ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا.. القصة الكاملة*

ذكرى استشهاد الإمام حسن البنا.. القصة الكاملة*

مقدمات الاغتيال:

لم يكن الغرض من اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا القضاء على حياة شخص، وإنما كان الهدف هو القضاء على دعوة الإخوان المسلمين، ومحو المبادئ التي تؤمن بها هذه الجماعة وتدعو إليها.

ولقد حاول أعداء الدعوة أن يحرفوا الجماعة عن أهدافها ومبادئها بشتى الطرق فخاب مسعاهم وضل سعيهم، وحتى حين تمكنوا من إصدار قرار بحل الجماعة وقتلوا الإمام الشهيد ظانين بذلك أنهم قد قضوا على الجماعة ومبادئها خاب ظنهم، وذلك لأن دعوة الإخوان في حقيقتها ما هي إلا دعوة الإسلام التي لا تموت بموت شخص، أيًّا كان هذا الشخص، فهي دعوة الله ودينه الذي ارتضاه لعباده.

ولقد حاولت قوى متباينة اغتيال الإمام الشهيد أو احتواءه هو وجماعته وإن اختلفت الدوافع، فكان دافع البعض الحقد والحسد والغيرة العمياء من زعامته وقوة جماعته، أما القوة الرئيسية التي كانت وراء الكثير من المحاولات فكان دافعها هو كراهية الإسلام وكراهية أتباعه، ولأن الجماعة أصبحت عقبة كئودًا في وجه مخططاتهم وأطماعهم فإليك نبأ ما استطعنا معرفته من هذه المحاولات:

أولا- محاولات الإنجليز لاغتيال الإمام البنا :

في عام 1941 طلب الجنرال " كلايتون " مدير عام المخابرات البريطانية في الشرق الأوسط لقاء الإمام البنا وفي هذا اللقاء عرض كلايتون جوانب الاتفاق بين ما ينادي به الإسلام من حرية وشوري وبما ينادي به العالم الحر " يقصد الحلفاء أمريكا وانجلترا وفرنسا من نفس المبادئ ، وأن هناك اختلاف بين الإسلام وبين ما ينادي به هتلر . وطلب من الإمام الشهيد أن يقوم الإخوان بالدعاية لذلك وإظهار جوانب الاتفاق بين الإسلام وما يدعو إليه الحلفاء وجوانب الاختلاف بين الإسلام وما تدعو له دول المحور الوثنية ، وكان ذلك في مقابل إصدار جريدة للإخوان ، ومقر لهذه الجريدة مع إمدادها بأحدث أدوات الطباعة بالإضافة إلي مبلغ قدره نصف مليون جنيه كدفعة أولي يتبعها دفعات أخري ، وشفع طلبه بأن كل زعماء مصر يحصلون علي المال لمساعدة بريطانيا ، والأولي أن يصرف هذا المال في مساعدة الدعوة الإسلامية ، وقد رفض الإمام البنا هذا العرض ثم أوضح له ما جرته السياسة البريطانية علي مصر والعرب من خراب ودمار ، وذلك رغم تسليم الإمام البنا بأن الإخوان يرفضون دعوات دول المحور وسياستها.

ولما لم تنفع محاولة الاحتواء عن طريق المال دبر الإنجليز حادثًا لاغتيال الإمام الشهيد عن طريق قيام سيارة من سيارات الجيش البريطاني بصدم الإمام الشهيد وقتله بحيث يظهر الأمر وكأنه قضاء وقدر وكأنه حادث سيارة عادي ، ولكن الإخوان علموا بهذه المؤامرة عن طريق أحد الإخوان الذي كان يعمل مع أحد أعوان الإنجليز وهو الأخ عبد اللطيف سيد أحمد ، وأبلغ الأستاذ عبد الحكيم عابدين بذلك فقام الأستاذ عبد الحكيم عابدين بإذاعة الخبر بطريقة غير رسمية حتى انتشر الخبر مما منع الإنجليز من الإقدام علي تنفيذ تدبيرهم.

وفي عام 1941 أوعز الإنجليز لرئيس الوزراء والحاكم والعسكري حسين سري باشا بنقل الإمام الشهيد إلي قنا ، فأصدر أمره إلي وزير المعارف د . محمد حسين هيكل بنقل الإمام الشهيد إلي قنا ، وصدر قرار بنقل الإمام البنا إلي قنا.

وقد اعترف الدكتور هيكل في كتابه "مذكرات في السياسة المصرية" بأن نقل الأستاذ البنا كان بناء علي طلب الإنجليز ولما لم يجد قرار النقل في تقييد حركة الإمام الشهيد وتعويق حركة الجماعة رضخ حسين سري لضغوط نواب أحزاب الائتلاف بعد أن قدم الأستاذ محمد عبد الرحمن نصير استجوابًا لوزير المعارف يقول فيه : إن نقل حسن البنا كان بناء علي دوافع خارجية لا تمت بأدنى صلة إلي مصلحة التعليم . وهنا فقط أعيد الإمام الشهيد وجاءت وزارة " النحاس " علي أسنة رماح الإنجليز في 4 فبراير 1942 وقرر النحاس غلق جميع شعب الإخوان عدا المركز العام وذلك بناء علي طلب الإنجليز ، ولم تفتح إلا بعد مفاوضات تمت بين الإمام الشهيد والنحاس حول تنازل الإمام الشهيد عن الترشيح للبرلمان في مقابل فتح شعَب الإخوان وعدم التضييق علي الإخوان ، وكان منع الإمام البنا من الترشيح بناء علي طلب الإنجليز.

ثانيًا- محاولة الوفد اغتيال الإمام البنا:

وفي عام 1946م قام بعض شباب الوفد في بور سعيد بالاحتكاك بجوالة الإخوان وقذفهم بالبيض والطماطم أثناء استعراضهم في شوارع بور سعيد ، وذلك بإيعاز من أحد كبار رجال الوفد في بور سعيد ، فتصدت لهم جوالة الإخوان وعندما دخل الإخوان المسجد لبدء احتفالهم.

بدأ أنصار الوفد يتحرشون بالإخوان فأمر الإمام الشهيد الإخوان بالانصراف فانصرفوا جميعًا ولم يبق معه في دار الإخوان إلا الشهيد محمد فرغلي والحاج عبدالله الصولي ، فاستغل أنصار الوفد الفرصة وحاصروا دار الإخوان وظلوا يرمون الدار بالحجارة وكرات النار المشتعلة وكان ذلك في وجود البوليس الذي تواطأ معهم واستمر الحال حتى قبيل الفجر حتى قام الأستاذ علي رزة هو وبعض إخوانه بحيلة أخرجوا بها الإمام الشهيد ومن معه من بور سعيد.

ثالثًا- محاولات مصر الفتاة لاغتيال الإمام البنا: 

وكان لمصر الفتاة نصيب في محاولات اغتيال الإمام الشهيد وإن كنا لا نرجح أنها تمت بإيعاز من قوى أجنبية إنما كان دافعها الغيرة والحسد ، فقد كانت هناك محاولتان تم رصدهما وقام الإخوان بإفشالهم.

كانت المحاولة الأولي في مدينة المحلة وكان تقوم فكرتها علي حرق السرادق المقام فيه الحفل ، عن طريق خلع الأعمدة التي يقوم عليها السرادق في توقيت معين، فيتهدم السرادق وتشتعل فيه النار عن طريق قناديل الإنارة . وقد علم الإخوان بتلك المؤامرة واستعدوا لها ، وقام الإخوان بالإمساك بالمنفذين عندما شرعوا في التنفيذ.

أما المحاولة الأخرى فكانت تقوم فكرتها علي وضع قنبلة زمنية تحت المنصة التي يخطب عليها الإمام الشهيد ، وكانت هذه المؤامرة بأمر من أحمد حسين نفسه ، واستطاع الإخوان الإمساك بهؤلاء النفر ومعهم المتفجرات . وقام الإمام البنا باستدعاء الأستاذ أحمد حسين وسلمه رجاله ومتفجراتهم ومن يومها توقفت محاولات مصر للفتاة.

رابعًا- محاولة الحزب الشيوعي لاغتيال الإمام البنا: 

وقرر الحزب الشيوعي في طنطا تنفيذ مؤامرة لاغتيال الإمام الشهيد عن طريق إلقاء قنبلة عليه وهو يخطب في الإستاد الرياضي طنطا.

وكان الذي تلقي الاتصال وكُلف بتنفيذ المؤامرة أحد أفراد النظام الخاص وهو الحاج " فرج النجار " وكان قد انضم إلي الحزب الشيوعي بناء علي تكليف من النظام الخاص وأصبح مساعد سكرتير الحزب بطنطا الذي قام بإفشال هذه المؤامرة وتم القبض علي أعضاء الحزب الشيوعي.

خامسًا- محاولات حكومة النقراشي لاغتيال الإمام البنا:

أما حكومة النقراشي الأخيرة فقد كان لها نصيب وافر في محاولات اغتيال الإمام الشهيد ، بل إن حادث اغتيال الإمام الشهيد رُتُب قبل حل الجماعة واغتيال النقراشي بوقت طويل ، فعندما أراد الإخوان القيام بمظاهرة تخرج من الأزهر لتشد من أزر النقراشي – وهو يعرض قضية مصر علي مجلس الأمن – وسمح لهم البوليس بهذه المظاهرة إلا أنه اتخذ هذه المظاهرة فرصة لاغتيال الإمام البنا ، يقول الأستاذ محمود الجوهري – وكان بجانب المرشد طيلة هذه المظاهرة – إنه لاحظ كما لاحظ الأستاذ نفسه أن تصرف رجال البوليس في ذلك اليوم كان يشعر بأن هناك خطة مرسومة لاصطياد الأستاذ المرشد منفرداً للتخلص منه .. ذلك أن قوات البوليس حاصرت الأزهر وكانت تعمل علي تفريق من يخرجون منه وتشتيتهم أولا بأول حتى إذا خرج الأستاذ المرشد اصطادوه وحده .. وكان الأستاذ آخر من خرج من المسجد وكأنهم ظفروا بما أرادوا فحاصروه بالقوة كلها راكبة الخيل وهو منفرد .. وهنا تصرف الأستاذ المرشد تصرفًا مذهلاً ، إذ اختطف عصا من أحد أفراد القوة وأخذ يضرب بها كل حصان علي أنفه فيرفع الحصان رجليه الخلفيتين فيهوي الجندي الذي يمتطيه علي الأرض ، وبذلك تمكن من إسقاط القوة كلها ، وكان [الإخوان] قد لحقوا به من خلال هذه المنازلة البارعة والتفوا ولم تكن المظاهرة السلمية تصل إلي ميدان العتبة الخضراء وفي مقدمتها سيارة تحمل الشيخ البنا وبعض الأعضاء حتى انطلقت الأعيرة النارية في كل صوب ، فنزل الشيخ ليستطلع الخبر فإذا بعيار ناري يطلق عليه وتستقر رصاصة في ساعده ، ثم اقتيد عقب إصابته إلي قسم الموسكي فاعتدي رجال الشرطة علي أتباعه ، ودارت معركة بينه وبين ضابط البوليس هدده بمسدس وسدد فوهته في صدره ، فهجم عليه الشيخ البنا ، وأمسك بالمسدس من يده ، وأصيب زوج شقيقته عبد الكريم منصور بإصابات نقل علي أثرها إلي مستشفي القصر العيني وانتهي الحادث بالحفظ).

عندما توجه حسن البنا إلي مطار القاهرة للحج في 23 من سبتمبر 1948م ومعه جواز سفر يتيح له السفر إلي جميع أنحاء العالم .. وعلي الجواز أيضًا تأشيرة تسمح له بأن يستقل طائرة شركة " سعيدة " قام العقيد حسن فهمي مفتش الجوازات بسحب الجواز منه ، وألغي جميع الدول المصرح له بالسفر إليها ، واكتفي منها بالمملكة العربية السعودية ، وقال إنه فعل ذلك بناء علي تعليمات من عمر حسن – مدير القسم المخصوص ، وسافر المرشد العام إلى المملكة العربية السعودية فأبرقت وزارة الداخلية إلي القنصل المصري في جدة بعدم السماح للبنا بالسفر إلي أية دولة عربية أخرى ، وقد قال عبد القادر عودة وكيل جماعة الإخوان : " لم تستطع الحكومة منع البنا من السفر لأداء الحج وإلا قيل أنها صدته عن سبيل الله ، والبيت الحرام ، ومن يفعل ذلك يعد كافراً ، ومن ناحية أخري – كما قال اليوزباشي عبد الباسط شقيق المرشد العام – فإن الحكومة المصرية أعدت العدة لقتله في السعودية علي أن تنسب الجريمة إلي بعض اليمنيين ! ، وكان أمير الحج المصري حامد جودة – رئيس مجلس النواب الذي ينتمي إلي الحزب السعدي – قد صحب معه بعض الأشخاص الخطرين ، ولكن الحكومة السعودية استشعرت ذلك فأنزلت المرشد العام ضيفاً عليها وأحاطت مقره بحراسة شديدة ، وقدمت إليه سيارة خاصة بها جندي مسلح لمنع الاعتداء عليه ، وعاد حسن البنا في 28 من نوفمبر 1948م.

حادث الاغتيال 

وسنتناول حادث الاغتيال من خلال حديث الأستاذ عبد الكريم منصور الذي رافق الإمام الشهيد في الحادث :

الإجراءات التي اتخذت لإتمام الاغتيال:

وقد اتخذت الحكومة عدة إجراءات لتسهيل عملية الاغتيال الإمام البنا تتلخص في الآتي :

ـ اعتقال الإخوان عدا الإمام الشهيد وإيداعهم السجون .

ـ سحب المسدس المرخص الخاص بالإمام الشهيد .

ـ سحب الجندي المكلف بالحراسة علي منزل الإمام الشهيد ، رغم أنه عرض عليهم التكفل براتبه ، وكان جميع الزعماء توضع لهم حراسة خاصة .

ـ  اعتقال أخيه اليوزباشي عبد الباسط الذي أحس بالمؤامرة علي أخيه وجاء ليحرسه .

ـ قطع خط التليفون حتى لا يتمكن من الاتصال بالخارج .

ـ اعتقال كل من ذهب لزيارة الإمام حسن البنا في هذه الفترة ، وإذا دخل الزائر ولم يُر اعتقل أثناء خروجه .

ـ إذا سلم عليه شخص في الطريق أثناء سيره اعتقل حتى ولو كان من غير الإخوان المسلمين .

ـ سحب السيارة الخاصة بالإمام الشهيد وكانت ملك صهره عبد الحكيم عابدين .

ـ عدم السماح له بمغادرة القاهرة أو السفر إلي أي مكان .

ـ شَغْل الإمام الشهيد بمفاوضات الصلح بينه وبين الحكومة .

ما حدث يوم الاغتيال

في يوم الاغتيال كلفني الإمام الشهيد حسن البنا قبل العصر بالذهاب إلي التليفونات الخارجية في السيدة للاتصال بالشيخ عبد الله النبراوي في بنها ، لكي أبلغه رغبة الإمام في الإقامة عنده في عزبته " أبعادية النبراوي " وكانت هذه العزبة محاطة برجال النبراوي وحراسه ، فلما تكلمت مع رد علي أهله وقالوا : لا داعي لحضور الإمام لأن البوليس جاءنا وضربنا ودمر أثاث المنزل وممتلكاتنا ، واعتقل الشيخ عبد الله ، وعدت إلي الإمام لأخبره بنتيجة المكالمة فقال إنه قد جاءه الأستاذ محمد الليثي رئيس قسم الشباب بجمعية الشبان المسلمين وأخبره بأن الحكومة تريد استئناف المفاوضات ، وإن بعض الشخصيات الحكومية ستحضر في جمعية الشبان المسلمين لهذا الغرض ، فأخبرت الإمام بأمر اعتقال الشيخ النبراوي ، ورجوته عدم الذهاب إلي الشبان المسلمين ، ولكنه رحمه الله صمم علي الذهاب قائلاً : إني وعدت ولا يجوز أن أخلف الميعاد .

ظهرت حقيقة الحادث بتفاصيله والذي تم في الساعة الثامنة والثلث من مساء يوم السبت 12 فبراير 1949م الموافق 14 ربيع الآخر في 1368هـ . يقول الأستاذ عبد الكريم منصور : " ذهبنا إلي جمعية الشبان المسلمين وقد أخبر الأستاذ البنا بأن الحكومة تريد استئناف المفاوضات وأن شخصيات حكومية ستحضر في جمعية الشبان لهذا الغرض ، وجلسنا في الجمعية ولم تحضر الشخصية الحكومية حتى العشاء ، فقام الإمام الشهيد وصلي بالموجودين صلاة العشاء ، ثم جلسنا قليلاً بعدها ولم تحضر هذه الشخصية .

وهنا طلب الإمام من الأستاذ محمد الليثي أن يستوقف تاكسي ، وخرجنا من الجمعية إلي شارع رمسيس الذي كان مظلمًا وكانت الساعة تشير إلي الثامنة والثلث ، ووقف التاكسي الذي لم يكن هناك غيره في الشارع كله ، ودخل الإمام الشهيد في المقعد الخلفي ودخلت بعده وجلست إلي يمينه ، ثم نهض وأبدل المقاعد فجلس علي يميني وجلست علي يساره ، وفي هذه الأثناء كان يقف أمام السيارة شخصان فتقدم أحدهما وأراد فتح باب السيارة فأغلقته ، وحاول الفتح .

وأنا أحاول الغلق مهدداً لي بمسدسه ، وأخيراً فتح الباب وأطلق علي صدري الرصاص فتحولت إلي الجهة اليسرى فجاءت الرصاصة في مرفقي الأيمن ، وأمسكت بيده التي فيها المسدس وحاولت بيدي الأخرى أن أنتزع منه المسدس فلم أجد ذراعي إلا معلقًا ، العضد هو الذي يتحرك فقط ، وهنا أطلق المجرم رصاصة أخرى اخترقت المثانة وشلت حركة الرجل اليسرى ، وهنا عجزت عن الحركة ، فتركني وتوجه إلي الإمام الشهيد وحاول فتح الباب ولم يستطع فأطلق الرصاص عليه ثم فتح الباب وظل يطلق الرصاص علي الإمام الشهيد وهو يتراجع وهنا قفز الإمام من السيارة وجري خلفه حوالي مائة متر إلا أن السيارة كانت تنتظره عند نقابة المحامين فاستقلها وهرب ، وعاد الإمام الشهيد وحملني وأجلسني في السيارة حيث كانت رجلي اليسرى خارج السيارة لا أستطيع تحريكها .

ونادي الإمام الأستاذ محمد الليثي وقال له رقم السيارة عندك " 9979" وجاء شخص آخر طويل القامة أسمر ، وقال : هل أخذت رقم السيارة التي ارتكبت الحادث .. رقمها " 1179 " وانصرف .

دخل الإمام البنا إلي جمعية الشبان المسلمين وطلب عربية إسعاف ولكنها تأخرت وهنا كان الناس قد تجمعوا فطلبوا من سائق السيارة أن يوصلنا فرفض ولكنهم أرغموه علي ذلك فأوصلنا إلي الإسعاف .

وأمام الإسعاف حملني الإمام الشهيد مرة أخرى من السيارة وأدخلني إلي الإسعاف وقبض حرس الإسعاف علي السائق الذي حاول الهرب .

وجاء طبيب الإسعاف ليسعف الإمام البنا الذي قال له : " أسعف الأستاذ عبد الكريم أولاً لأنه حالته خطيرة ، ورأى طبيب الإسعاف أن حالتي تستدعي نقلي إلي القصر العيني فنقلنا أنا والإمام الشهيد وأدخلونا إحدى الغرف ، وجلسنا فترة حتى اتصلوا بالطبيب المناوب في منزله في روكسي بمصر الجديدة ، واستدعوه من السينما المجاورة حيث كان يشاهد فيلمًا ، وركب سيارته وجاء إلي القصر العيني .

في هذه الأثناء دخل علينا الأميرالاي محمد وصفي مندوب الملك وقال صارخًا : " انتم لسه مامتوش يا مجرمين " ، وانصرف .. وهنا دخل الطبيب الذي أراد أن يسعف الإمام الشهيد أولاً ولكنه قال له " أسعف الأستاذ أولاً .. وأمر الطبيب أحد الممرضين بخلع ملابس الشهيد ولكنه نهض من علي السرير وخلعها بنفسه ، ولما أرادوا أخذ اسمي وعنواني قال لهم الإمام الشهيد : " اتركوا الأستاذ عبد الكريم لأن حالته خطيرة وأعطاهم الاسم والعنوان .

وهنا دخل الأميرالاي محمد وصفي مندوب الملك ثانية وقال للطبيب : أنا جاي من عند الحكمدار لأعرف حالة الشيخ حسن البنا ، فقال له الدكتور : إن حالته ليست خطيرة ، وبعد ذلك فصلوا بيني وبين الإمام ووضعوني في غرفة مع أحد المرضي ، ووضعوا الإمام في غرفة وحده .

وعلمت فيما بعد أن الأميرالاي محمد وصفي أتي إلي المستشفي مندوبًا عن الملك وكان مكلفًا بالإجهاز علي حياة الإمام الشهيد ..إذ منع الطبيب من مواصلة العلاج وتركت دماء الإمام تنزف حتى صعدت روحه الطاهرة إلي بارئها تشكو ظلم الطواغيت .

الجنازة

اتخذ عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية قراراً عصبيًا بضرورة تشييع الجنازة مباشرة من مشرحة مستشفي قصر العيني ، حتى لا تتاح فرصة لتفاقم مشاعر الحزن والألم ، و تحسبًا لتدفق المشاعر وانفلات زمام الأمور .

ولكن رجلاً طاعنًا في السن قد أحنى ظهره يبلغ من العمر سبعة وستين عامًا كاملة ، عاريًا من كل حيلة أو وسيلة أمام اللواء أحمد طلعت يسأل – بإلحاح وبتوسل دون ملل – أن تشيع الجنازة من منزل الفقيد ، إنه الشيخ " أحمد عبدالرحمن البنا " والد " حسن البنا " الذي زلزلت كلماته الملتاعة كيان اللواء المصمم علي إنفاذ أمر رؤسائه ، فوعد باستئذان المسئولين علي أن تشيع الجثة من غير مظاهرات . وأن تدفن في الساعة التاسعة صباحًا .

التشييع:

وردت تفاصيل التشييع في صحيفة " الكتلة " الناطقة باسم حزب الكتلة برئاسة مكرم عبيد باشا ، والمنشور بعد تسعة أشهر كاملة من الحادث نتيجة الرقابة .

لقد وصفت الصحيفة ما حدث وكتبه مأمون الشناوي بدون توقيع في عدد 11 نوفمبر 1949م في عهد وزارة عبد الهادي .

أتت الصحيفة بعناوين تكفي تلاوتها للعن الطغاة والمجرمين تقول:

" القبض علي المعزين ، ومنع الصلاة علي جثمان الفقيد ، منع تلاوة القرآن الكريم علي روحه .."ثم نشرت الوصف التاريخي الآتي الذي استقته من الشيخ أحمد عبدالرحمن البنا والد الشهيد.

كيف دفنوا الإمام الشهيد؟

نقلت جثة الفقيد إلي بيته في سيارة تحرسها سيارات مملوءة بفريق من رجال البوليس المسلحين ، وقد أنساهم هول الجريمة أن الموتى لا يتكلمون ولا ينطقون !

وفي أحد شوارع الحلمية وقفت القافلة ، ونزل الجند فأحاطوا بيت الإمام الفقيد ، ولم يتركوا ثقباً ينفذ إليه إنسان إلا سدوه بجند وسلاح .

أما الشيخ البنا ذلك الشيخ الهرم فلم ينؤ بها ولم تبد عليه عوامل السنين كما بدت في هذه الليلة النكباء ، فقد عرف بخبر وفاة ولده من أحد الضباط ساعة وقوعها ، وظل ساهراً تفجعه الأحزان منتظراً الفجر ليؤدي فريضة الله ، ويقول له : سبحانك ، وعدالتك ياربي لقد قتلوا ولدي " .وتتابعت علي باب المسكن طرقات كان صداها يطحن قلب الشيخ الكبير الرحى .

كان الوالد هو وحده الذي يعلم وينتظر فإن أشقاء الفقيد جميعا كانوا في السجون ، وفتحوا الباب وأدخلوا الجثة ، ونشج الوالد المحطم بالبكاء فقالوا له : لا بكاء ولا عويل ، بل ولا مظاهر حداد ، ولنترك الشيخ أحمد عبدالرحمن البنا والد الشيخ حسن يتم القصة : قال : " أبلغت نبأ موته في الساعة الواحدة ، وقيل : إنهم لن يسلموا إلي جثته إلا إذا وعدتهم بأن تدفن في الساعة التاسعة صباحًا بدون أي احتفال ، وإلا فإنهم سيضطرون إلي حمل الجثة من مستشفي قصر العيني إلي القبر ، واضطررت إزاء هذه الأوامر إلي أن أعدهم بتنفيذ كل ما تطلبه الحكومة ، رغبة مني أن تصل جثة ولدي إلي بيته فألقي عليه نظرة أخيرة ، وقبيل الفجر حملوا الجثة إلي البيت متسللين ، فلم يشهدها أحد من الجيران ولم يعلم بوصولها سواى .

حصار حول البيت

وظل حصار البوليس مضروباً حول البيت وحده ،  ، بل حول الجثة نفسها لا يسمحون لإنسان بالاقتراب منها مهما كانت صلته بالفقيد .

وقمت بنفسي بإعداد جثة ولدي للدفن ، للدفن ، فإن أحداً من الرجال المختصين بهذا لم يسمح له بالدخول ، ثم أنزلت الجثة حيث وضعت في النعش ، وبقيت مشكلة من يحملها إلي مقرها الأخير .

وطلبت إلي رجال البوليس أن يحضروا رجالا يحملوا النعش فرفضوا ، قلت لهم : ليس في البيت رجال ، فأجابوا : فليحمله النساء ! وخرج نعش الفقيد محمولاً علي أكتاف النساء .

ومشت الجنازة الفريدة في الطريق ، فإذا بالشارع كله رصف برجال البوليس ، وإذا بعيون الناس من النوافذ والأبواب تصرخ ببريق الحزن والألم والسخط علي الظلم الذي احتل جانبي الطريق !

وعندما وصلنا إلي جامع " قيسون " للصلاة علي جثمان الفقيد ، كان المسجد خالًيا حتى من الخدم ، وفهمت بعد ذلك أن رجال البوليس قدموا إلي بيت الله وأمروا من فيه بالانصراف ريثما تتم الصلاة علي جثمان ولدي .

ووقفت أمام النعش أصلي فانهمرت دموعي  ولم تكن دموعًا بل كانت ابتهالات إلي السماء أن يدرك الله الناس برحمته .

ومضي النعش إلي مدافن الإمام ، فوارينا التراب هذا الأمل الغالي ، وعندما عدنا إلي البيت الباكي الحزين ، ومضي النهار وجاء الليل لم يحضر أحد من المعزين ، لأن الجنود منعوا الناس من الدخول ، أما الذين استطاعوا الوصول إلينا للعزاء ، فلم يستطيعوا العودة إلي بيوتهم ، فقد قبض عليهم ، وأودعوا المعتقلات ، إلا شخصًا واحداً هو مكرم عبيد باشا . 

تحقيقات القضية والحكم فيها

وقد بدأ التحقيق في هذا الحادث بعد وقوعه بساعات وانتهي في 18 ديسمبر عام 1952م ، وقيد برقم 1701 جنايات عسكرية قصر النيل سنة 1952م .

وكان المرحوم الأستاذ عبد العزيز حلمي رئيس نيابة جنوب القاهرة أول من تولي تحقيقات هذه القضية ، وهذه بدأها ليلة الحادث 12 فبراير 1949م وانتهي دوره في 2 مارس 1949م ، وقد سئل في هذه التحقيقات محمود عبد المجيد ومحمد محفوظ بعد أن حامت حولهما الشبهة بأقوال الشاهد الأول محمد يوسف الليثي ولم يوجه إليهما الاتهام ، وفي 17 مارس 1949م أعيد فتح التحقيق بعد أن أخطر الملازم أول " عزت النقيب " الضابط بسجن شبين الكوم بأن المسجون الفلسطيني صلاح أحمد بركات قد ادعي أنه قاتل المرشد ولكن هذا المسجون عاد فأنكر ما اعترف به للضابط أمام نيابة شبين الكوم .

وفي عهد حكومة الرئيس السابق حسين سري استأنفت التحقيقات بعد أن تلقت النيابة بعض الشكاوي وقد بدئ التحقيق في 28 نوفمبر 1949م ، وانتهي في 24 فبراير 1950م ، وسئل في هذه التحقيقات المتهمون محمود عبد المجيد ومحمد محفوظ وحسين كامل وعبده أرمنيوس وأحمد حسين ومحمد سعيد وحسين محمدين ومحمد الجزار ، وكشفت التحقيقات عن أهم وقائع الدعوي وهي استقدام المخبرين المتهمين من سوهاج بإشارة تليفونية قبل الحادث لارتكابه ، ولكن الأدلة لم تكن قد اكتملت لدي النيابة فقررت إخلاء سبيلهم ، وظل الوفد – بعد استقالة إبراهيم عبد الهادي – يطالب بإعادة التحقيق في القضية ، وعندما تولي مصطفي النحاس رئاسة الوزارة المصرية في 12 من يناير 1950م لم يفتح الوفد التحقيق في قضية الإمام البنا وظل التحقيق نائمًا لمدة عامين .

وقررت النيابة العسكرية ضم القضية بعد ذلك إلي قضية " الأوكار " دون أن يصدر قرار النيابة فيها ، وأعيدت التحقيقات من جديد في 26 يوليو 1952م . وفي هذه التحقيقات بدأت سلسلة اعترافات المتهم محمد محفوظ والبكباشي محمد الجزار، وأحيل التحقيق بعد ذلك إلي النيابة وتولاه الأستاذ فؤاد سري في 19 أغسطس 1952م .

واختارت الجمعية العمومية لمحكمة استئناف القاهرة المستشار الأستاذ حسن داود ليتولي إعادة التحقيق في القضية ، وبدأ تحقيقاته في أول أكتوبر سنة 1952م وانتهي منها في 18 ديسمبر سنة 1952 . وكان المستشار حسن داود آخر من تولي التحقيق في هذه القضية بعد أن استمرت التحقيقات ثلاث سنوات وعشرة وستة أيام .

وكان جميع المتهمين قد قبض عليهم ثم تقرر إحالتهم في غرفة الاتهام التي قدمتهم إلي محكمة الجنايات أمام الدائرة المشكلة برئاسة كامل ثابت وتحدد نظرها دور يونيو سنة 1953م وتأجلت إلي دور سبتمبر .

الدائرة التي حكمت

وتنحت دائرة كامل ثابت ووكل أمر الفصل في الدعوي للدائرة التي شكلت برئاسة المستشار محمود عبد الرازق، وانتهت المحكمة من نظر القضية يوم 2 أغسطس للنطق بالحكم .

حكم المحكمة علي قتلة حسن البنا :

قضت المحكمة 26 يومًا في المداولة وكتابة الحيثيات ثم أصدرت حكمها في 2 أغسطس 1954 وذلك بعد خمس سنوات وخمسة أشهر و 21 يومًا و14 ساعة و15 دقيقة من وقت وقوع الجريمة .

قضت المحكمة

أولاً : بمعاقبة أحمد حسين جاد بالأشغال الشاقة المؤبدة وكل من الباشجاويش محمد محفوظ محمد الأميرالاي محمود عبد المجيد بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة خمس عشرة سنة وإلزامهم بطريقة التضامن والتكافل مع الحكومة المسئولة عن الحقوق المدنية:

بأن يدفعوا عشر آلاف جنيه علي سبيل التعويض للسيدة لطيفة حسين زوجة الشيخ حسن البنا وأولاده القصر منها : وهم : وفاء وأحمد سيف الدين وسناء ورجاء وهالة واستشهاد المشمولين بولاية جدهم الشيخ أحمد عبدالرحمن البنا .

وبأن يدفعوا للشيخ أحمد عبدالرحمن البنا والسيدة أم السعد إبراهيم صقر والدي القتيل " قرش صاغ واحد " علي سبيل التعويض المؤقت .

وبأن يدفعوا للأستاذ عبد الكريم محمد منصور مبلغ ألفي جنيه علي سبيل التعويض .

ثانياً : بمعاقبة البكباشي محمد محمد الجزار بالحبس مع الشغل لمدة سنة ورفض الدعاوى المدنية قبله .

 ثالثا : ببراءة كل من مصطفي محمد أبو الليل واليوزباشي عبده أرمانيوس والبكباشي حسين كامل والجاويش محمد سعيد إسماعيل ، والأومباشي حسين محمدين مع رفض الدعاوي المدنية الموجهة إليهم .

كان الحكم مفاجأة للعميد محمود عبد المجيد الذي اسند رأسه علي يديه وعلت وجهة صفرة شديدة ، وظل في مكانه بالقفص إلي أن قاده الحراس إلي السجن .

أما أحمد حسين|أحمد حسين جاد فظل يبتسم ابتسامة عريضة بعد سماع الحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة كأنه لا يدري ما حوله .

وانفجر مصطفي أبو الليل الذي حكم ببراءته باكيًا وأخرج منديله من جيبه ليجفف به دموعه .. وكان يقول إنه يبكي علي العميد محمود عبد المجيد الذي عمل معه فترة طويلة .بعد صدور الحكم أمر جمال عبد الناصر بالإفراج الصحي عن محمود عبد المجيد 29 يونيه 1955م أي بعد عام تقريبًا من صدور الحكم .

 

وطعن محمد الجزار في الحكم بطريق النقض ولكن محكمة النقض قبلت الحكم شكلاً ورفضته موضوعًا، وقررت رد اعتباره بعد أن صدر حكم لصالحه من محكمة جنايات القاهرة في 25 من نوفمبر عام 1957 ، وقد اشتغل بعد ذلك بالمحاماة ثم بشركة الشرق للتأمين .

 

والتقي المخبران أحمد حسين جاد ومحمد محفوظ في السجن بأعضاء جماعة الإخوان الذين اعتقلهم جمال عبد الناصر أو صدرت ضدهم أحكام من المحاكم التي شكلتها الثورة .

 

وأفرج صحيًا عن سائق محمود عبد المجيد الرقيب محفوظ عام 1960 .

 

وأفرج صحيًا عن الرقيب أحمد حسين جاد في 4 من سبتمبر عام 1967، دون أن يمضي مدة العقوبة كلها ، افتتح عبده أرمانيوس محلاً لتجارة الموبيليا بعد أن أمضي عامًا في الحبس الاحتياطي ، قبل القضية ..

 

واختفي نص الحكم وحيثياته حتى التي كتبها رئيس المحكمة بخط يده ! .

 

من قتل حسن البنا ؟ .. دراسة تحليلية

 

إن حكم المحكمة والتحقيقات تشير إلي أن قتلة الإمام الشهيد حسن البنا هم محمود عبد المجيد وعصابته ولكن ملابسات الحادث والمستفيدين منه تدلنا علي أن محمود عبد المجيد وعصابته لم يكونوا إلا أداة أو قفازاً قذرا استخدمه الفاعل الأصلي , وعلي الرغم من أن التحقيقات استمرت في حادث الاغتيال ما يقرب من أربعة سنوات كان بعضها في عهد الملك وبعضها في عهد الثورة إلا أنه لم يقدم للمحاكمة إلا هؤلاء المرتزقة .

 

وعلي الرغم من أن التحقيقات والأحداث كانت تشير لبعض المساعدين للفاعل الأصلي وأيضًا تشير إلى هذا الفاعل الأصلي إلا أن هذا الفاعل كانت له القدرة علي طمس الحقائق في العهدين ؛ عهد الملكية وعهد الثورة .

 

أما في عهد الملكية فلم يحاكم أحد علي الإطلاق وحفظ التحقيق في عهد إبراهيم عبد الهادي لتورطه هو ووزارته في قتل الإمام البنا,و أما في عهد وزارة حسين سري وزارة الوفد فقد حفظ التحقيق لمصلحة الملك المتورط هو الآخر في هذا الحادث .

أما في عهد الثورة فتم تحقيق عن طريق نائبي الأحكام ثم أسند التحقيق إلي النيابة التي أحالت محمود عبد المجيد وزمرته إلي المحاكمة ولم يتطرق التحقيق ولا المحاكمة إلى الفاعل الأصلي ، فمن هو ؟

 

الفاعل الأصلي ؟

 

إن جريمة اغتيال الإمام الشهيد لا تنفصل عن قضية حل جماعة الإخوان ، ومن كان وراء قرار الحل هو الذي دبر لحادث الاغتيال من وراء ستار وإن لم يظهر في الصورة ، وعلي مسرح الأحداث ، وهذا معروف في الجرائم المنظمة حيث يختفي العقل المدبر للجريمة والمستفيد الأول منها خلف من هم أقل استفادة من الجريمة من القتلة المأجورين من أمثال محمود عبد المجيد وعصابته .

 

والفاعل الأصلي في هذه الجريمة هو القوى الاستعمارية " إنجلترا ، وأمريكا ، وفرنسا ، والصهيونية العالمية .. " أما المساعدون لهم فهم الملك ووزارة الحزب السعدي سواء وزارة النقراشي أو إبراهيم عبد الهادي الذي جاء من بعده ليتم الجريمة أما محمود عبد المجيد وزمرته فلم يكونوا سوى قفاز قذر استخدم في الجريمة . ولكي ندلل علي ما ندعيه إليك الآتي :

 

1– دور محمود عبد المجيد وعصابته :

 

لم يكن دور محمود عبد المجيد وعصابته يتعدي دور القاتل المحترف فهو لا يعرف الإمام البنا ولم تكن بينه وبينه أي خصومة لا هو ولا أحد من عصابته ، فقد جاء به عبد الرحمن عمار من " جرجا " لما عرف عنه من إجرام وانتهاك للقانون حيث كان محمود عبد المجيد يعمل حكمداراً لجرجا وكان لا يتورع عن قتل المجرمين المطلوب القبض عليهم أو المشتبه فيهم . فمن بين 18 متهمًا بالقبض عليهم قتل 15 منهم وكان لا يتورع عن التمثيل بجثث المتهمين وقد وصفه صابر طنطاوي مدير الأمن العام بأنه " رجل بلا ضمير ولا يخاف الله " .

 

وقد انتدبه عبد الرحمن عمار في أول أغسطس 1948 وعينه مديراً لإدارة البحث الجنائي بالوزارة ، ولما أمر بتنفيذ اغتيال الإمام الشهيد قام بندب باقي أفراد العصابة من جرجا أو من عمل معه هناك من قبل .

 

في أول يناير ندب كلاً من البكباشي أمين حلمي والرائد حسين كامل من جرجا وندب اليوزباشي عبده أرمانيوس من الجيزة إلي إدارة البحث الجنائي .

 

وفي يوم 2 يناير قرر ندب مخبر الشرطة الأمباشي أحمد حسين من مباحث جرجا إلي الإدارة علي أن ينفذ النقل خلال 24 ساعة

 

وفي يوم 21 من يناير ندب من جرجا أيضًا المخبر حسين محمدين رضوان والباشجاويش محمد سعيد إسماعيل, ومعلوم أنه لم يسبق قبل ولا بعد ذلك ندب مخبرين من إحدى المديريات للعمل بالقاهرة عدا هؤلاء الثلاثة وكان ندب هؤلاء المخبرين يتم شخصيًا ودون مكاتبات رسمية .

 

وعندما لاحظ الصول محمد البهي شرف المكلف بمراقبة حضور المخبرين في الدفاتر وتوزيع الخدمات عليهم وجود المخبرين الثلاثة وسأل عنهم قيل له : إن العقيد محمود عبد المجيد جاء بهم من سوهاج أثبت حضورهم في دفتر الإدارة ، وعندما علم محمود عبد المجيد بذلك الأمر نقل الصول محمد البهي يوم 26 يناير 1949م ونفذ النقل في اليوم ذاته .

 

وعلي ذلك لم يكن هناك أي نوع من المصلحة أو الفائدة التي يمكن أن تبرر ارتكاب محمود عبد المجيد جريمة اغتيال الإمام الشهيد .. اللهم إلا تنفيذ رغبات أسياده .

 

2 – دور الحكومة السعدية :

 

قامت الحكومة السعدية برئاسة النقراشي بمحاولات عديدة لاغتيال الإمام الشهيد, بل إن التدبير لهذه الحادثة بدأ في عهد النقراشي وليس صحيحًا أن رأس البنا كان في مقابل رأس النقراشي , فرأس البنا كان مطلوبًا لذاته لا مقابل لرأس أحد ولو كان النقراشي ، ويشهد بذلك .

 

اعتقال كل الإخوان بعد قرار الحل ورفض اعتقال الإمام الشهيد حسن البنا .

ندب العقيد محمود عبد المجيد للعمل بوزارة الداخلية تم في أول أغسطس 1948 وقبل اغتيال النقراشي بقرابة الأربعة أشهر.

عندما أراد الإمام البنا أن يذهب إلي الحج ألغي مفتش الجوازات جميع الدول المرخص له بالسفر إليها ، واكتفي منها بالسعودية وعندما سافر إلي السعودية للحج أبرقت وزارة الداخلية إلي القنصل المصري في جدة بعدم السماح للبنا بالسفر إلي آية دولة عربية أخري وكان ذلك في 23 من سبتمبر سنة 1948م .

ما ذكره " الماجور سانسوم " ضابط الأمن بالسفارة البريطانية في مذكراته " إن كل الإجراءات التي اتخذت لمنع المظاهرات بعد الاغتيال وفي الجنازة تم تخطيطها قبل عدة أسابيع " .

أما بعد تولي إبراهيم عبد الهادي السلطة فقد كشفت عن وجهها القبيح واتخذت من الإجراءات ما يسهل عملية الاغتيال " راجع الإجراءات التي اتخذت لإتمام حادث الاغتيال " وبعد حادث الاغتيال حاولت الحكومة تضليل العدالة وتسترت علي القتلة علي هذا النحو :

 

فقد اتهم عبد الرحمن عمار الإخوان المسلمين بقتل مرشدهم وصرح لجريدة الأساس جريدة الحزب السعدي بأن " النار بدأت تأكل بعضها " .

لم يفت الحكومة أن تصرح بأن الإخوان قتلوا الإمام يحيي إمام اليمن وأن قتلة الإمام البنا يمنيون أخذوا بالثأر .

وقد كافأت إدارة الجنايات محمود عبد المجيد علي جهوده في " جرجا ", وقررت مكافأته بمبلغ 300 جنيه وعند عرض الأمر علي عبد الرحمن عمار رفع المكافأة إلي 600 جنيه .

وزار الأمباشي أحمد حسين حرم النقراشي فقدمت إليه هدية عبارة عن صورة لقرينها الراحل مكتوب عليها " هدية مني إلي البطل الأمباشي أحمد حسين " وأهدته قطعتين من الصوف الإنجليزي وحقيبة بداخلها ملابس حريرية لزوجته ، ورزمة أوراق مالية مجموعها 400 جنيه .

مصادرة الحكومة " جريدة المصري " التي نشرت رقم السيارة الصحيح الذي فر بها الجناة ، وتحويل مرسي الشافعي ومحيي الدين فكرى إلي نيابة الصحافة للتحقيق معهما لنشرهم الخبر ، ولأن بعض الأعداد أفلتت من الرقابة ووصلت إلي أيدي القراء .

كان هناك شاهد علي الحادث وهو شاب أسمر أبلغ نقطة بوليس " كوتسيكا " بشارع " معروف " برقم سيارة الجناة وقال إنه شاهدهما فإنه يمكنه التعرف عليهما ، فتحفظ عليه حتى جاء الصاغ توفيق السعيد من القلم السياسي إلي نقطة كوتسيكا وقام بتهديده وأوسعه ضربًا وهدده بأنه سيحاكمه بتهمة إحراز سلاح بدون ترخيص ، وقد أشرف علي تعذيبه بعد ذلك العقيد محمود عبد المجيد بنفسه ولم يظهر لهذا الشاب أثر بعد ذلك .

3 – دور القصر :

 

لقد بارك القصر قتل حسن البنا لأن فاروق كان يري في الإمام الشهيد الملك الجديد ، وكان يري في الإخوان أنهم العدو اللدود له ، وذلك بعد انتشار فضائحه ومخازيه وتمثلت مباركة القصر في هذه الأمور :

 

استمرار التستر علي الجريمة وعدم تقديم الجناة إلى المحاكمة طوال أيام الملك ، حتى إن حزب الوفد الذي كان في دعايته الانتخابية يطالب بتقديم الجناة للمحاكمة ، وعندما تولي الحكم لم يتقدم التحقيق قيد أنملة ، وما كان حزب الوفد ليتستر علي جريمة يتورط فيها السعديون وحدهم ولكن لابد من وجود قوى أكبر هي التي جعلت حزب الوفد يتخذ هذا الموقف .

تمتع محمود عبد المجيد بالحماية الملكية حتى نهاية عهد فاروق وقد أنعم عليه الملك في 4 يوليو 1949م برتبة البكوية من الدرجة الثانية لما يبديه من جهود في خدمة الأمن ثم عين محمود عبد المجيد بعد ذلك مديراً لجرجا في 3 من أبريل 1952م

إقرار محمد الجزار ضابط البوليس السياسي بأن عبد الرحمن عمار أمر ضابط القسم السياسي بإخفاء رقم سيارة الأميرالاي عبد المجيد لأن الأمر يهم السراي .

متابعة البوليس السياسي للقضية وذهاب محمد وصفي إلي قصر العيني حتى يتم الجريمة ويتأكد من وفاة الإمام الشهيد : " وقال محمد حسن الأمين الخاص للملك فاروق في التحقيقات التي جرت بعد الثورة : سمعت محمد وصفي وهو يتحدث إلي أحمد كامل قائد شرطة القصر الملكي ويقول له : بعد إصابة حسن البنا رحت المستشفي لأخلص عليه إذا كان حيًا "ويقول يوسف رشاد الذي كان يعمل كبيراً لأطباء البحوث الملكية عام 1941م : سمعت من زميلي أحمد شكيب الطبيب الشرعي الذي أجري الصفة التشريحية للبنا أن البنا ترك ليموت بالنزيف من الشريان ، وكان يمكن إيقاف النزيف وإنقاذ حياته بمبضع بسيط .

اتصال الملك بالدكتور يوسف رشاد في التاسعة من يوم الحادث وأبلغه باغتيال الإمام البنا في لهجة تدل علي فرحته وارتياحه للحادث قائلاً : " حسن البنا ضرب بالرصاص وحالته خطرة ، ولكن لم يمت بعد " ، ثم قام الملك بإبلاغ حسن يوسف وكيل الديوان بالخبر في منزله .

ذهاب الملك فاروق بنفسه إلي مستشفي قصر العيني في ليلة الحادث للتأكد من وفاة الإمام الشهيد حسن البنا هو ورجاله وحاشيته والبوليس السياسي ، ولما تأكد من وفاة الإمام غادر المستشفي .

ويقول " الماجور سانسوم " ضابط أمن السفارة البريطانية :" قرر رجال البلاط الملكي والحكومة اغتيال البنا بعد مصرع النقراشي ولم يكن هذا قراراً جديداً " ، أي إنه اتخذ قبل مقتل النقراشي .

4 – دور القوى الاستعمارية :

 

يعتبر الاستعمار هو الفاعل الأصلي وصاحب المصلحة الكبرى في مقتل حسن البنا ، ومحاولة تحطيم جماعة الإخوان المسلمين ، ونقصد بالقوى الاستعمارية هنا " إنجلترا وأمريكا وفرنسا " وذلك لما مثله وجود الإخوان من تهديد لمصالح تلك الدول .

 

فقد كان المركز العام للإخوان مكانًا لتجمع وانطلاق حركة التحرر في جميع الدول العربية والإسلامية التي كانت تحتلها تلك الدول أو التي كانت تهيمن عليها وتوجهها دون احتلال عسكري .

 

وأما أمريكا فبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت هي وريث هذه القوى الاستعمارية وبدأت تنشط في المنطقة العربية والإسلامية تبحث لنفسها عن موطن لقدم ولو علي حساب حلفائها وقد بدأت التدخل في شئون مصر من بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة ، حيث عرضت علي الملك في عام 1945م مشروعًا للإصلاح الزراعي وهو نفسه المشروع الذي عرضته علي حكام ثورة يوليو ، وكان هدفهم إصلاح صورة الملك وتحقيق مصالحهم من خلاله ، فلما تبين لهم استحالة إصلاح الملك بدأ وأمريكا يتحركون في اتجاه ضباط الجيش فوجدوا أن الإخوان قد سبقوهم في هذا الاتجاه حين كان المرحوم الصاغ محمود لبيب يقوم بهذا الدور .

 

وقد برزت قوة الإخوان في حدثين أثارا إزعاج كل الدوائر الاستعمارية والصهيونية ، أما الحدث الأول فهو تدخل الإخوان في اليمن ، والثاني كان تدخل الإخوان في حرب فلسطين عام 1948م ، وفي الحالتين كان تدخل الإخوان عمليًا وليس بالدعاية والخطب مما أربك مخططات تلك الدول فطالبوا بحل الإخوان ونصحوا بقتل الإمام البنا وقد شاركنا في هذه الوجهة الكثير من الكتاب .

 

ويقول الدكتور محمد السيد الوكيل : " لقد حاول الاستعمار صرف حسن البنا عن غايته عن طريق المرأة والمال والجاه كما يقول روبير جاكسون ولكن ذلك كله لم يفلح معه وكان الاستعمار الصليبي واليهودي يعلم أن غاية حسن البنا إعادة مجد الإسلام والخلافة الإسلامية ، وطرد الاستعمار وملاحقته وغزوه علي أرضه ، ولن يتم كل ذلك إلا بضرب الإنجليز وطردهم من مصر وطرد اليهود من فلسطين ، لذلك عزم الاستعمار وأذنابه أن يقبضوا علي هذا الرجل ظنًا منهم أنه بموته تموت دعوته .

 

ولسنا هنا في محل استقصاء هذه الآراء ولكننا في محل ذكر التدليل علي ما نقول :

 

أولا : إن القرار حل الإخوان قد صدر بناء علي طلب من سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا.

 

ففي 10/11/1948م اجتمع سفراء إنجلترا وأمريكا وفرنسا في فايد ، وقرروا اتخاذ الإجراءات اللازمة بواسطة السفارة في القاهرة لحل جمعية الإخوان المسلمين التي فهم أن حوادث الانفجارات الأخيرة في القاهرة قد قام بها أعضاؤها ، وأرسلت هذه الإفادة إلي رئيس المخابرات تحت رقم 13 في 13/11/1948م وترجمة الخطاب كالآتي :

 

الموضوع اجتماع سفراء صاحب الجلالة البريطانية وأمريكا وفرنسا في فايد في 10/11/1948 ، رقم القيد 1843/ 1س/48 ، التاريخ 13/11/1948 ، إلي رئيس المخابرات رقم 13 : " فيما يختص بالاجتماع الذي عقد في فايد في 10 الجاري بحضور سفراء صاحب الجلالة البريطانية وأمريكا وفرنسا أخطر أنه ستتخذ الإجراءات الازمة بواسطة السفارة البريطانية في القاهرة لحل جمعية الإخوان المسلمين ، التي فهم أن حوادث الانفجارات الأخيرة في القاهرة قام بها أعضاؤها " .

 

إمضاء / ج .د . أوبريان

 

وفي 20/11/1948 أرسل رئيس إدارة المخابرات فرع ( أ ) بقيادة القوات البريطانية بالشرق الأوسط إلي إدارة المخابرات ج . س – 13 في القيادة العليا للقوات البريطانية في مصر خطابًا هذه ترجمته الحرفية :

 

الموضوع : جمعية الإخوان المسلمين .

 

رقم القيد : 1670/ أ ن ت ب 11120/ 1948 إلي إدارة ج – س – 13 .

 

القيادة العليا للقوات البريطانية في مصر والشرق الأوسط .

 

بخـصـوص مـذكـرتكم رقم 734/ أ ن ت أ ب/ 38 المؤرخـة في 17/11/1948 .

لقد أخطرت هذه القيادة العليا رسميًا من سفارة صاحب الجلالة البريطانية بالقاهرة ، أن خطوات دبلوماسية ستتخذ بقصد إقناع السلطات المصرية بحل جمعية الإخوان المسلمين في أسرع وقت ممكن .

وفيما يتعلق بالتقارير التي كانت قد رفعت من الرعايا الأجانب المقيمين فقد أرسلت لوزارة الخارجية للعلم .

 

التوقيع

 

رئيس إدارة حرف أ في الشرق الأوسط كولونيل أ . م . ماك درموث

 

وبناء علي ذلك أبلغت السفارة البريطانية النقراشي بهذا القرار المطلوب وهو حل جماعة الإخوان المسلمين في أسرع وقت ممكن ، وكان ذلك مصحوبًا بتبليغ " بأنه في حالة عدم حل الإخوان المسلمين فستعود القوات البريطانية إلي احتلال القاهرة والإسكندرية ".

 

فاستدعى رئيس الوزارة محمود فهمي النقراشي والذي كان يشغل أيضًا منصب وزير الداخلية وقتئذ اللواء عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية وشرح له الأمر ، وهو طلب السفارة البريطانية حل جمعية الإخوان المسلمين وإلا احتلوا القاهرة والإسكندرية.

 

وطلب منه كتابة مذكرة تبرر حل جمعية الإخوان المسلمين أمام الرأي العام ، حتى لا يظهر أنه ينفذ ما طلبته السفارة البريطانية من تدخل سافر في الشئون الداخلية لمصر ، وهي دولة مستقلة ذات سيادة من الناحية الرسمية ! !

 

تعهد اللواء عبد الرحمن بذلك ، واتصل بالمديرين وطلب منهم أن يوافوه بالحوادث التي كان الإخوان المسلمين طرفًا فيها ولو كانوا مجنيًا عليهم ، وقد ثبت هذا في شهادته أمام محكمة الجنايات في قضية مقتل النقراشي .

 

ثانيُا : ما ذكره " الماجور سانسوم " ضابط الأمن بالسفارة البريطانية في مذكراته " إن كل الإجراءات التي اتخذت لمنع المظاهرات بعد الاغتيال وفي الجنازة تم تخطيطها قبل عدة أسابيع " .

 

فمن أطلعه علي ذلك إلا أن تكون سفارته شاركت في هذا الأمر ! ! .

 

ثالثًا : في مقابلة بين " تشابمان آند روز " الوزير البريطاني المفوض وكريم ثابت المستشار الصحفي لفاروق، يدور الحديث حول الوزارة الجديدة بعد مقتل النقراشي ويرى آند روز أن الوزارة لابد أن يشارك فيها حزب الوفد ، ويقرر أن بريطانيا قد بذلت مساعي كبيرة لإشراك حزب الوفد في الوزارة وذلك حتى تتم الوزارة مهمتها بنجاح .

وقد لخص آند روز مهمة الوزارة حيث قال : " المهمة الرئيسية للحكومة الحالية هي تحطيم الإخوان " .

 

رابعًا : عندما علم محمد وصفي قائد حرس الوزارات – وكان من المشاركين في اغتيال الإمام الشهيد – بأن تحقيقات الثورة في مقتل الإمام الشهيد تناولته لجأ إلي السفارة البريطانية طالبًا حق اللجوء السياسي ، وأيد الماجور سانسوم ضابط أمن السفارة طلبه وقال للسفير : " أنقذوا حياة هذا الرجل الذي ساعدنا كثيرًا " ولكن السفارة والخارجية البريطانية رفضتا ذلك ، فانتحر محمد وصفي بتناول كمية من الحبوب المنومة مؤثرًا الموت علي مواجهة الموقف .

 

خامسًا : الاهتمام البالغ للسفارة الأمريكية والبريطانية بآثار قرار الحل والمتابعة الدقيقة لحادث الاغتيال ونقل ردود الأفعال وما يقال حول الاغتيال في تقارير رسمية من السفارتين إلي دولتيهما .

 

سادسًا : وفي عام 1948م وبعد الهدنة الثانية عقد " موشى ديان " مؤتمرًا صحفيًا في أمريكا وفيه سأله أحد الصحفيين : هل يستطيع أن يضمن بقاء "إسرائيل" وسط دول كثيرة تعاديها وتضمر لها الشر ؟ فأجاب موشى ديان : إن "إسرائيل" لا تخشى لقاء هذه الدول مجتمعة أو متفرقة فهي كفيلة بهزيمتهم ، ولكنها تكره أن تلقي فئة واحدة فقط وهم الإخوان المسلمون وستكفينا حكومتهم مئونتهم.

 

سابعًا : الفرحة الغامرة التي عمت أمريكا وشرب الأمريكان أنخاب الخمر عندما سمعوا بمقتل الإمام الشهيد حسن البنا كما روى ذلك الشهيد سيد قطب .

 

ثامنًا : عندما قامت الثورة في 23 يوليو كان أول إجراء اتخذته الثورة هو إعادة التحقيق في قضية حسن البنا حيث قبض علي الجزار 25 يوليو قبل طرد الملك وبدأ التحقيق مع المتهمين من قبل محكمة الثورة ولكن بعد أقل من شهر وبالتحديد في 17 أغسطس 1952م تم تحويل القضية إلي النيابة العامة .

 

فمن نصح الثورة بذلك أو ضغط عليهم مع الوضع في الاعتبار أنه في هذه الفترة القصيرة لم يحدث ما يعكر صفو العلاقة بين الإخوان والثورة , بل إن جميع الإخوان تقريبًا كانوا يعتبرون أن هذه الثورة ثورتهم .

·    المصدر: إخوان ويكي

 

التعليقات