جهود سيد قطب في إصلاح التعليم

جهود سيد قطب في إصلاح التعليم

بقلم: د. كامل عبدالفتاح

 في التاسع والعشرين من أغسطس من كل عام تحل الذكرى السنوية لاستشهاد العلامة سيد قطب، تلك الذكرى التي تعطَّرت باستشهاده توافق استعداد وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي الجديد؛ فالطوارئ في المؤسسات التعليمية، بل تتسع لتشمل مصر كلها.

 

وفي هذا المجال نقدِّم إلى السيد وزير التربية والتعليم ولكل المهتمين بالعملية التعليمية جهود العلامة سيد قطب في إصلاح التعليم، وبالرغم من أن اقتراحاته قد مرَّ عليها أكثر من 60 عامًا إلا أنك تستشعر أنها أحدث وأرقى مما تستخدمه مدارسنا من أساليب أدَّت إلى تخلفنا عن ركب التقدم والحضارة.

 

المشوار الوظيفي لسيد قطب

لقد بدأ سيد قطب مشواره الوظيفي بأن التحق بوزارة المعارف العمومية، وتمَّ تعيينه بوظيفة مدرس بتحضيرية الداودية في الثاني من ديسمبر 1933م، وظل فيها حوالي عامين ثم انتقل إلى مدرسة دمياط الابتدائية في الأول من سبتمبر 1935م، وقد لُوحظ كثرة انتقالاته بين المدارس بسبب ضعف صحته؛ ولأن الجو لا يلائمه، ثم انتقل في مطلع الأربعينيات للعمل محررًا عربيًّا بمراقبة الثقافة العامة بوزارة المعارف، ثم انتدب إلى إدارة الترجمة والإحصاء بعد شهر واحد في 17 أبريل 1940م، ثم عمل محررًا بمراقبة الثقافة العامة في 13 أغسطس 1941م، ثم انتقل للعمل مفتشًا بالتعليم الابتدائي بناء على رغبة الدكتور طه حسين الذي كان يعمل مستشارًا بوزارة المعارف، وقد قبل سيد قطب العمل مفتشًا بالصعيد إرضاءً لطه حسين، ولأن المهمة التفتيشية فيها ما يغري- على حد قوله- حيث كان مكلفًا بالقيام بالتفتيش على الجهات والمدارس التي يختارها، وأن يقوم بكتابة تقرير شامل عن دراسة اللغة العربية في المدارس على اختلافها، ثم انتدب إلى الإدارة العامة للثقافة، ثم تم تعيينه مديرًا لقسم التأليف بإدارة الترجمة، ثم مراقبًا مساعدًا بالمكتب الفني لمدير المعارف.

 

بعثة سيد قطب إلى أمريكا

اختير سيد قطب عضوًا في بعثة وزارة المعارف بالولايات المتحدة الأمريكية للتخصص في التربية وأصول المناهج، اعتبارًا من 3 نوفمبر 1948م، ولم يكن في بعثته أو مهمته مقيدًا بجامعة معينة أو مواد خاصة، كما لم تكن هذه البعثة مقيدة بزمن معين، وتركت له الحرية في مجال الدراسة وميدانها وتخصصها وزمانها ومكانها.

 

وقد أشار بعضهم إلى أن سفر قطب إلى أمريكا هو محاولة للتخلص منه بسبب عنف مقالاته السياسية كما ذكر "أحمد عباس صالح" أن اختياره للسفر إلى أمريكا بسبب مقالاته المناوئة للاشتراكية.

 

كان هدف سيد قطب التعرف على المناهج التعليمية في أمريكا، وعندما تعرَّف عليها واقترب منها، لم يغير ذلك من أفكاره بل ازداد تمسكًا بها، واشتد اقتناعه بأن أسلوب التربية الإسلامية هو أفضل الوسائل لتربية النشء وتنشئتهم على الخشونة والاستعداد للتضحية وإعدادهم عمليًّا للقيام بواجب الجهاد المقدس في سبيل الله ثم الوطن والفضائل العليا في الحياة.

 

لقد كان تأثير أمريكا والدراسات الغربية والخبرات التي اكتسبها أثناء سفره تأثيرًا عكسيًّا، فقد كان من المفترض أن يعود وقد ازداد انبهارًا بالحضارة الغربية، وأن يشتد سعيه إلى اللحاق بأفكارها الحديثة، إلا أن ما حدث كان عكس ذلك فقد اشتد في مهاجمته، واعتبر أن الأسلوب الأمريكي لا يصلح للمجتمع المصري ولا يناسبه لاختلاف البيئة والعادات والتقاليد.

 

عاد سيد قطب من أمريكا في 23 أغسطس 1950م بعد عامين تقريبًا؛ ليعمل في وزارة المعارف العمومية بالقاهرة مراقبًا مساعدًا لوزير المعارف "الأستاذ إسماعيل القباني"، ثم نقل بعد ذلك إلى منطقة القاهرة الجنوبية، ثم عاد للعمل مراقبًا مساعدًا بالبحوث الفنية والمشروعات في 17 مايو 1952م في بور سعيد، وظلَّ بها إلى أن قدَّم استقالته في الثامن عشر من أكتوبر 1952م.

 

وقد قبل مجلس الوزراء الذي عُقد في 13 يناير 1954م الاستقالة اعتبارًا من تاريخ تقديمها بدون أن يتم ضم العامين لمدة خدمته؛ ما أدَّى إلى حرمانه من المعاش والمكافأة؛ حيث إن خدمته بالوزارة كانت أقل من خمسة وعشرين عامًا، بل طالبوه بالمبالغ التي حصل عليها اعتبارًا من 18 أكتوبر 1952م حتى قبول استقالته في 13 يناير 1954م.

 

أسباب استقالة سيد قطب

ويرجع سبب استقالة سيد قطب من الوزارة إلى إخفاقه في التعاون مع إسماعيل القباني؛ حيث رفض الأول أسلوب المناهج الأمريكية التي كان يؤمن بها الثاني، واعتبر أن هذه المناهج غريبة عن المجتمع المصري، ورغب في أن يتم اتخاذ المنهاج الإسلامي الشامل المتكامل أساسًا للتربية.

 

وقد حاول الوزير إسماعيل القباني إثناءه عن الاستقالة لاعتقاده بكفاءته، وأن به بعض النواحي الطيبة التي يمكن الاستفادة منها، ولكنه أصرَّ على استقالته؛ مما يدل على شدة تمسكه برأيه مهما كانت النتائج، ولعل محاولة القباني لمنع قطب من الاستقالة إنما كان لمنعه من نشر أفكاره التي تتعارض مع سياسة الوزارة، وهي أفكار كان يصر عليها لذلك تمسَّك بالاستقالة ثم إن كثرة تنقلاته- على غير رغبته- عقب عودته من أمريكا لا تساعد على تطبيق ما حصل عليه من خبرات، بل إن الوظائف التي نقل إليها لا صلة لها بخبرته التي اكتسبها في المناهج الأمريكية وطرق تدريسها.

 

إن انتقالات قطب بين عدة وظائف واقترابه من صناع القرار السياسي، وبعثته العلمية إلى أمريكا لدراسة المناهج؛ كل ذلك كان له أثره في موقفه من العملية التعليمية.

 

بين التدريس والصحافة

كان سيد قطب محبًّا للعمل الصحفي، ولكنه فضَّل التدريس على الصحافة؛ لاعتقاده بأنه يمكن أن يؤثر في المجتمع عن طريق التدريس أفضل من تأثيره عن طريق الصحافة، وقال: "في الصحيفة يسمع صوتي عشرات الألوف، ولكني لا أضمن إصغاءهم لي وانتفاعهم بي، أما في المدرسة يسمع صوتي عدد قليل محدود، ولكني ضامن أشد الضمان أنهم جميعًا سينصتون لي، وينتفعون بي، ويتأثرون بتعليماتي".. بمعنى أنه تصور أن لديه رسالة أكبر تجاه النشء، وكان يثق في قدرته في التأثير على الآخرين.

 

لقد اهتم بمدى تأثيره على الآخرين أكثر من اهتمامه بشهرته ومعرفة الآخرين له، فهو يهتم بتأثير أفكاره أكثر من الاهتمام بانتشارها؛ لأن المدرس شهرته محدودة عكس الصحفي، ومع ذلك لم يهمل العمل الصحفي، فقد استغل الصحف في التعبير عن آرائه الأدبية والنقدية.

 

تأييد الدعوات لإصلاح التعليم

تحمس سيد قطب لكل دعوة حقيقية لإصلاح التعليم، حتى وإن جاءت ممن يخالفونه في العقيدة أو الرأي.. فأيَّد المشروع الذي قدمه مريت بطرس غالي لتطوير التعليم، الذي اعتبر أن التربية عبارة عن التكوين الأدبي والخلقي، وإنما الروح القومية والشعور بالواجب الاجتماعي، وطالب فيه بنشر التعليم الإلزامي في أنحاء القطر وتعميم المدارس الابتدائية في جميع المدن بشرط أن تتجه مناهج التعليم نحو الثقافة الاجتماعية والتربية القومية، كما طالب أيضًا بعدم التوسع في التعليم العالي إلا بدرجة تتناسب مع حاجة الأمة، واعتبر أن سعة انتشاره تؤدي إلى انتشار البطالة بين المتعلمين، ومراعاة التوازن بين حاجة العمل وإعداد الملتحقين بالمعاهد العليا والمدارس الخاصة؛ لأن التوسع في التعليم العالي مع عدم القدرة على استيعاب المتخرجين يؤدي إلى انتشار البطالة بينهم- كما يحدث بيننا الآن- فالتعليم الجامعي يجب ألا يكون هدفًا في حد ذاته وإنما الاستفادة من الكفاءات.

 

وأيَّد سيد قطب مطالبة الدكتور طه حسين بأن تشرف الدولة إشرافًا تامًّا على مرحلة التعليم العام، وعلى جميع المدارس بأنواعها سواء أهلية، أو أجنبية، أو تابعة للأزهر؛ حتى يتم توجيه النشء على أسس عقلية واحدة، وإن كان قد اعترض على اقتراحه بتعميم البرامج التعليمية الفرنسية؛ لأنها مكتظة بالمواد، وفضل البرنامج الإنجليزي لأنه متخفف من المواد ويعتني بالعقلية العامة والرياضة البدنية مقارنة بالبرنامج الفرنسي.

 

اقتراحاته لإصلاح التعليم

كان يرى أن النهضة المصرية تحتاج إلى خطوات أو حلقات تعتمد الواحدة على الأخرى، من بينها التطلع والنقل والمحاكاة والإبداع من خلال الترجمة، وحين تكثر المترجمات والمنقولات، وتصبح هذه الكنوز الجديدة في المتناول تتثبت آثارها في العقول والنفوس، وتؤثر اتجاهاتها في أدوات الإنتاج، وهذا هو دور المحاكاة حتى إذا تمَّ هضم التراث الجديد، وأحسنت محاكاته بدأ دور الإبداع والخلق على نسق جديد، أو على نسق مطعم بالثقافات الأجنبية، مع ظهور الطابع المحلي الأصيل وهو المقصود بالإبداع.

 

1- تطوير الامتحانات

طالب سيد قطب بإدخال مقاييس الذكاء في الامتحانات، واختبار عقلية التلاميذ، لا التحصيل العلمي، وطالب بالتشديد في الامتحانات؛ كي يرتفع مستوى الثقافة عند المتعلمين على مر الأجيال، كذلك طالب بتطبيق مجانية التعليم ومراقبته والاعتماد على الإحصاء.

 

2- الاهتمام بالترجمة

لقد اهتم بالترجمة، واعتبرها مهمة بالنسبة للنهضة التعليمية، فهي بداية النهضة، ثم يتبعه هضم الثقافات الأجنبية، ثم المحاكاة والتقليد، ثم تنتهي بالإبداع وإخراج ثقافة مصرية أصيلة، يظهر فيها الطابع المحلي والتأثير الأجنبي، ولا بد أن هذه الثقافة سوف تناسبنا؛ لأنها ستكون معتمدة على تراثنا وخارجة من بيئتنا الثقافية الحضارية، ولأهمية الترجمة نادى بزيادة أجر المترجمين لتشجيعهم على الترجمة، وإنشاء دور للترجمة مستقلة عن ديوان الوزارة مع نقل الآداب الأجنبية إلى اللغة العربية نقلاً كاملاً صحيحًا.

 

3- الاهتمام باللغة العربية

ولأن سيد قطب كان عضوًا في جماعة دار العلوم التي تهتم بتدريس اللغة العربية، وكان مكلفًا بكتابة تقرير عن دراسة اللغة العربية بمدارس الصعيد؛ فقد كان اهتمامه كبيرًا بالمحافظة على اللغة العربية والعمل على نشرها؛ لذلك نقد المناهج التي تعرض على التلاميذ اللغة الأجنبية إلى جانب اللغة العربية في المرحلة الابتدائية فقال: "إنه ليس من الصواب أن يشتغل عقل الطفل بلغتين في وقت واحد".

 

كما أوضح أن هدف الاستعمار محاربة اللغة العربية؛ خصوصًا الاستعمار الفرنسي في الشمال الإفريقي، وطالب وزارة المعارف بإغلاق المعاهد الفرنسية.. ربما احتجاجًا على أسلوب الاستعمار في بلاد المغرب العربي الذي عمل على محو الشخصية العربية الإسلامية، وبالرغم من ذلك لم يطالب بإغلاق المعاهد الإنجليزية.

 

ومن المفارقات العجيبة أن تصر وزارة التربية والتعليم في عصرنا الحاضر على تعليم الأطفال لغة أجنبية أو أكثر بجانب اللغة العربية في مرحلة الحضانة والمرحلة الابتدائية وما بعدها في المدارس التجريبية، بل إنها قررت تدريس اللغة الإنجليزية على تلاميذ المرحلة الابتدائية اعتبارًا من الصف الأول الابتدائي، وبدأ الأزهر يقلد ذلك، ويفرض اللغة الأجنبية على تلاميذ المدارس الأزهرية في المرحلة الابتدائية، ذلك كله بالإضافة إلى انتشار المدارس الأجنبية والخاصة، ومن خلال احتكاكي بأولياء الأمور أجدهم يهتمون باللغات الأجنبية أكثر من اهتمامهم باللغة العربية مما يجعل الأخيرة في خطر حقيقي.

 

وأنا أعتقد أنه يجب أن يدافع أساتذة اللغة العربية وكل من له صلة بالتدريس، عن لغتنا الجميلة لغتنا القومية، وأقترح إلغاء تدريس اللغات الأجنبية من المرحلة الإلزامية.. وأن يبدأ تدريسها بشكل علمي من المرحلة الثانوية من أجل ألا ينشغل الأطفال بلغة غير لغتهم.

 

4- إصلاح دروس البلاغة

ولشدة اهتمامه بإصلاح اللغة العربية فقد طالب واضعي المناهج بإصلاح دروس البلاغة التي اعتبرها مفسدة للذوق الأدبي، وكذلك التخفف من أبواب الصرف إلا اليسير الدائر على الألسنة، كما طالب بإصلاح الإملاء؛ بحيث يوافق النطق الكتابة، كما قدَّم عدة اقتراحات على اللجنة العلمية لجماعة دار العلوم لتيسير اللغة العربية، منها ترك التعاريف النحوية والألفاظ الاصطلاحية وترك القواعد النحوية التي لا أثر لها في ضبط الكلمات، وكان قد قدَّم مقالاً عن طرق تدريسها في مجلة (الأسبوع) عام 1922م؛ حيث كان طالبًا في مدرسة المعلمين الأولين، كما قدَّم اقتراحات وهو طالب لإصلاح دار العلوم، من بينها أن تكون للمدرسة تجهيزية خاصة تدرِّس اللغة الإنجليزية من أول سنة، وتتوسع في دراسة اللغة العربية وعلوم الدين ثم تعميق دراسة اللغة العربية في القسم العالي مع استمرار دراسة اللغة الإنجليزية والتوسع في دراسة علوم الدين.

 

5- تحرير التعليم من التبعية الأجنبية

طالب سيد قطب بتحرير برامج التعليم من الأسلوب الذي وضعه "دانلوب"، والذي ساعد على تمكين الاتجاهات الغربية سواء الوزراء أو الأحزاب، والذي أدَّى إلى العجز تمامًا عن إيجاد سياسة قوية مستقرة بسبب التناقضات الفلسفية، والازدواجيات الفكرية، وتعميق التبعية للغرب؛ فبرامج التعليم- على حد قوله- تفتت إيمان المصريين بدينهم وبقوميتهم وبأنفسهم؛ فبرامج التعليم تصلح لكل دولة إلا أن تكون دولة إسلامية لغتنا الرسمية هي اللغة العربية.

 

6- حسن معاملة الأطفال

وبحكم عمل سيد قطب في التدريس للأطفال، كانت معظم اقتراحاته التربوية خاصة بهم، إلا القليل، وقد قدَّم نقدًا لوزارة المعارف بسبب أسلوبها في معاملة الأطفال وبَيَّنَ أن أسلوبها يسرق طفولتهم بحجة التربية والتعليم والتهذيب والإعداد للمستقبل، كما انتقد أسلوب المدرسين وسلوكهم في معاملة التلاميذ، واعتبر ذلك مدعاة إلى كراهية التلاميذ لهم، وطالب بتخفيف الواجبات عنهم والعمل على تغيير نظم الامتحانات، وجعل الكتب المدرسية تخاطب التلميذ وتخاطب عقله الصغير.

 

وقد قام سيد قطب بتأليف عدة قصص للأطفال منها "أرنوب والكنز" بالاشتراك مع يوسف مراد وأمينة السعيد، وكذلك قصص الأنبياء للأطفال بالاشتراك مع عبد الحميد جودة السحار، فالطفولة عنده مرحلة يجب أن يعيشها الأطفال، فكل ما يعطى ويدرس مهم يجب أن يبنى على تنشيط غرائزهم وأخيلتهم.

 

7- الاهتمام ببناء شخصية الطلاب

كما انتقد سيد قطب المدرسة المصرية؛ لأنها لا تلقي بالاً إلى شخصية التلميذ، ولا تحفل بتكوين خلقه إلا ما يجيء عرضًا دون سياسة مرسومة، وقال: "إننا نشكو من ضعف شخصية الشاب المصري، وهروبه من ميدان المنافسة الحرة، وضعف ميله إلى الاطلاع والثقافة بعد المدرسة، واكتفائه بما درسه فيها دراسة ناقصة، ونشكو من عدم التضامن الاجتماعي وضعف روح التعاون بين الأفراد، ونقص الاهتمام بالمشاكل العامة وضعف الرأي العام والانحلال الخلقي تبعًا لذلك.

 

8- تطوير المناهج الدراسية

وقد أكد أن الكتب المدرسية هي أحد أسباب انتشار تلك الظواهر؛ لأنها لا تعد الطلاب لمواجهة الحياة، واقتراح أن الارتباط بين المناهج ومطالب المجتمع ومشكلاته؛ بحيث يتم دراسة احتياجات ووضع الحلول الغربية لها، وتدريس الأهداف العامة التي ترتقي بالمجتمع.

 

ومن أجل القضاء على تلك الظواهر، اقترح استخدام طريقة تعتمد على خلق مشروع مماثل للمشروعات العامة في الحياة الواقعية، تقوم الدراسة وتلقين المعلومات على أساسه، اقترح أن يكون المشروع مثلاً إنشاء منزل يقوم به التلاميذ بمساعدة الأستاذ، ومن خلال المشروع سيعرفون الأطوال والمسافات عند اختيار القطعة، وسيزيد عليها معرفة الجهات الأصلية والفرعية عند تخطيطها، ثم يعرفون شيئًا عن الهندسة والرسم عند تصميم المنزل، ثم أشياء أخرى عن البناء والنجارة والحدادة وحساب التكاليف إلى آخره، تلك المعلومات التي يمكن الحصول عليها، وبذلك يمكن الربط بين ما يأخذونه من دروس بين الحياة والواقع، وهي طريقة "التعلم النشط" التي تحاول الوزارة تطبيقها حاليًّا.

 

وطالب قطب بالاهتمام بشخصية التلاميذ والتعرف عليهم وتنشئتهم على التعاون، وحدَّد أسس إصلاح المدرسة منها ألا تزيد المدرسة على 8 فصول، وألا يزيد كل فصل على 20 تلميذًا، وأن تصل عدد الحصص المقررة على المدرسين، أو أن ينظر للمدرسة كمؤسسة تهذيبية لا على أنها قسم من الأقسام الإدارية في وزارة المعارف، وطالب بالاهتمام بالفروق الفردية بين الطلاب وتشجيع التفوق.

 

9- زيادة ميزانية التعليم

يتضح مما سبق حرص قطب على تغيير النظرة إلى المدرسة، والنظر إليها باعتبارها مؤسسة تربوية هدفها الأول التربية والتهذيب، ثم التعليم، وربما كان هدفه من تقليل عدد فصول المدرسة وعدد الطلاب فيها تقليل الأعباء عن المدرسين وعن إدارة المدرسة، مع توفير فرصة أكبر لتنفيذ العملية التربوية والتعليمية بصورة أكثر نجاحًا ولكن ذلك سيتطلب إنشاء الكثير من المدارس وإعداد الكثير من المدرسين المتخصصين وزيادة ميزانية التعليم، وهو أمر لا تستطيعه الدولة؛ لذلك اقترح قطب زيادة الأعباء على الأغنياء وفرض ضريبة خاصة بالتعليم على رءوس الأموال الكبيرة، كما طالب بالاعتماد على الجهود الذاتية وبين أن التعليم أحد وجوه البر العصرية، وهي دعوة عملية تؤدي إلى تطوير التعليم.

 

10- الاهتمام بإعداد المعلم والحفاظ على كرامته

كما اهتم بإعداد المعلم؛ لأنه أساس العملية التعليمية، فطالب بزيادة رواتب المعلمين وتوفير الاحترام والتقدير لهم؛ لأن النظرة للمعلم لا تدل على الاحترام حتى في الأفلام والمسلسلات والمسرحيات وغيرها.. كذلك طالب برفع المستوى العلمي للمدرسين، وأن توفر الدولة لهم الحياة الكريمة وتأجرهم أجرًا يلائم عملهم الخطير- على حد تعبيره- ولا تضن على المعلمين بالأجور التي تريح بالهم، وبالنظم والضمانات التي تجعلهم يحسون بكرامتهم ويأمنون على أنفسهم كالقضاة في أحكامهم.

 

فما دامت الدولة تنظر إلى تطوير التعليم بعيدًا عن النظر إلى أحوال المعلم ستظل العملية التعليمية تسير من سيئ إلى أسوأ، فالمدرس هو الأساس، وبدونه لن تنجح أية سياسة تعليمية فيجب رفع مستواه المهني، ورفع كفاءته، والسماح بتنمية دراساته، كما يجب رفع مستواه المادي بعمل كادر وظيفي حقيقي للمعلمين وليس مجرد حوافز؛ لأن العلماء هم ورثة الأنبياء، كما يجب تغيير النظرة إلى المدارس؛ فالمدارس ليست إدارة خدمية غير منتجة فهي أكثر الجهات إنتاجًا؛ لأنها تنتج عقولاً تعمل على تنمية المجتمع وتربي الأجيال التي تنهض به، وبدونها لا يتم تحقيق أي تقدم.

 

وبالرغم من دعوته للعناية بالمدرسين فإنه انتقد بعض المدرسين في قيامهم بإعطاء دروس خصوصية، واعتبر ذلك سلوكًا مناقضًا لمجانية التعليم، واعتبر أن الدروس الخصوصية كارثة على رءوس الآباء، وقال: "لقد كان الآباء يؤدون المصروفات فيتعلم أبناؤهم، أما اليوم فلا يتعلم إلا من يؤدي ضريبة الدروس الخصوصية"؛ لذا اقترح قطب أن يتم تكوين مجلس أعلى لوزارة المعارف يختص بتأديب المدرسين.

 

كذلك انتقد أسلوب معاملة بعض البلاد العربية للمعلمين المصريين؛ حيث يعاملونهم معاملة سيئة، وقال "ليس ذنبًا على مصر أن تلبي حاجة الشقيقات إلى المعلمين، إنما هو واجب عليها؛ فما بال جماعة من الناس في هذه الشقيقات ينظر إلى المسألة نظرة أخرى فيرون في هؤلاء الأساتذة مرتزقة أو بلغتهم "عياشة" يزاحمونهم الرزق ويطلبون العيش؟.. إن كثيرًا من هؤلاء الأساتذة يعودون شاكين لا لما يعانونه من معالجة شئون الحياة بعيدًا عن أهلهم وصوالحهم ولكن؛ لأنهم يئنون من لقب "العياشة" مع أنهم منتزعون من ضرورات المدارس المصرية، وطالب بتغيير النظرة إليهم في البلاد العربية.

 

11- إعادة كتابة التاريخ

هاجم سيد قطب الدراسات التاريخية؛ لأنها تعتمد على الدراسات الغربية في دراسة التاريخ وتفسيره، وطالب بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي على أسس جديدة وبمنهج جديد؛ بحيث تصبح المصادر العربية هي المرجع الأول، والدراسات الغربية هي المرجع الثاني، على أن ينتفع من الدراسات الغربية بتحرير النصوص وتنسيقها وببعض الموازنات من جهة السند ولا شيء بعد ذلك أبدًا.

 

إن سيد قطب لم يرفض الكتابات الغربية كليًّا، إنما أيَّد أسلوبها في البحث التاريخي، وأيَّد الانتفاع به، إنما رفض تفسير المستشرقين للحوادث من وجهة النظر الغربية، وحث الباحث في التاريخ "أن يبحث في الحوادث بعقله وروحه وحسه، وفي جو الإسلام كعقيدة وفكرة ونظام وفي جو الحياة الإسلامية كقطعة من حياة البشرية الواقعية، ولا بد من إدراك البواعث الحقيقية لتصرفات الناس خلال الحياة التاريخية الإسلامية وعلاقة هذه البواعث بالحوادث والتطورات والانقلابات، ولا بد من ربط هذا كله بطبيعة الفكرة الإسلامية وما فيها من روح انقلابية ثورية- لا في شكلها فحسب- ولكن في تفسيرها للعلاقات الكونية الإنسانية والاجتماعية وفي تصورها لنظام الحكم وسياسة المال وطرق التشريع ووسائل التنفيذ... إلخ.

 

وحثَّ على إعادة كتابة التاريخ لعدة أسباب، أهمها الاعتزاز بانتصاراتنا التاريخية، ولكي تعرف مكاننا في خط سير التاريخ، وألا ننسى ماضينا، وألا نستصغر دورنا في الحياة البشرية؛ لأن الاستعمار يهمه ألا يجد في تاريخنا ما نعتز به، وبذلك يسهل عليه قيادنا، وتذل رقابنا للمستعمرين كما أنه ليس من مصلحة الإنسانية أن ترى الحياة كلها من زاوية واحدة.

 

وقد أعلن سيد قطب أنه ألف مع جماعة من الباحثين لجنة لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، وقد قسمت الجماعة حقول البحث إلى المراحل الآتية.. مقدمات التاريخ الإسلامي، الإسلام في عهد الرسول، المد الإسلامي، الانحسار الإسلامي، العالم الإسلامي اليوم.. وهذه اللجنة كانت مؤلفة من الأساتذة الشيخ "صالح عرجون"، والدكتور "محمد يوسف موسى"، والدكتور "عبد الحميد يونس"، والدكتور "محمد النجار"، و"سيد قطب".

 

وأعتقد أن مطالبته بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي، كان الهدف منها إثارة الحمية الوطنية، والخروج من التبعية الثقافية والسياسية لأوروبا وللدول الاستعمارية؛ إن معظم الدراسات التاريخية الحديثة ما هي إلا ظلال باهتة أو كاملة للدراسات الغربية؛ لأنها من خلال المفهوم والمنهج الغربي، كما أنها تستمد عناصرها من الدراسات الغربية في الغالب، ومتأثرة كذلك بالإيحاءات الغربية من زاوية الرؤية، فهي لا تقف في المركز الإسلامي لتطل على الحياة الإسلامية، إنما تقف في مركز الحضارة الغربية لتطل منه على الحياة الإسلامية بنظرة متحيزة للثقافة الغربية، ولتأكيد الفائدة المرجوة من إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، طالب وزارة المعارف المصرية ووزارات المعارف العربية بحذف تاريخ فرنسا وتاريخ الثورة الفرنسية؛ لأنه مكتوب بأيدي الفرنسيين ليحل محله دراسة تاريخ الاستعمار الفرنسي في الشمال الإفريقي، ونادى بتدريس فظائع ووحشية الاستعمار الإنجليزي في مصر.. والاستعمار الإيطالي في ليبيا.. وسائر فظائع ووحشية الاستعمار في الشرق والغرب، وقال "فلنطلب إلى الدولة في مصر وسائر البلاد العربية وقف هذا السم الذي تبثه في مدارسنا في أرواح الناشئة وعقولهم فتخلص أوطانهم من الاستعمار يومًا".

 

حقيقة أن الثورة الفرنسية لها دورها في نشر الحرية بين شعوب الأرض، وسيد قطب لا يرفض تدريسها إلا؛ لأنها كتبت بأيدي الفرنسيين، الذين حتمًا سيعملون على إخفاء مساوئها، وإظهار محاسنها مما يدمغ دارسيها بالتبعية الفكرية والإعجاب لفرنسا.

 

وقد أكد ضرورة تدريس فظائع الاستعمار الفرنسي والإنجليزي والإيطالي لإظهار أن هذه الدول إنما تطلب الحرية لنفسها فقط، وتضن بالحرية على الشعوب الأخرى، بل تعمل على استعبادها، وقد أصر على تدريس الحركة الوطنية العربية وحركات الكفاح العربية ضد الاستعمار في الشرق والغرب من أجل بناء جيل يسعى للتخلص من الاستعمار ومن التبعية للغرب سياسيًّا وثقافيًّا.

 

12- إصلاح سياسة الأزهر التعليمية

وانتقد سياسة الأزهر التعليمية، وأوضح أن للأزهر رسالة، ولكنه لا يؤديها وقال: "إن رسالة الأزهر رسالة إنشائية إبداعية، لا تقليدية، رسالة خلق وبناء وكفاح، رسالة بعث للفكرة الإسلامية وللنهضة الإسلامية، وطالب رجال الأزهر بإنشاء ثقافة إسلامية كاملة مستمدة من الأصول الأولى للإسلام ومن الحياة النامية المتجددة، ثقافة تتناول مشكلات الحياة الفردية والاجتماعية القائمة بالبحث، وتوجد لها الحلول حتى تكوين ثقافة إسلامية؛ لهذا ناشد الأزهر الرد على تساؤلاته التي كان أهمها ما رأي الإسلام في العمل والأجور؟ وتوزيع الملكيات والثروات؟ وفي علاقة الفرد بالدولة؟ وعلاقة الدولة بالفرد؟ وسياسة الدولة الخارجية؟ وفي المجتمعات الدولية؟ ما رأيه في الجريمة والعقوبة؟ والمعاملات المالية والاقتصادية؟ والحكم ونظم الإدارة؟ ما رأيه في خلق الكون وناموس الحياة؟ خاصةً أن للإسلام رأيًا في كل أمر من الأمور المشار إليها؛ لأن تفهُّم الأزهر لنا والأمة يساعد على تأسيس ثقافة متشعبة الفروع متشابكة الأصول، تواجه فلسفات الشرق وفلسفات الغرب، وتعلن عن وجودها العالمي.. والأزهر وحده قادر على أن يمثل هذه الثقافة، وعليه الاهتمام باللغة العربية وآدابها وتراثها وتنميه التشريع الإسلامي الذي وقف منذ ألف عام ليساير حاجات الحياة في كافة الميادين في العقوبات والمعاملات في التجارة والملاحة في السياسة والحكم في علاقات الأفراد والجماعات، كما أن عليه إعادة كتابة التاريخ من وجهة النظر الإسلامية، وطالب بأن يكون القرآن أساس الدراسة الإسلامية، وأن تشرف الدولة على تحفيظ القرآن.

 

لقد حاول قطب في رسالته للأزهر حثه على تنفيذ برنامجه الشخصي، وكان يرى في المؤسسات الحكومية- حتى ذلك الحين- وسيلة من وسائل الإصلاح، يمكن عن طريقها إقامة المجتمع الإسلامي الذي ينشده.

 

المطالبة بإصلاح التعليم بعد ثورة يوليو

وبعد قيام الثورة طالب سيد قطب بتغيير مناهج التربية والتعليم، خصوصًا مادة التاريخ؛ حيث اعتبر أنها المادة التي اعتمد عليها الاستعمار الإنجليزي، كما اعتمدت عليها السراي في تثبيت قواعد الاستعمار والطغيان.

 

ووجه نداء إلى "محمد نجيب" قائد الثورة في 25 نوفمبر 1952م، طالبه فيه باسترداد وزارة المعارف من أيدي الجبهة الاستعمارية؛ لاعتباره أنه أشد أهمية من جلاء الإنجليز عن شمال الوادي وجنوبه، فما دام الرجال الذين خدموا العهد الماضي هم الذين يصرفون الأمور فلن ينسوا ولاءهم القديم، وسينتهزون الفرصة ليقوموا بالنكسة التي يضمرونها للعهد الجديد، وطالب بإحلال جيل جديد محله.

 

إن النداء الذي وجهه إلى محمد نجيب يوضِّح السبب المباشر لتقديم استقالته في أكتوبر 1952م وهو معارضته للسياسات التعليمية القائمة آنذاك.

-------------

المصادر:

1- سيد قطب "أبطالنا المنسيون"، مجلة الشئون الاجتماعية أبريل 1943م، العدد الرابع.

2- سيد قطب "الاتجاه القومي للتعليم"، مجلة الشئون الاجتماعية مارس 1943م، السنة الرابعة، العدد الثالث.

3- سيد قطب "الإسلام نظام اجتماعي"، مجلة الدعوة 15 أبريل 1952م، العدد الأول.

4-  سيد قطب "الأشواك في طريق المعلمين"، مجلة الشئون الاجتماعية 14 يناير 1942م، السنة الثالثة.

5- سيد قطب "التربية الاجتماعية في المدرسة المصرية"، مجلة الشئون الاجتماعية، ديسمبر 1940 السنة الأولى العدد 11.

6- سيد قطب "التعاون الثقافي بين الأقطار العربية"، مجلة الرسالة 30 أبريل 1945م العدد 617.

7- سيد قطب "الكتب المدرسية" نفس المصدر، أغسطس 1940 السنة الأولى، العدد 8.

8- سيد قطب "إلى القائد محمد نجيب"، نفس المصدر، 25 نوفمبر 1952م.

9- سيد قطب "إلى عبيد فرنسا في العالم العربي"، مجلة الدعوة 13 مارس 1951م.

10- سيد قطب "بين التدريس والصحافة"، مجلة الأسبوع، 23 مايو 1934م، العدد 126.

11- سيد قطب "حرروا برامج التعليم من شبح دانلوب"، مجلة الدعوة، 11 فبراير 1952م.

12- سيد قطب "حلقة مفقودة"، نفس المصدر، فبراير 1943م، السنة الرابعة، العدد الثاني.

13- سيد قطب "دار الترجمة ونهضة مصر الثقافية"، مجلة الرسالة مايو 45، العدد 618.

14-  سيد قطب "سأم"، مجلة الرسالة، 19 مايو 1952م، عدد 985.

15- سيد قطب "طفولتنا المسروقة"، مجلة الشئون الاجتماعية، مارس 1942م السنة الثالثة، العدد الثالث.

16- سيد قطب "في التاريخ مناهج وفكرة" جريدة المسلمون 1951م، العدد الأول.

17- سيد قطب "للأزهر رسالة ولكن لا يؤديها"، مجلة الرسالة، 18 يونيو 1951م، السنة 12، العدد 937.

18- سيد قطب (دراسات إسلامية) الطبعة الثامنة، دار الشروق 1992م.

19- مريت بطرس غالي "سياسة الغد برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي"، الطبعة الثانية، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، 1944م.

20- الملف الوظيفي لسيد قطب "ملف 12  s -11/5 " جزء 12، وزارة التربية والتعليم.

---------------

* باحث في تاريخ مصر الحديث والمعاصر

التعليقات