محمد سعيد الجمل يكتب: أما جاء نصر الله بعد؟!

محمد سعيد الجمل يكتب: أما جاء نصر الله بعد؟!

خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة مع ألف وأربعمائة من أصحابه لأداء العمرة فمنعهم المشركون، وبعد عدة محاولات من الشد والجذب تم عقد صلح الحديبية والذي بدا أمام بعض المسلمين أنه انهزام أو استسلام لشروط مجحفة، ولكن نزل القرآن الكريم ليجعل من هذا الاتفاق فتحًا مبينًا كما ورد في صدر سورة الفتح.

ثم بدا للمسلمين كيف أنهم تفرغوا عشر سنوات من مناوشات قريش وأذاها إلى القضاء على آخر معاقل اليهود أهل الغدر والشر في الجزيرة العربية في خيبر ثم مراسلة زعماء العالم ودعوتهم إلى الإسلام حيث الانطلاق إلى عالمية الدعوة ليهيمن منهج الله وعدالته ونور الحق على الأرض كلها؛ ليوقن المسلمون أن نصر الله قد لا يكون على الصورة التي يريدون أو يتوقعون، بل قد يكون على صور أخرى أنفع وأروع.
 
والآن وبعد مرور خمسة أعوام على الانقلاب العسكري الدموي في بلادنا الحبيبة يتساءل الناس: متى نصر الله؟
 
إنهم يرون نصر الله في إعادة السيطرة على مقاليد الأمور وإنهاء حكم العسكر والقصاص للشهداء.
 
وهذه الصورة وإن كانت مأمولة لكن نصر الله عز وجل قد أتى بالفعل وما زلنا نراه في صور هي الأنفع والأجدى.
 
فقد يذهب العسكر ويظل عامة الشعب على حالهم وعلى ميولهم وعلى ما خلفه سحرة المبطلين في عقولهم من عداوة أناس أطهار دافعوا عن الحق ووقفوا في وجه الظالم. ومن ثَم يكونون شوكة في حلوق أهل الصلاح في البلاد كما فعلوا عندما ترحموا على أيام المخلوع [مبارك] وهتفوا له ضد الثوار عقب ثورة يناير التي حررتهم من الظلم والاضطهاد.
 
وما النموذج التركي عنا ببعيد؛ إذ يذهب الحكم العسكري وبعد أكثر من عشر سنوات قام فيها الحاكم بتغيير جذري للبلاد إلى الأفضل في جميع المجالات، ثم ترى أن هناك أكثر من (40%) من الذين لهم حق التصويت لا يكتفون بعدم التصويت له فحسب بل يعطون أصواتهم لمن هم ضده من الناحية الأيدلوجية؛ حيث يناهضون الدين ويدعون لطرد اللاجئين.
 
إن نصر الله نراه كل يوم في عيون الناس وتعليقاتهم، كما نراه كل يوم في خذلان المبطلين وانهزامهم وفشلهم وانتقالهم من سيئ لأسوأ عن عمد وعن غير عمد.
 
وإن نصر الله نراه في ندم كثيرين ممن أيدوا الانقلاب وأساءوا إلى المناهضين له ووقفوا مع الظالم ضد المظلوم.
 
وإن نصر الله نراه في مذلة الظالمين وفي النوم الذي طار من أعينهم والقلق الذي ملأ نفوسهم حتى أقدموا على تناول [العقاقير] ليناموا ويهدءوا.
 
وإن نصر الله نراه في قائدهم الذي لم يجد أحدًا يحميه إلا قائد الحرس الجمهوري ورئيس جهاز الأمن الوطني فيجعلهما وزيرين؛ ليتأكد من حماية نفسه، بل لا يجد من يثق به لجهاز المخابرات إلا رفيقه ومدير مكتبه.
 
وإن نصر الله نراه في ثبات المعتقلين وفي مقدمتهم رئيس البلاد الشرعي المنتخب الصابر الصامد.
 
وإن نصر الله نراه في امرأة تزغرد وهي تدفن ابنها الشهيد ونراه في صوتها ويقينها الذي يكون مثار عجب لمقدمي البرامج الفضائية.
 
وإن نصر الله نراه في ثبات أهل الحق وعدم التأوه أو التذلل لأهل الباطل مهما ساء حالهم أو نُحلت أجسامهم.
 
وإن نصر الله نراه في فراغ اللجان يوم مسرحية الانتخابات الرئاسية الهزلية حيث انفض الناس من حول الظالم.
 
وإن نصر الله نراه في مأمور السجن الذي يصرخ في أحد المعتقلين عقب انتهاء الزيارة قائلاً: كيف تضحكون مع زوجاتكم وأبنائكم رغم كل ما نفعله فيكم هنا بينما نحن في عراك دائم في البيت ومع الزوجات والأولاد.
 
إن مظاهر نصر الله كثيرة وعظيمة ورائعة ويفتخر بها أهل الحق وتزيد الأمل في نفوسهم بقرب انتهاء هذا الانقلاب وتلاشيه بكل مخلفاته وحلفائه.
 
وأختم بمقولة رائعة للعظيم سيد قطب رحمه الله الذي قال: "وقد يتحقق النصر في صورة لا يدركها البشر؛ لأنهم يطلبون المألوف من صور النصر والغلبة، ولا يدركون تحقق النصر في صورة جديدة إلا بعد حين!..
 
ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لجند الله وأتباع رسله. ويريد الله صورة أخرى أكمل وأبقى فيكون ما يريده الله ولو تكلف الجند من المشقة وطول الأمد أكثر مما كانوا ينتظرون..
 
ولقد أراد المسلمون قبيل غزوة بدر أن تكون لهم عير قريش وأراد الله أن تفوتهم القافلة الرابحة الهينة وأن يقابلوا النفير وأن يقاتلوا الطائفة ذات الشوكة. وكان ما أراده الله هو الخير لهم وللإسلام..
 
وكان هو النصر الذي أراده الله لرسوله وجنده ودعوته على مدى الأيام. 
 
ولقد يهزم جنود الله في معركة من المعارك، وتدور عليهم الدائرة، ويقسو عليهم الابتلاء؛ لأن الله يعدهم للنصر في معركة أكبر. ولأن الله يهيئ الظروف من حولهم ليؤتي النصر يومئذ ثماره في مجال أوسع، وفي خط أطول، وفي أثر أدوم".
 
فلنفرح بنصر الله الذي جاء وما زال يجيء وسنرى آثاره دومًا حتى يندحر هذا الانقلاب وتتطهر بلادنا وتهدأ نفوسنا ولنعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
التعليقات