لمحات من مسيرة الإمام حسن البنا

لمحات من مسيرة الإمام حسن البنا

أولا: نشأة حسن البنا

ولد الإمام الشهيد حسن أحمد عبد الرحمن البنا في ضحى يوم الأحد 25شعبان 1324هـ الموافق 14أكتوبر 1906م.، بالمحمودية في محافظة البحيرة بمصر، وكان الابن الأكبر لأبوين مصريين من قرية شمشيرة بندر فوه التابع لمديرية الغربية سابقًا ومحافظة كفر الشيخ حاليًا.

أبواه وأخوته:

هو الابن الأكبر للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، وذلك نظرًا لعمله في إصلاح الساعات.، وكان الشيخ أحمد عالما بالسنة فقد رتب معظم أسانيد الأئمة الأربعة على أبواب الفقه، وله مؤلفات في السنة منها "بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن" كما شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل وسمى الشرح "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني".، وقد كان الشيخ يعتبر نفسه من تلامذة الإمام محمد عبده..

ووالدة الإمام الشهيد هي السيدة الفضلى: أم سعد إبراهيم صقر والدها تاجر مواشي بقرية شمشيرة، وهي أيضا من نفس قرية والد الإمام الشهيد وهي تواجه المحمودية على الضفة الثانية للنيل.

 وكانت ذكية ومدبرة وواعية كما كانت على جانب كبير من العناد، فإذا انتهت إلى قرار فمن الصعب أن تتنازل عنه، وهي صفة ورثها –الإمام الشهيد- ابنها الأكبر كما ورث منها ملامح الوجه، ولكن العناد تحول إلى صورة سوية أصبح معها "قوة إرادة" ولم يشاركه في هذه الوراثة من إخوته سوى شقيقه عبد الباسط رحمه الله..

عبد الرحمن الذي أسس جمعية الحضارة الإسلامية في القاهرة التي اندمجت في الإخوان عند انتقال الإمام البنا إلى القاهرة وأصبح من الأعضاء البارزين في الإخوان وفاطمة (حرم الأستاذ عبد الحكيم عابدين)، ومحمد توفى في مارس 1990م شعبان 1410هـ، وعبد الباسط (وكان ضابطا بالبوليس ورافق الإمام الشهيد حتى قبيل أيام من اغتياله، واستقال من خدمة البوليس وعمل بالسعودية وتوفى بها ودفن بالبقيع بناء على وصيته رحمه الله)، وزينب التي توفيت وهي لم تتجاوز السنة من عمرها، والأستاذ أحمد جمال الدين (الكاتب المعروف والمصنف والمشهور باسم جمال البنا)، وفوزية (حرم الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي الذي كان مع الإمام الشهيد ليلة الاستشهاد وأصابه رشاش من رصاصات القتلة وتوفى سنة 1989 رحمه الله).

وقد ولد كل هؤلاء الأولاد والبنات في بيت واحد وفي غرفة واحدة كان يطلق عليها "غرفة الدكة" أو "مسقط الرؤوس العظيمة"..

كان البنا رب أسرة مثاليا فلم يقصر في رعاية أبنائه والعناية بهم والاهتمام بكل شئونهم فقد كان لكل ابن من أبنائه دوسيه خاص يكتب فيه الإمام بخطه تاريخ ميلاده ورقم قيده وتواريخ تطعيمه ويحتفظ فيه بجميع الشهادات الطبية التي تمت معالجته على أساسها وهل أكمل العلاج وكم استغرق المرض إلى آخر هذه التفاصيل، وكذلك الشهادات الدراسية ويدون عليها البنا ملاحظاته، وتروي ابنته الفاضلة ثناء "وكان عند عودته ليلاً إذا وجدنا نائمين يطوف علينا ويطمئن على غطائنا ويقبلنا بل يصل الأمر أنه كان يوقظ أحدنا ويصطحبه إلى الحمام".، وكان البنا كريما مع أولاده وكان يعطي كل واحد منهم مصروفا يوميا ثلاثة قروش وكان يعطي ابنه سيف الإسلام مصروفا شهريًا إضافيًا قدره نصف جنيه لشراء الكتب وتكوين مكتبة خاصة به وكان الإمام يتابع كل ما يقرأه أبناؤه رغم مشاغله الدعوية وكان أسلوب البنا في تربية أبنائه هو التوجيه غير المباشر فقد عرض لابنه سيف الإسلام بأن دخول السينما أمر لا يليق بالمسلم فلم يدخلها سيف قط وكان يتابع تصرفاتهم فعندما اشترى سيف بعض الروايات الأجنبية عن المغامرات لم ينهه عن قراءتها ولكنه أبدله خيرا منها مثل قصة الأميرة ذات الهمة وسيرة عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن وبعض روايات البطولة الإسلامية وسيرة عمر بن عبد العزيز وكان في رمضان يجلس مع سيف الإسلام وابنته الكبرى وفاء قبل الإفطار لكي يسمعا له القرآن وكان ذلك بغرض تعليمهم ولكن ذلك تم في بعض الأحيان في غير رمضان. وتطبيقا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب المؤمن المحترف" فقد دفع بابنه الوحيد سيف الإسلام إلى مدير مطبعة الإخوان ليعلمه فن الطباعة.

وتروي ابنته ثناء عن رعاية الإمام له فتقول: "وفي شهور الأجازة الصيفية والتي كان يقضيها مع الإخوان في محافظات الصعيد والوجه البحري كان لا ينسانا أو يتركنا بلا رعاية بل كان يصطحبنا إلى بيت جدي وأخوالي بالإسماعيلية لنقضي أجازتنا هناك ونستمتع ونمرح حيث المزارع الخضراء والحدائق الغناء وكان أخي سيف يمارس رياضة ركوب الخيل

النشأة الدينية

بدأ الإمام الشهيد دراسته بالقرآن الكريم والثقافة الإسلامية فقد تطابقت إرادة والديه على هذه البداية.

فقد أراد له أبوه رحمه الله أن ينشأ نشأة إسلامية حقيقية وأصر على أن يحفظ القرآن واستكمل له الكثير من جوانب الثقافة الإسلامية في سن مبكرة ثم عهد به إلى الشيخ (محمد زهران) الذي كان أيضا شيخه الأول وكان الشيخ زهران كفيفا

كانت بداية حبه للاطلاع وكثرة المطالعة في الكتب الدينية عن طريق الشيخ زهران فقد كان يصطحبه معه إلى مكتبته التي فيها الكثير من المؤلفات لقراءة بعض المسائل ومراجعتها، وكثيرا ما كان يحضر لقاءات الشيخ مع أهل العلم الذين يتناولون المسائل المختلفة بالبحث والنظر والنقاش. كما كان لوالد البنا أثر كبير في ثقافته حيث كان يشجعه على القراءة في مكتبته الخاصة ويهديه بعض الكتب مثل (الأنوار المحمدية للنبهاني) و(مختصر المواهب اللدنية للقسطلاني) و(نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للشيخ الخضري)، وغيرها من الكتب بل إن والده ساعده على تكوين مكتبة خاصة به وهو في المرحلة الإعدادية، ومن شغف البنا بالقراءة كان يترقب الشيخ حسن الكتبي يوم السوق بفارغ الصبر ليستأجر كتبا بالأسبوع لقاء مليمات ثم يردها ليأخذ غيرها وكان من أهم الكتب وأعظمها أثرًا في نفسه قصة الأميرة ذات الهمة وقصص الشجاعة والبطولة والاستمساك بالدين والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق.

وكان لرعاية أساتذته له في مدرسة المعلمين ومناقشاته المستمرة وحسن توجيههم له الأثر في دفعه إلى القراءة والتحصيل خارج نطاق الدراسة فحفظ خارج مناهج الدراسة كثيرًا من المتون في العلوم المختلفة ومن أمثلتها (ملحمة الإعراب للحريري) و(ألفية ابن مالك) و(الياقوتة في المصطلح) و(الجوهرة في التوحيد) و(الرجبية في الميراث) وبعض متن (الغاية والتقريب لأبي شجاع في فقه الشافعية) وبعض منطوق (ابن عامر في مذهب المالكية)، وكانت لعبارة والده المأثورة "من حفظ المتون حاز الفنون" كذلك الأثر الطيب في حفظه هذه المتون حتى أنه حاول حفظ متن (الشاطبية في القراءات) مع جهله التام بمصطلحاتها..

وكان لعلاقة البنا بالطريقة الحصافية أثر في ثقافته حيث درس كتب الصوفية على يد بعض المشايخ وكذلك درس الإحياء على يد الشيخ حسن خزبك. وكذلك سمع أحوال الأولياء والياقوت والجواهر وغيرها..

وكان لهذه الثقافات المتنوعة الأثر في نفس البنا حتى أنه كتب بعض الشعر الوطني وقد جمع ديوانا كبيرا من هذا الشعر الوطني كما ألف بعض المؤلفات في الفقه على المذاهب الأربعة وكذلك كتب هو وصديقه الأستاذ محمد علي بدير قصة تودد الجارية. كما حاول تقليد أستاذه وشيخه الشيخ زهران فأصدر مجلة شهرية سماها الشمس وكتب منها عددين ثم توقف وذلك تقليدا للشيخ في إصداره مجلة الإسعاد الشهرية وتشبها بمجلة المنار التي كان يكثر من مطالعتها

البنا والطريقة الحصافية

بدأ الشيخ حسن البنا دراسته بالقرآن الكريم والثقافة الإسلامية، حيث أراد والده الشيخ عبد الرحمن الساعاتي -رحمه الله - أن ينشأ ولده نشأة إسلامية حقيقية، وأصر على أن يحفظ القرآن، واستكمل له الكثير من جوانب الثقافة الإسلامية في سن مبكرة، ثم عهد به إلى الشيخ (محمد زهران) ليلقنه علوم القرآن، حيث ترك أثرا في شخصية الإمام البنا والذي وصف ذلك بقوله: وكان للرجل أسلوب في التدريب والتربية مؤثر منتج، رغم أنه لم يدرس علوم التربية ولم يتلق قواعد علم النفس، فكان يعتمد أكثر ما يعتمد على المشاركة الوجدانية بينه وبين تلامذته .

ولعلي أفدت منه - رحمه الله - مع تلك العاطفة الروحية حب الاطلاع وكثرة القراءة إذ كثيرا ما كان يصطحبني إلى مكتبته وفيها الكثير من المؤلفات النافعة لأراجع له وأقرأ عليه ما يحتاج إليه من مسائل..

يقول عبد الرحمن البنا عن هذه التربية: "كنا نعود من المكتب فتتلقفنا يد الوالد الكريم، فتعدنا وتصنعنا، وتحفظنا دروس السيرة النبوية المطهرة وأصول الفقه والنحو، وكان لنا منهاج يدرسه لنا الوالد الكريم، وكانت مكتبة الوالد تفيض بالكتب وتمتلئ بالمجلدات، وكنا ندور عليها بأعيننا الصغيرة، فتلتمع أسماؤها بالذهب، فتقرأ: النيسابوري، والقسطلاني ونيل الأوطار، وكان يبيحها لنا ويشجعنا على اقتحامها، وكان أخي هو المجلى في الحلبة وفارس الميدان، وكنت أحاول اللحاق به، ولكنه كان غير عادي، كان فرق السن بيننا سنتين، ولكنه لم يكن الفرق الحقيقي، بل فرق إرادة إلهية أعدته لأمر عظيم، فكان طالب علم ولكنه مستقر موهبة ومستودع منحة ربانية، وشتان بين المنزلتين، وفرق بعيد بين المريد والمراد! وكنا نسمع ما يدور في مجلس الوالد الكريم من مناقشات علمية ومساجلات، ونصغي للمناظرات بينه وبين من يحضر مجلسه من جلة العلماء، أمثال الشيخ محمد زهران والشيخ حامد محيسن، فنسمعهم وهم يناقشون عشرات المسائل..

لقد كان حسن البنا منذ صغره محبا لدينه، ويجاهد نفسه في البعد عن المعصية، حيث أثر فيه قبل الالتحاق بالحصافية الكثير من المشايخ، فحينما التحق بالمرحلة الإعدادية شارك في جمعية منع المحرمات كما كان رئيسًا لمجلس إدارة جمعية الأخلاق الأدبية وكانت تحت إشراف أحد أساتذة المدرسة.

واستمر حتى انتقل لمدرسة المعلمين بدمنهور، وقتها تعرف على صديقه أحمد السكري الذي صحبه لدروس الجمعية الحصافية.

يقول الشيخ البنا: فقد كانت الصداقة بيني وبين الأخ أحمد أفندي السكري قد توثقت أواصرها إلى درجة أن أحدنا ما كان يصبر أن يغيب عن الآخر طوال هذه الفترة أسبوعا كاملا دون لقاء، يضاف إلى ذلك أن ليلة الجمعة في منزل الشيخ شلبي الرجَّال بعد الحضرة (حيث كنا نتدارس فيها كتب التصوف من الإحياء والياقوت والجواهر وغيرها، ونسمع أحوال الأولياء، ونذكر الله إلى الصباح) كانت من أقدس مناهج حياتنا، وكنت قد تقدمت في صناعة الساعات وفي صناعة التجليد أيضا، أقضي فترة النهار في الدكان صانعا وفترة الليل مع الإخوان الحصافية ذاكرا ولهذه المآرب جميعا لم أكن أستطيع أن أتخلف عن الحضور يوم الخميس إلا لضرورة قاهرة، وكنت أنزل من قطار الدلتا إلى الدكان مباشرة، فأزاول عملي في الساعات إلى قبيل المغرب حيث أذهب إلى المنزل لأفطر إذ كان من عادتنا صوم الخميس والاثنين ثم إلى المسجد الصغير بعد ذلك للدرس والحضرة ثم إلى منزل الشيخ شلبي الرجال أو منزل أحمد أفندي السكري للمدارسة والذكر ثم إلى المسجد لصلاة الفجر..

ويضيف: في المسجد الصغير رأيت ‘الإخوان الحصافية’ يذكرون الله تعالى عقب صلاة العشاء من كل ليلة، وكنت مواظباً على حضور درس الشيخ زهران رحمه الله بين المغرب والعشاء (مدير مدرسة الرشاد الذي التحق بها وهو في سن دون الثانية عشر)، فاجتذبتني حلقة الذكر بأصواتها المنسقة ونشيدها الجميل وروحانيتها الفياضة، وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالحين، وتواضعهم لهؤلاء الصبية الصغار الذين اقتحموا عليهم مجلسهم ليشاركوهم ذكر الله تبارك وتعالى، فواظبت عليها هي الأخرى. وتوطدت الصلات بيني وبين شباب هؤلاء الإخوان الحصافية".

ويضيف: "أخذ اسم الشيخ الحصافي يتردد على الأذن فيكون له أجلّ وقع في أعماق القلب وأخذ الشوق والحنين إلى رؤية الشيخ والجلوس إليه والأخذ عنه يتجدد حيناً بعد حين، وأخذت أواظب على الوظيفة الروحية صباحاً ومساء، ولم تكن هذه الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم، وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التي وردت في كتب السنة تقريباً، ليس فيها شيء من الألفاظ الأعجمية أو التراكيب الفلسفية أو العبارات التي هي إلى الشطحات أقرب منها إلى الدعوات"..

لماذا الحصافية؟

تعرف الشيخ حسن البنا على الطريقة الحصافية والتي التزم بها حيث كانت دعوته مؤسسة على العلم والتعلم، والفقه والعبادة والطاعة والذكر، ومحاربة البدع والخرافات الفاشية بين أبناء بعض الطرق، والانتصار للكتاب والسنة على أية حال، والتحرز من التأويلات الفاسدة، والشطحات الضارة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذل النصيحة على كل حال، حتى أنه غير كثيرًا من الأوضاع التي اعتقد أنها تخالف الكتاب والسنة.

وزاد من تعلق البنا بالطريقة الحصافية ومؤسسها عندما قرأ كتاب المنهل الصافي في مناقب حسنين الحصافي حيث تعرف على شيخ الطريقة الأول ووجد أنه عالم أزهري تفقه على مذهب الإمام الشافعي وبلغ درجة عالية من العلم وكان طائعا لله محافظا على عباداته ومؤديا للفرائض حريصا على السنة والنوافل آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر منتصرا للكتاب والسنة محاربا للبدع والخرافات التي كانت منتشرة في الطرق الصوفية حينذاك، وكان أعظم ما أثر في نفس حسن البنا من سيرة هذا الشيخ هو أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم يأمر الكبار والصغار، يأمر أتباعه ومريديه بالتزام السنة والشرع والبعد عن الخرافة وكذلك الكبار حتى الخديوي توفيق..

ومن ثم واظب الإمام البنا في هذه الطريقة على أورادها في الذكر صباحًا ومساءً، والتي كانت تسمى "بالوظيفة الزروقية" ولم تكن هذه الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التي وردت في كتب السنة، وليس بها شيء من الألفاظ الأعجمية، أو التراكيب الفلسفية أو العبارات التي هي أقرب إلى الشطحات منها إلى الدعوات.

ومما شجعه على التزامها صحة الأحاديث التي اشتملت عليها، حيث خرجها وعلق عليها والده الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، في رسالة لطيفة سماها "تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الزروقية"..

ويقول عن شيخه في الطريقة الحصافية السيد عبد الوهاب الحصافي: "وأذكر من أساليبه الحكيمة في التربية أنه لم يكن يسمح للإخوان المتعلمين أن يكثروا الجدل في الخلافيات أو المشتبهات من الأمور، أو يرددوا كلام الملاحدة أو الزنادقة أو المبشرين مثلاً أمام العامة من الإخوان، ويقول لهم: اجعلوا هذا في مجالسكم الخاصة تتدارسونه فيما بينكم، أما هؤلاء فتحدثوا أمامهم بالمعاني المؤثرة العملية التي توجههم إلى طاعة الله، فقد تعلق بنفس أحدهم الشبهة ولا يفهم الرد فيتشوش اعتقاده بلا سبب، وتكونون أنتم السبب في ذلك..

وكما أثر التصوف على تزكية روح الإمام الشهيد وتهذيب أخلاقه، أثر عليه أيضًا في أسلوب تربيته للإخوان، حيث رباهم على إيثار الناحية العملية، وتجنب الجدل في الخلافيات أو المشتبهات من الأمور

أثر التربية في شخصيتة

التوكل على الله

حين رغب الإخوان في شراء قصر آل "أبو الحسن" وهو المبنى الضخم المقابل لدار المركز العام للإخوان في ميدان الحلمية الجديد، لم يكن في خزانة الجماعة غير مائتي جنيه فقط بينما المبلغ المطلوب أربعة عشر ألفًا من الجنيهات وحين طلب أصحاب القصر مبلغ خمسمائة جنيه عربونًا على أن يتم سداد باقي المبلغ بعد كتابة العقد بشهر.

هنا هتف حسن البنا قائلا: شيء عظيم، اشترينا القصر إن شاء الله وهو يعلم أن الخزنة ليس بها إلا مائتي جنيه، لكنه متوكل على الله تعالى ويوقن أن الله سيجعل له من أمره يسرا وما دام القصد إرضاء الله تعالى، والغاية إعلاء كلمة الله فلن يخيب هذه المساعي الحميدة

اليقين في نصر الله

وكتب إلى إخوانه من خلف القضبان في 16/3/1364هـ يقول: إن ما نلقاه الآن ليس جديدًا علينا ولا هو من المفاجآت في طريق دعوتنا، فكذلك كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ).، وقد حقق لنا القوم بهذا ما  كنا نتمثل به من قبل: "إن سجني خلوة وقتلي شهادة وتغريبي سياحة".، وقد نقلونا بهذه المحنة نقلة واسعة إلى الأمام والحمد لله، ووقفوا بنا على طريق معبد من طرق الدعوة وهذا أول الخير وأنا به جد متفائل وأعتقد أن وراء ذلك الفتح العظيم إن شاء

يرضى بالقضاء

كان قد دعا إلى "كتيبة" تبيت بالمركز العام، يتحدث معهم إلى هزيع من الليل، ثم ينامون ساعة أو ساعتين، ثم يستيقظون لصلاة الفجر، وكان قد ذهب إلى المنزل فوجد ابنه في حالة الخطر، وعلى شفا الموت، وكان موعد الكتيبة قد اقترب فانصرف إليها، وبينما هو يتحدث معهم في بشاشته المعهودة، جاء من يسرُّ إليه أن ابنه توفي، فما زاد على أن قال له بضع كلمات تتعلق بغسله وتكفينه.. وواصل حديثه مع أعضاء الكتيبة ونام معهم، وفي الصباح أمر بمن يذهب به إلى القبر

الرجل القرآني

وكان تعرو جسمه رعدة وتأخذ نفسه روعة فيتجهم لدى آيات الوعيد ويشرق عند آيات البشرى والنعيم خارجًا عن الجو الذي يحيا فيه غائبًا في معنى بعيد بعيد

ويصفه الشيخ الغزالي فيقول: "إن الله  جمع في شخصه مواهب تفرقت في أناس كثيرين وقد استفاد من تجارب من سبقوه من القادة وكان يدمن قراءة القرآن ويتلوه بصوت رخيم ويحسن تفسيره كأنه الطبري أو القرطبي ويفهم أصعب المعاني ويعرضها على الجماهير بأسلوب سهل قريب وقد  درس السنة والفقه ففهم منهج  السلف والخلف وأحاط بالتاريخ الإسلامي واطلع على منهج محمد عبده ورشيد رضا وتعمق في حاضر العالم ومؤامرات الاحتلال الأجنبي

كان يقطع الوجه القبلي كله بلدًا بلدًا وقرية قرية في عشرين يومًا ينام ساعة أو بعض ساعة في القطار وهو يضع رأسه تحت ذراعه وهم يتحدثون من حوله.

فإذا سافر مع أصحابه أشرف على نومهم وبحث عن الأسِرَّة والغطاء وكل أمورهم فإذا اطمأن إلى أنهم رقدوا عاد إلى حجرته يتوضأ ويصلي هزيعًا من الليل ويناجي حتى الفجر ثم ينام بعده ساعة أو ساعتين يستيقظ بعدها فتيًا قويًا وسرعان ما يرتدي ثيابه ويتناول إفطاره ويكون في الطريق إلى العمل يجتمع مع أهل كل بلدة خاصة فإذا انتهى جمعهم في جماعة عامة

الجانب العقلي

قال فضيلة الشيخ طنطاوي جوهري: "إن حسن البنا في نظري مزاج عجيب من التقوى والدهاء السياسي، إنه قلب علي وعقل معاوية وإنه أضفى على دعوة اليقظة عنصر "الجندية" ورد إلى الحركة الوطنية عنصر "الإسلامية"، وبذلك يعد هذا الجيل الإسلامي الحاضر النسخة الإسلامية الثانية الكاملة المعالم بعد الجيل الإسلامي الأول في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

يصفه الأستاذ عمر التلمساني فيقول: كانت له ذاكرة غير مألوفة في قوتها: إذا سأل أخًا عن اسمه مرة وابنه وأبيه وعمله ثم التقى به بعد أشهر طوال حياه باسمه، وسأله عن والده فلان، وابنه فلان، وكان ذلك مثار العجب عند الجميع، ولو علمت عدد شعب الإخوان أيام حياته، ولكل شعبة مسئول ثم هو بعد ذلك يعرف كل مسئول عن كل شعبة، وهو الذي يعرف الآخرين بهم، لأذهلتك هذه الذاكرة الجبارة، التي ما ضاقت يومًا عن اسم أو غاب عنها حدث مهما طال به الزمن

كان أبغض شيء إلى نفسه المدح والإطراء الشخصي

ويذكر الأستاذ أنور الجندي أن الإمام كان ينزعج من المدح في شخصه ويقول: "إنه أنزلني من فوق منصة الخطابة في أسيوط بشدة وعنف لأنني كنت ألقي قصيدة جاء فيها ذكره فغضب لذلك وقال: إما أن يقول شيئًا عن الدعوة وإلا فأنزلوه وقد فعلها مع كثير غيري من الإخوان وكنت أشعر بضجره إذا حاول أحد من الإخوان أو من الناس أن يذكره بكلمة ثناء في قصيدة أو خطبة وكان يقول دائمًا: "تكلموا في الدعوة فهي باقية والأشخاص فانون

البنا والحركة الوطنية

"على الرغم من انضمام البنا وهو في سن صغير إلى الصوفية وانشغاله بالأوراد والصلاة وزيارة الأولياء إلا أن ذلك لم يمنعه وهو تلميذ في الإعدادية وفي سن الثالثة عشرة من المشاركة في الحركة الوطنية وقيادة زملائه في المظاهرات والإضرابات التي كانت تنظم في المدرسة بل يكتب شعرا يرثي فيه الزعيم الوطني محمد فريد، ويهاجم في إصرار لجنة "ملنر" ولقد جمع من هذه البواكير ديوانا كبيرا.

يقول الإمام البنا "ولا زلت أذكر يوم دخل علينا أستاذنا الشيخ محمد خلف نوح –المدرس بالمعارف بالإسكندرية- والدموع تترقرق في عينيه فسألناه الخبر فقال مات محمد فريد بك" وأخذ يحدثنا عن سيرته وكفاحه في سبيل الوطن حتى أبكانا جميعا وأوحت لي هذه الذكرى ببعض أبيات لازلت أحفظ مطلعها وشطرا آخر:

أفريد نم بالأمن والإيمان               أفريد لا تجزع على الأوطان

أفريد تفديك البلاد بأسرها

ولازلت أذكر حديث الناس حول لجنة ملنر وإجماع الأمة على مقاطعتها وكيف كان هذا الشعور فياضا غامرا حتى إنه يدفع بتلميذ الثالثة عشرة إلى أن يقول:

يا ملنر ارجع ثم سل                 وفدا بباريس أقام

وارجع لقومك قل لهم               لا تخدعوهم يا لئام

في قصيدة طويلة لا أذكر منها إلا هذين البيتين..

وبعد أن انتقل إلى مدرسة المعلمين بدمنهور استمر حسن البنا في المشاركة في فعاليات العمل الوطني ضد الإنجليز وأعوانهم وقد كان في المقدمة من زملائه حيث كان رغم اشتغاله بالتصوف يعتقد أن الخدمة الوطنية جهاد مفروض لا مناص منه، وكان للبنا دور بارز مع الطلاب في قيادة الإضرابات حيث كان من المجموعة القيادية يقول البنا "ولست أنسى أستاذنا الشيخ الدسوقي موسى ناظر المدرسة الذي كان يخشى هذه التبعات كثيرا وقد أخذ بيدنا إلى مدير البحيرة حينذاك –محمود باشا عبد الرازق- وألقى مسئولية إضراب الغير علينا وقال إن هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يقنعوا الطلاب بالعدول عن إضرابهم. وعبثا حاول محمود باشا أن يقنعنا بالوعد أو الوعيد أو بالنصح، ثم صرفنا على أن نتدبر الأمر. فكان تدبيرنا أن أوعزنا إلى الطلاب جميعا بالتفرق في الحقول المجاورة طول اليوم وكان يوم 18 ديسمبر ذكرى الحماية البريطانية وذهبنا نحن إلى المدرسة وسلمنا أنفسنا لإدارتها وانتظرت وانتظرنا من يجيئ ولا من يجيب، فانصرفنا بعد فترة رغم الإضراب وانتهى اليوم بسلام..

بل إن البنا ليشارك في الإعداد للإضراب ويواجه ضابط البوليس الذي جاء ليقبض عليه وزملائه ويذكره بواجبه الوطني حتى يرجع الضابط عن مهمة القبض عليهم ويطمئنهم ويؤمنهم فكان مما قاله البنا للضابط ليصرفه "إن واجبه الوطني يفرض عليه أن يكون معنا، لا أن يعطل عملنا ويقبض علينا ولا أدري كيف كانت النتيجة أنه استجاب لهذا القول فعلا، فخرج وصرف عساكره وانصرف معهم بعد أن طمأننا

تربية جيل يحب الموت

لقد نبعت تربية جيل لا يهاب الموت لا بل يتمنى من حب الجهاد الذي فرضه الإسلام على أمة الإسلام لدفع الأخطار عنها، ولذا كان من أسس تربية هذا الجيل تحديد الهدف والغاية التي من أجلها يسيرون في هذا النظام.

ولذا اعتني الأستاذ البنا بتربية هذه الكوكبة عناية خاصة لما عليهم من مسئوليات جسام كانت تحتاج التربية الحقيقية والالتزام بها وعدم الشرود بعيد عن القرآن الكريم والسنة المطهرة.

يقول الإمام البنا: [أيها الإخوان: إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهم الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة، واعلموا أن الموت لا بد منه وأنه لا يكون إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم] ..

كانت طريقة التربية وأسلوب صياغتها ونمط إعدادها تجعلهم يرفضون الواقع الذليل، ويعملون على تغييره، ويسترخصون الحياة ويقبلون على الموت، إيمانا بما رأوه واجبا دينيا ووطنيا.

يقول أحمد عادل كمال:[لقد كان في الإخوان صفوة منتقاة لصفات معينة ثم تعهدها النظام بمزيد من التربية والتكوين والصقل والتأهيل فكانت الثمار رجالا لا يبالون وقعوا على الموت  أم وقع الموت عليهم، رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه" فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر". أعد رجالا بذلوا من أموالهم ومن ذواتهم وأرواحهم وأمنهم وحرياتهم ومن مستقبلهم ومن أقوات أولادهم وزوجاتهم وآبائهم وأمهاتهم ومن أمنهم وأرزاقهم ما عز نظيره وما يؤرخ لهم به]

أثر حسن البنا التربوي

عبد الرحمن البنان ذلك الشاب الصغير صاحب الأيد الناعمة والذي تعرف على الإخوان من خلال وائل وعمر شاهين وسار في فلكهم حتى أصبح أحد شباب النظام الخاص والتي انصهر قلبه في بوتقة التربية.

ما كاد منادي الجهاد ينادي حتى احترق قلبه شوقا للجهاد فاتجه للمركز العام وأمام الأستاذ البنا أرجعه لصغر سنه حيث كان طالبا في الثانوي، ولكنه أصر فعاد للأستاذ البنا متخفيا وقد خشن صوته غير أن فراسة البنا عرفته فقال له قلت لك أنت صغير يا عبد الرحمن.

احترق قلب الفتي فسأل وتقابل مع بعض المجاهدين وتعرف على ما هو مطلوب فذهب واشترى ملابس عسكرية بكل مصروفه وأعد العدة وخرج من بيته دون علم أهله لعلمه برفضهم لهذا المر، واتجه لمحطة القطار ليستقل للإسماعيلية ولكن كل خوفه من الشرطة العسكرية واستطاع أن يفلت منها في المحطة لكن واجهته مشكلة أخرى وهي لون بشرته التي دفعت كل الجنود ينظرون إليه بوحشية خشية أن يكون جاسوسا أجنبيا، لكنه اخذ يغنى مع بعض الجنود حتى وصلوا للإسماعيلية وكانت أمامهم عقبة المرور للضفة الأخرى والتي تحتاج لتصريح وهو لا يملك هذا التصريح فوقف في الطابور وكلما اقترب من نقطة التفتيش ذاد رعبه لكنه لجأ إلى الله أن يجعل له من هذا الأمر رشدا فما كاد يقف أمام الضابط ويسأله على التصريح حتى ينادي الضابط الأعلى على الضابط بعنف فيرتبك فيذهب ويعود ونسى أنه رأى أم لم يرى تصريح عبد الرحمن فسأله عن رؤية تصريحه فقال له تم فقال اعبر، فمر وركب القطار المتجه لغزة وهناك تقابل مع كامل الشريف الذي استمع لقصة كفاحه للوصول لرض الجهاد فقال له: أمامك أسبوعين اختبار وإلا سأرجعك لمصر وخلال الأسبوعين ظهر تفوقه فألحقه بالمجاهدين غير أن أمه ذهبت للأستاذ البنا بعد تغيبه فترة طويلة وبكت ان عبد الرحمن سافر لفلسطين فأرسل الأستاذ البنا يستدعيه ويوصيه بأمه لكن عبد الرحمن يعاود الكرة مرة ثانية ويجاهد في جميع المعارك حتى عاد واعتقل مع بقية المجاهدين

نماذج من تربية حسن البنا

يصف الأستاذ عمر التلمساني هذا الركن وفهمه له بقوله: عملت فترة "وزير مالية الإخوان" وكنت إذا وجدت في الخزانة مائة وخمسين قرشًا كنت أرى وقتها أننا من الأثرياء!!

وكان الداعية إذا ذهب إلى لقاء إخواني ليتحدث في الدعوة, أعطيه "ثلاثة تعريفة": منها ستة مليمات للذهاب, ومثلها للعودة، وثلاثة مليمات يشتري بها ما يروقه من الترمس والفول السوداني, واللب الأسمر والأبيض!!

ويذكر الإمام البنا أنه دخل على الأخ سعيد سيد أبو السعود – رحمه الله – تاجر الخردوات فرأى الأخ مصطفى يوسف يشتري منه "زجاجة ريحة" والمشتري يريد أن يدفع عشرة قروش، والبائع يأبى ألا يأخذ أكثر من ثمانية قروش، وكلاهما لا يريد أن يتزحزح عن موقفه، كان لهذا المنظر أعمق الأثر في نفس الإمام البنا وتدخل في الأمر فطلب فاتورة الشراء، فوجد الإمام البنا أن الثمن الأساسي الذي اشترى به الأخ سعيد سيد أبو السعود – رحمه الله – هو الذي يريد أن يبيع به لأخيه "الدستة بستة وتسعين قرشًا".

فقال الإمام البنا له: يا أخي إذا كنت لا تكسب من أخيك ولا يشتري منك عدوك فمن أين تعيش؟ فقال: لا فارق بيني وبين أخي، ويسرني أن يتقبل مني هذا العمل. فقال الإمام البنا للأخ مصطفى: ولماذا لا تتقبل رٍفْدَ أخيك؟ فقال: إذا كنت أشتريها من الخارج بهذه العشرة فأخي أولى بهذه الزيادة، ولو عرفت أنه يقبل أكثر منها لزدت. وبالتدخل انتهى الإمام معهم إلى تسعة قروش.

ويضيف الإمام البنا بقوله: ومما هو جدير بالذكر أن الأخ علي أبو العلا "الميكانيكي" كان حاضرًا لتلك الجلسة من أجل شراء قطعة أرض للمسجد بالإسماعيلية، وأراد أن يتبرع للمشروع فباع دراجته بمبلغ 150قرشًا، وتبرع بثمنها، رغم أن المسافة بين منزله وعمله تبلغ 6كيلومترات، ظل يقطعها ماشيًا حتى علم إخوانه بذلك فاكتتبوا واشتروا له دراجة جديدة قدموها له هدية.

-----
المصدر: إخوان ويكي

 

التعليقات