الإمام حسن البنا ومواقف التربية وكسب القلوب

الإمام حسن البنا ومواقف التربية وكسب القلوب

من المؤكد أن تواصل البشرية وتعايشها جزء من سمات الكون الذي خلقه الله تعالي وأبدع في صنعه، فلا يمكن أن تستقيم حياة الإنسان بمفرده خاصة أنه كائن مجتمعي بطبعه، لذلك فإن اندماجه مع المحيطين به ليس فقط أمرًا حيويًا ومطلوبًا بل حتمية تقتضيها الحياة البشرية. ويستدعي هذا البناء المجتمعي أن يراعي كل منا شعور واحتياجات الآخر، حتى لا نخسر أنفسنا والمحيطين بنا.

وكان الإمام حسن البنا خبير في هذا المجال الذي ألف به القلوب، ورسخ مفهوم الحب في الله بين الجميع.

مات حسن البنا وترك أسس هذه المدرسة التربوية التي سار فيها على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن استيعاب الآخرين، ولين الجوانب معهم.

مع آل هويدي

تعرف الأستاذ عبد الرازق هويدي (والد أ/ فهمي هويدي وأخو أمين هويدي رئيس المخابرات السابق) على الإمام البنا ودعوة الإخوان حتى أصبح من قادة الإخوان الكبار في محافظة الجيزة.

يقول أ/ أحمد عيد: كان من أدب الإخوان بالقاهرة إذا أراد أحدهم أن يسافر إلي بلدته استأذن في ذلك من الأستاذ المرشد رحمه الله وذات يوم توجه الأخ الحاج عبد الرازق هويدي يستأذن في السفر إلي بلدته، فلما استفسر منه فضيلة المرشد عن سبب سفره المفاجئ أخبره أن جده مريض ويريد عيادته، فدعا له وأبلغه تمنياته له بالشفاء وتوجه الحاج عبد الرازق إلي بلده – وفي اليوم التالي فوجئت عائلة هويدي بالأستاذ المرشد يحضر لزيارة جدهم الكبير وكانت مفاجأة أثارت اهتمام العائلة جميعا فأسرعت ترحب بمقدمه، وكان شباب عائلة هويدي لهم ميول سياسية متباينة فمنهم الوفدي ومنهم السعدي. وحول سرير الجد الكبير دارت بعض الأحاديث الخفيفة، حيث قال الجد كلمات ترحيب وشكر للأستاذ المرشد ونوه بفضل الإخوان في أنهم جعلوا من الحاج عبد الرازق شخصية إسلامية مؤمنة، فرد الأستاذ المرشد فقال: أنه لا فضل للإخوان في ذلك، فالإخوان والحمد لله يرزقون من كل عائلة كريمة من يمثلهم في جماعة الإخوان المسلمين.ونزلت هذه الكلمات الرقيقة الواعية علي قلوب الجميع بردا وسلاما وتذوقوا منها وبها قيمة الدعوة والداعية([1]).

مع والد عمر الأميري

كان عمر بهاء الأميري أحد الطلاب السوريين الذين درسوا في مصر وتعرفوا على الإمام البنا وتأثر به، وتربى على يديه حتى أصبح قامة عالية وسط العلماء.

ومن المواقف التي يذكرها مع الإمام البنا أنه كان في زيارة لمصر في صحبة والده والذي حرص أن يعرفه بالإمام البنا فاصطحبه للمركز العام للإخوان المسلمين وتقابلا مع الإمام الشهيد الذي رحب بهم بشده، وفي اليوم الثاني وأثناء استقلال الأميري ووالده القطار وقبل التحرك بقليل من محطة مصر وجدا الإمام البنا يأتي مسرعا حاملا باقة من الزهور، ليقدمها لوالد بهاء الأميري ويودعه، مما ترك هذا الموقف أثرا بليغا في نفس الوالد والابن([2]).

لو خرجنا بواحد لكفى

يقول الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله : ذهبت مع الإمام الشهيد مرة إلى مدينة طوخ بالقليوبية .

وكان الحفل حاشداً، والهتافات عالية ... وفي الطريق سألني فضيلته : ما رأيك في الحفل ؟

قلت : إن الصخب شديد، والأصوات العالية لا تطمئنني كالطبل الأجوف.

قال : اسمع، نحن على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم . كان يعرض نفسه على الناس في الأسواق، فلا يلقى إلا السخرية والإيذاء .

فهلا نصبر على بطء الاستجابة إننا لو خرجنا من هذه الآلاف بواحد فقط، فذلك خير من الدنيا وما فيها.

وفي حرب فلسطين تطوع أحد الإخوان في كتائب المجاهدين، فظن والده أن الإمام البنا هو الذي أثر عليه، فجاء إلى المركز العام ثائراً، وكلم الأستاذ بحدة بالغة، فقدر الأستاذ مشاعر الأبوة، وتلطف بالرجل ... فلما هم الرجل بالانصراف - وكان ضعيف البصر - وقد ترك حذاءه خارج الغرفة، إذا به يفاجأ بالإمام الشهيد يحمل حذاءه إليه ويضعه تحت قدميه، فقال الرجل : كأنما ألقى عليّ المرشد بعض الماء البارد (يعني أن كل ما في نفسه قد زال)([3]).

مع آل عبد العزيز باشا فهمي

لم يقتصر استيعاب الدعوة على رجالات الدعوة فحسب لكن الإمام البنا استطاع أن يحتوي الكثير من المشاكل بالحب.

يقول عباس السيسي: في كفر المصيلحة بلدة عبد العزيز باشا فهمي حدثت مشادة بين الإخوان وبين أفراد عائلة الباشا، وكان من عادة الأستاذ البنا ومن أخلاقه الإسلامية أنه إذا نزل بلدا فإنه يبدأ بزيارة عمدتها أو كبيرها، ومن وراء هذا المعني مدلولات لا حصر لها .

وعلي أثر هذه المشادة توجه بعض الإخوان من كفر المصيلحة إلي القاهرة وقدموا شكواهم إلي فضيلة المرشد وقالوا فيما قالوا أنه بعد ذلك لا يستحب لفضيلتكم أن تقوم بزيارة عبد العزيز باشا فهمي عند حضورك للبلدة، وصرفهم الأستاذ المرشد ونصحهم أن يلتزموا الحكمة والصبر، ومضت الأيام واعتزم زيارة كفر المصيلحة – واستقبل الإخوان مرشدهم هذه المرة بصورة شعبية حماسية، وسار الموكب متجها ناحية شعبة الإخوان المسلمين – غير أن الأستاذ البنا طلب من السائق التوجه إلي دار عبد العزيز باشا فهمي كالعادة – ولم يستطع السائق إلا تنفيذ طلب الأستاذ أمام تعجب الإخوان ودهشتهم وسار الموكب حتى وصل إلي منزل الباشا الذي كان هو وعائلته يتشككون في هذه الزيارة بعد الذي حدث واستقبله الباشا وعائلته استقبالا كريما وودعوه وفي المساء ازدحم السرادق بالإخوان وبعض الناس الذين جاءوا ليزيدوا النار اشتعالا ويصطادوا في الماء العكر .

ووقف حسن البنا وخطب فيهم ورطب القلوب ثم قال أنه جاءه منذ مدة وفد من الشعبة وحدثوه عن المشادة التي حدثت بين الإخوان وبين عائلة عبد العزيز باشا فهمي وقالوا له أنه لا يستحسن بعد ذلك أن تبدأ بزيارته كالمعتاد ووعدتهم خيرا ولكن الإخوان كما تعلمون يصدرون في كل تصرفاتهم عن عقيدة وشريعة لا يحتكمون إلي هوي ولا يقادون إلي شهوة ( ولا يجرمنكم شنآن قوم علي أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى )، لهذا حين جئت إلي هذا البلد الطيب كان لابد أن أدخل البلد من الباب ولا يمكن أن أدخله من الشباك، والباب الوحيد لهذا البلد هو منزل عبد العزيز باشا فهمي، حتى إذا أنهي الأستاذ المرشد هذه الكلمات الحكيمة المؤمنة تعالت الهتافات ( الله أكبر ولله الحمد ) وتصافحت الأيدي وربط الله بين القلوب بين إخوان الكفر وعائلة فهمي باشا([4]).

وهكذا يجب أن يتحلى رجال الدعوات بمثل هذه الأخلاق التي تجمع ولا تفرق، وتوحد الأمة لا تشرزمها.



([1])  أحمد عيد: مواقف إيمانية على طريق الدعوة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1408 هـ , 1988م.

([2])  عباس السيسي: حكايات عن الإخوان، الجزء الثاني، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1998م.

([3])  عمر التلمساني: حسن البنا الملهم الموهوب، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2000م.

([4])  عباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، دار الدعوة، الإسكندرية، 1978م.

 

 

التعليقات