من تراث الإمام البنا: سيناء.. والسودان

من تراث الإمام البنا: سيناء.. والسودان

أكتب هذا بمناسبة ما ورد فى بيان صدقى باشا على لسان أحد الساسة المصريين عن التعبير عن سيناء المباركة بلفظ برية سيناء، ووصفها بعد ذلك بأنها أرض قاحلة ليس فيها ماء ولا نبات إلا أربعة بلاد جعلت للتموين وقت اللزوم.

وقد أثار هذا المعنى فى نفسى سلسلة من المحاولات التى قام بها المستعمرون منذ احتلوا هذه الأرض؛ ليركزوا هذا المعنى الخاطئ فى أدمغة السياسيين المصريين، وفى أبناء سيناء أنفسهم، فأخذوا يقللون من قيمتها وأهميتها، ويضعون لها نظاما خاصا فى التعليم والتموين والحكم والإدارة، ويحكمها إلى العام الماضى فقط محافظ إنجليزي يعتبر نفسه مطلق التصرف فى كل مقدراتها، ويجعلون الجمرك فى القنطرة لا فى رفح إيذانا بأن ما وراء ذلك ليس من مصر حتى صار من العبارات المألوفة عند أهل سيناء وعند مجاوريهم من المصريين أن يقال هذا من الجزيرة، وهذا من وادى النيل كأنهما إقليمان منفصلان.

مرت بنفسى هذه الخواطر جميعا فأحببت أن أنبه الساسة الكبار والساسة الصغار وأبناء هذا الشعب إلى الخطر الداهم العظيم الذى تخفيه هذه الأفكار الخاطئة، ولا أدرى كيف نقع فى هذا الخطأ الفظيع مع أن القرآن الكريم نبهنا إليه و لفت أنظارنا إلى ما فى هذه البقاع من خير وبركة وخصب ونماء؟ وأنها إنما أجدبت لانصرافنا عنها وإهمالنا إياها فذلك قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلآََكِلِيِن﴾[المؤمنون: 20]

إن سيناء المصرية تبلغ ثلاثة عشر مليونا من الأفدنة أى ضعف مساحة الأرض المنزرعة فى مصر، وقد كشفت البحوث الفنية فى هذه المساحات الواسعة أنواعا من المعادن والكنوز فوق ما كان يتصور الناس، واكتشف فيها البترول حديثا، ويذهب الخبراء فى هذا الفن إلى أنه فى الإمكان أن يستنبط من سينا من البترول أكثر مما يستنبط من آبار العراق الغالية النفيسة، وأرض سيناء فى غاية الخصوبة وهى عظيمة القابلية للزراعة، وفى الإمكان استنباط الماء منها بالطرق الارتوازية وإنشاء بيارات يانعة على نحو بيارات فلسطين تنبت أجود الفواكه وأطيب الثمرات، وقد تنبه اليهود إلى هذا المعنى ووضعوه فى برنامجهم الإنشائي وهم يعملون على تحقيقه إذا سنحت لهم الفرص، ولن تسنح بإذن الله.

فمن واجب الحكومة إذن أن تعرف لسيناء قدرها وبركتها ولا تدعها فريسة فى يد الشركات الأجنبية واللصوص والسراق من اليهود، وأن تسرع بمشروع نقل الجمرك من القنطرة إلى رفح، وأن تقيم هناك منطقة صناعية على الحدود. فلعل هذا من أصلح المواطن للصناعة، ويرى بعض المفكرين العقلاء أن من الواجب إنشاء جامعة مصرية عربية بجوار العريش تضم من شاء من المصريين، ومن وفد من فلسطين وسورية والعراق ولبنان وشرق الأردن وغيرها من سائر أوطان العروبة والإسلام، ويرون فى هذه البقعة أفضل مكان للتربية البدنية والروحية والعقلية على السواء.

وحرام بعد اليوم أن تظن الحكومة أو يتخيل أحد من الشعب أن سيناء برية قاحلة لا نبات فيها ولا ماء فهى فلذة كبد هذا الوطن ومجاله الحيوى ومصدر الخير والبركة والثراء، ونرجو أن يكون ذلك كله بأيدينا لا بأيدي غيرنا.

كم نتمنى أن نستقل ونتحرر فى أفكارنا ومشاعرنا لنتحرر بحق فى أوطاننا وتصرفاتنا ﴿وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾[الحج: 41].

+نشر في جريدة “الإخوان المسلمون” اليومية بتاريخ 18 ذو القعدة 1365 هجري 

التعليقات