حاربها الإخوان قبل 75 عامًا.. فضائيات الانقلاب تدعو للإباحية

حاربها الإخوان قبل 75 عامًا.. فضائيات الانقلاب تدعو للإباحية
كتب ـ أحمد مصطفى:

دعوات مشبوهة تطل برأسها مرة أخرى لتقنين الدعارة والبغاء في مصر، بزعم أن هذه الجريمة موجودة بطرق سرية ويجب على الحكومة أن تشرف عليها وتقننها، على الرغم من القانون الذي أصدرت الحاكم العسكري - رئيس الوزراء آنذاك - تحت رقم 76 في فبراير من عام 1949م بإغلاق جميع بيوت الدعارة في البلاد، ومن وقتها  أصبح البغاء في مصر غير موجود بقانون بعد ان كانت الدعارة تمارس تحت سمع وبصر الحكومة منذ أن أقرها الإنجليز عام 1882م.

نبرة غريبة بدأت تزداد في بلد الأزهر، فعبر أذرع الانقلاب تطالب إيناس الدغيدي بعودة الدعارة مرة أخرى وإشراف الحكومة عليها؛ حيث ظلت المطالب ترتفع حتى كان أخرها تصريح محامية أثناء استضافتها على قناة  "LTC"، إحدى أذرع الانقلاب بأن نسبة الدعارة في مصر عالية للغاية، ويجب على الدولة تقنينها من أجل اكتشاف مرضى الإيدز وسرعة علاجهم، وذكرت في تصريحها أن الدعارة كانت موجودة بقانون وأن الإخوان عملوا حتى قاموا بإلغائها. 

فما الدور الذي قام به الإخوان في التصدي للدعارة؟

خطر

الدعارة أو البغاء خطر يهدد بتدمير المجتمعات الإسلامية خاصة، فقد جاء الشرع الحنيف في كل الأديان بتحريم هذا الداء، وما أرسل نبي أو رسول إلا كانت في شرائعه تحريم الزنا، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ}(الأعراف33)، وشدد على التحريم فقال سبحانه:{وَلَا تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}(الإسراء32).

وحينما نشأت جماعة الإخوان المسلمين جعلت شرعها القرآن وقدوتها النبي صلى الله عليه وسلم والتزمت بما جاء في الكتاب والسنة، وعمدت إلى الإصلاح ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ومن ثم أخذت على عاتقها تربية المجتمع وإيقاظ الإيمان المخدر لديه، وتصدت للآفات التي أقرها الاستعمار ووافقت عليها الحكومات المتعاقبة مثل البغاء وغيره.

لقد حرص الإخوان على استخدام كل الوسائل المشروعة للقضاء على هذا المرض الذي استشرى وسط المجتمع، ففتحوا صفحات مجلتهم للتنديد به، ومطالبة الحكومات بإلغائه.

جهود إعلامية

استفاد الإخوان من صحفهم والصحف الإسلامية الاخرى فكتبوا المقالات والخطب المنددة بالبغاء، خاصة بعد التقرير الصادر عن عصبة الأمم في صيف 1927م والذي جاء فيه: لقد ثبت أن الديار المصرية عبارة عن سوق بغاء عظيمة للنساء والفتيات من جميع الأجناس، ولا سيما موسم السياحة في وقت الشتاء".

وقد كتب الأستاذ البنا إلى محمد شاهين باشا رئيس لجنة البحث خطابًا تحت عنوان: (البغاء الرسمي .. مذكرة جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية) وضح فيه بعض الوسائل العملية المنوط بها الحكومة أن تقوم بها للقضاء على البغاء.

وهاجمت صحف الإخوان هذه الظاهرة، وانتقدت بشدة الحكومات التي تسمح بها، ورأت أن في إباحة البغاء امتهانًا لكرامة الإنسان، واستعبادًا مخجلاً لفئة من الفقراء، حتى خصصت المجلة عددًا كاملاً من أعدادها للحديث عن البغاء وأضراره البالغة على الأفراد والمجتمعات، وصدر هذا العدد بعنوان: "عدد خاص لمحاربة البغاء".

وعرضت المجلة لحوادث ثلاث بيعت فيهن فتيات واستدرجن لهذه الرذيلة، فنشرت مقالاً بعنوان: "مصر المسلمة أصبحت سوقًا للدعارة يباع فيها الفتيات" وذكرت فيه أنه في أسبوع واحد تقع هذه الحوادث التي نعرضها للقراء عرضًا ليحكموا بأنفسهم أن القانون الوضعي عاجز عن صيانة الآداب وحماية الحريات، ولابد من التشريع الإسلامي وإلا فلدينا فوضى ويعوزها النظام.

جهود عملية واقعية

كان تشريع البغاء وانتشاره وسط الناس، بقوة القانون جعل الناس ترى هذا الفعل كشيء عادي وكمصدر للرزق، وبعض المتدينين رأوه وباءً ولا بد لتجنبه، إلا أن الإمام البنا لم ير فيمن يقوم بهذا الفعل الشر المطلق وكان ينظر إليهم نظرة عطف وشفقة وخوف، ولذا ما إن طرح مكان لأول مسجد للإخوان بالإسماعيلية ووقع الاختيار على إحدى الأراضي تصادف أن كان بجوار بيتا للدعارة واستاء الإخوان - كأول لبنات الدعوة كيف تكون بجوار بيت دعارة - لكن الإمام البنا كان رده حكيما حينما قال لهم: إن هذا البلد بلد إسلامي لا يستطيع أي إنسان أن يبعدنا عن أي جزء منه، وإننا بعون الله سنقضي على هذه البؤرة من الفساد، وسيرحلون عنها بمجرد أن نضع أيدينا عليها.

وبالفعل بعدما نشأ المسجد زاد الالتزام وسط الناس وقل عدد المترددين على بيت الدعارة؛ ما دفع بهؤلاء النسوة فذهبن إلى الأستاذ البنا يشتكين له وقف الحال، وضيق الرزق؛ حيث قل الطلب عليهن بعد تدين أهل الحي والتزامهم بالإسلام، فاقترح عليهن الإمام الشهيد أن يمتهنَّ مهنًا شريفة، على أن يستأجر لهن مبنى مستقلاً تلتحق به كل من تتوب إلى الله تعالى وليس لها عائل، فتوافد عليه كثيرات ممن تاب الله عليهن.

وقد كلف الإخوان الشيخ علي الجداوي لتولي شئون هذا الملجأ والإنفاق عليه، وترتيب الدروس الدينية لهن، وقد وفق الله الكثيرات منهن فتزوجن وأصبحن ربات بيوت صالحات، ومن لم تتزوج منهن تعلمت فن الخياطة والتفصيل، أو فن الطهي، أو تربية الأولاد، وكان لهذا العمل الجليل أكبر الأثر في نفوس المسلمين جميعًا من أهالي الإسماعيلية وغيرهم.

وعندما طالب النحاس باشا الإمام البنا بالتنازل عن الترشيح في انتخابات عام 1942م ووافق الإمام البنا على ذلك، اشترط على النحاس باشا بعض الشروط، التي كان منها إلغاء البغاء، ووافق النحاس، وتحمس لذلك وزير الشئون الاجتماعية عبد الحميد عبد الحق، إلا أن قائد الجيوش البريطانية في مصر اعترض على إلغاء البغاء، فما كان من الحكومة إلا أن ألغت البغاء الرسمي في القرى، واكتفت بعدم إعطاء تراخيص جديدة لممارسة البغاء في المدن توفيقًا بين مطالب الإخوان ورفض الإنجليز، وكان ذلك أول انتصار للإخوان في معركة البغاء، واعتبر الإخوان هذه الخطوة أولى مراحل الإصلاح، واستمروا في حربهم للبغاء إلى أن يقضى عليه تمامًا.

مساندة الإخوان لجمعيات تحارب الغاء

كان مبدأ الإخوان وتربيتهم مساعدة كل من يسعى لإصلاح المجتمع حتى ولو لم يكن منضويا تحت صفوف الإخوان، المهم أن تعم التربية السليمة وتتم محاربة الرذيلة.

ومن ثم نشط الإخوان في الاتصال بمختلف هيئات الشعب للتحذير من هذا الشر المستطير، وساندوا كل غيور يحارب البغاء، ومن ذلك ما قام به بعض الغيورين على دينهم فأنشأوا جمعية سميت "جماعة مشروع محاربة البغاء" وكان مهمتها الأساسية محاربة البغاء ومحاولة استئصال شأفته والمطالبة بإلغائه تمامًا.

وعندما اعتزمت رابطة الشباب المصري تنظيم أسبوع لمحاربة البغاء من 17 - 24 نوفمبر 1934م أرسلت إلى رئيس تحرير جريدة "الإخوان المسلمين" الشيخ طنطاوي جوهري ليعلن عن هذا الأسبوع فنشرت الجريدة ذلك تحت عنوان: "محاربة البغاء".

وحينما أعلنت اللجنة التنفيذية العامة لمشروع محاربة الزنا أنها اتخذت لها مقرًا لبث دعايتها الإنسانية بشارع ابن الرشيد بسراي مدارس السلطان حسين بشبرا، ساعد الإخوان على التعريف بها وحث الناس على معاونتها.

ولم تقف جهود الإخوان عند محاربة البغاء ومحاولة القضاء عليه أو نشر العفة وسط نساء ورجال الأمة، لكنهم حرصوا على المطالبة بغلق الأبواب التي قد تؤدي لذلك، خاصة السفور الذي انتشر حتى أصبحت النساء تخرج عاريات، أو الاختلاط المقيت الذي يؤدى لإثارة الغرائر، واشدها المصايف التي كانت تنتهك فيها الحرمات(5).

دور شعب الإخوان

لم يقتصر الأمر على المركز العام فحسب فقد  حرصت شعب الإخوان على التعريف بأخطار الدعارة، وعملوا على المطالبة بإلغائها، ففي السويس قرر المجلس المحلي بجلسته المنعقدة يوم السبت 6ربيع الأول 1359ﻫ الموافق 13 أبريل 1940م إلغاء البغاء بناء على طلب جمعية الإخوان المسلمين بها، وكان هذا القرار بإجماع أعضاء المجلس عدا رئيس المجلس، وقد وجه الإخوان للمجلس رسالة شكر جاء فيها: "لا يسعنا إلا أن نشكر مجلس السويس المحلي على هذه الغيرة الإسلامية التي تجلت في قراركم الحكيم، ونخص بالذكر حضرة صاحب العزة الدكتور محمد أنيس بك مفتش صحة السويس على موقفه النبيل في هذا الشأن"، كما شكر الإخوان مأمور مركز ميت غمر على قراره بإلغاء البغاء السري والعلني.

كما وقف الإخوان مع من تعلن توبتها من هؤلاء النسوة عن البغاء السري، مطالبين الحكومة بتوفير العيش الكريم لهن حتى لا يعدن مرة أخرى له.

نتائج جهود الإخوان

لم يترك الإخوان مناسبة إلا طالبوا فيها الحكومة بإلغاء الدعارة من بلد إسلامي، وقد كللت جهودهم بالنجاح في كثير من الأوقات حتى تم إلغاؤه بالفعل.

ولقد كان لهذا الموقف الثابت والقوي من الإخوان المسلمين بصدد إلغاء البغاء في ذلك الوقت أن صدر قرار من الحكومة في أغسطس 1935م بأن يلغى البغاء الرسمي في خلال ثلاث سنوات، ولكنه من الآن لن يرخص لمومس جديدة، ولا يفتح منزل جديد للبغاء، وستبعد منازل البغاء الموجودة الآن إلى مناطق في خارج المدن، إلى أن يتم إلغاؤها بتسهيل إعادة العاهرات الأجنبيات إلى أوطانهن، والعمل على تزويج من يصلح للزواج من الوطنيات، وإنشاء ملجأ ودور أعمال للمسنات ومن لا يجدن أزواجًا.

وقد أثرت هذه الدعوات المتكررة من الإخوان لمحاربة الفساد في نفوس بعض الغيورين مما دفعهم إلى أن يرفعوا طلبًا إلى النحاس باشا يناشدونه القضاء على مظاهر الفساد الأخلاقي.

وفي يوم 20 فبراير عام 1949 أصدر الحاكم العسكري العام في مصر أمرا بإغلاق جميع بيوت الدعارة في البلاد، بالأمر العسكري رقم 76، بعد ان استطاع الوزير سيد جلال وزير الشئون الاجتماعية إلغاء البغاء بقرار رسمي، ونص القرار على المعاقبة بالحبس ستة أشهر كل من عاون أنثى على ممارسة البغاء.

المصادر:

جريدة الإخوان المسلمين: السنة الثانية، العدد 33 ، 6رمضان 1353هـ / 20ديسمبر 1934م، صـ15.

جريدة الإخوان المسلمين: السنة الثالثة، العدد 17 ، 7جمادى الأولى 1354هـ،صـ9.

مجلة لواء الإسلام: السنة 42 – العدد 12– غرة شعبان 1408هـ / 19مارس 1988م – صـ27.

محمود عبدالحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، الجزء الأول، دار الدعوة، 1990م.

جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، الكتاب الثالث، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003م.

مجلة التعارف، العدد 10، السنة الخامسة، 12ربيع الأول 1359ﻫ/ 20أبريل 1940م، صـ 7، 12.

علاء الدين زكي مرسي: نظم القسم الخاص في قانون العقوبات، الجرائم المخلة بالثقة العامة، الكتاب الثاني، الطبعة الأولى، المركز القومي للإصدارات القانونية، 2013م صـ21.
التعليقات