانتباه أن هذه الانتخابات تكتسي أهمية كبيرة باعتبارها تؤذن بنهاية مرحلة وبداية تشكيل مرحلة جديدة.
 
ورغم ترشيحه من قبل أحزاب الائتلاف الحاكم لولاية خامسة، يلتزم بوتفليقة (81 عامًا)، الذي يحكم الجزائر منذ 1999، الصمت بشأن الترشح كما لم يسحب استمارات التوكيلات من وزارة الداخلية، فيما قال رئيس الوزراء، أحمد أويحي: إن إعلان موقفه "وشيك" من خلال رسالة للمواطنين، وتنتهي المهلة القانونية لإيداع ملفات الترشح أمام المحكمة الدستورية في 3 مارس المقبل.
 
وشهدت حركة مجتمع السلم صعودا كبيرا لشعبيتها الكبيرة، باعتبارها فصيلا إسلاميًّا "معتدلًا"، يقبل التفاوض والحوار للحصول على مكاسب سياسية؛ ما جعل السلطات الجزائرية تدعوها للمُشاركة في الحكومة الجزائرية عام 1996، ثم المشاركة بسبعة وزراء في العام التالي. 
 
غير أن هذه التفاهمات لم تستمر طويلا بعدما أدركت الحركة أن السلطة تتجه الي المزيد من الفساد ومحاولة استغلال الحركة في تبريره وتزويقه وانسحبت من الحكومة.
 
وسبق ان رفضت السلطات الجزائرية مقترح المملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة اعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية، بعدما طُلب من وزير الخارجية الجزائري خلال زيارته الرياض في أبريل 2014 ذلك الأمر؛ وقوبل بالرفض من جانبه.
 
* هل يسمح الجيش بتولي الإخوان الرئاسة؟
 
في أعقاب إجهاض الجيش الجزائري انتصار "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" الكاسح في الانتخابات في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991، ووقف الجولة الثانية في 1992 واعتقال اعضاء الجبهة وتحول الجزائر للحرب الأهلية، أدرك الجيش الجزائري حجم المشكلة الكبيرة في التعامل مع الاوضاع السياسية بالحدة والعنف.
 
ولأن نهج الإخوان في الجزائر أكثر اعتدالا وبحثا عن التوافق مع الدولة؛ للبحث عن حلول للبلاد فقد أسهم هذا في قبول السلطة لحزب الجماعة في الحياة السياسية والدخول معها في تفاهمات أدت في النهاية لإعلانها تأسيس حزب "حركة مجتمع السلم" وعُقِد أول مؤتمر للحركة في 29 مايو 1991، والمُشاركة في تأسيس المجلس الوطني الانتقالي بخمسة أعضاء في 1994، فضلا عن السماح لمرشح حركة "حمس" بخوض الانتخابات الرئاسية 1995، ليحل في المركز الثاني.
 
ويرى مراقبون أن حزب الإخوان المسلمين يغامر بالترشح لانتخابات الرئاسة هذه المرة؛ بسبب طبيعة المرحلة المختلفة، فحين ترشح مؤسس الحركة محفوظ نحناح عام 1995 كانت الأوضاع مختلفة، والجيش الجزائري أكثر سيطرة بعد انقلابه على التجربة الديمقراطية، وليس مستعدا لتسليم السلطة لحزب إسلامي آخر غير الحزب الذي انقلب عليه في 12 يناير 1992 (الجبهة الإسلامية للإنقاذ).
 
ولكن الوضع الآن تغير نسبيا برغم الحملة الإقليمية والدولية على الربيع العربي من قبل الثورة المضادة بعدما ثبتت الحركة أقدامها في الساحة السياسية وزادت شعبيتها، حتى إن الشائعات تتردد في الجزائر عن محاولة لاسترضائها للقبول بالمركز الثاني في انتخابات الرئاسة وترشيح زعيمها "مقري" رئيسا للحكومة مقابل قبولها تولي بوتفليقة الرئاسة للمرة الخامسة وعدم اعتراضها، وهي شائعات تكشف عن حجم قوتها والرغبة في مساومتها. 
 
ومع أن السيناريوهات لا ترجح سماح السلطة المشكلة من الائتلاف الحاكم والجيش للإخوان بالفوز بمنصب الرئيس، إلا أن مجرد ترشح الحركة وخطب السلطة ود الحركة والظروف الصعبة التي تمر بها الجزائر ستجعل الحركة تنتقل بهذه الانتخابات من مجرد حزب له رؤية في حل مشاكل البلاد إلى السعي لاستلام دفة الحكم مباشرة لتنفيذ التصحيحات اللازمة وايقاف الفساد والانهيار السياسي والاقتصادي الذي تشهده البلاد.
 
تركيبة الحكم في الجزائر
 
ويقوم النظام الجزائري على كل من (الجيش والرئاسة والاستخبارات العسكرية) منذ الحرب الأهلية التي أعقبت انقلاب الجيش علي العملية الديمقراطية ومنع الجبهة الإسلامية للإنقاذ من حكم البلاد، ومنذ هذا الانقلاب بدأت تحدث خلافات نسبية بين المؤسسات الثلاث، بحيث يحدث تحالف بين مؤسستين لإضعاف المؤسسة الثالثة في اتخاذ القرار، أو العكس فيما يشبه لعبة الكراسي الموسيقية.
 
وبينما ظهر توافق بين المؤسسات الثلاثة فيما يخص اختيار الرئيس الحالي (بوتفليقة) ليكون هو الرئيس الثامن للجزائر منذ استقلالها، في أبريل 1999، حدث خلاف بين هذه المؤسسات في أبريل 2013 حين رفضت مؤسسة الاستخبارات العسكرية ترشيح بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في أبريل 2014، مبرره ذلك بوضعه الصحي؛ ما دفع الرئيس بوتفليقة للإقدام على سلسلة إقالات لعدد من جنرالات الاستخبارات وتحويل مؤسسات تابعة لها إلى أمرة قيادة أركان الجيش.
 
ويرى مراقبون أن مرض بوتفليقة والشك في سيطرته الكاملة على السلطة، ربما كان وراء سعي المقربين منه في الرئاسة والجيش للقيام بحسم هذه الصراعات مع المخابرات - باسم الرئيس - كي يسهل مستقبلا، في حالة غياب بوتفليقة، على من سيخلفه، ويحكم بدون صراعات على السلطة. 
 
ويشيرون في هذا الصدد إلى رئيس أركان الجيش ونائب وزير الدفاع الفريق "قايد صالح"، الذي تم تحويل كل المهام المسحوبة من المخابرات إليه، كمرشح قوي للرئاسة أو داعم على الاقل لأي من القياديين الحاليين: الوزير الأول، عبدالمالك سلال، ومدير ديوان الرئاسة، أحمد أويحيى، الذي تتحدث صحف جزائرية عن اشتعال حرب طموح الرئاسة بينهما.
التعليقات