الشهادة درجة يرفع الله إليها من يتخير من عباده، فهي منحة وليست محنة، إذا أراد الله أن يرفع درجة إنسان اختاره شهيدًا، قال تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران:من الآية 140).

 

والشهيد أرفع الناس درجة بعد الأنبياء والصديقين قال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:  169).

 

ونحن في ذكرى استشهاد فاروق المنشاوي نحاول أن نتعرف بعض جوانبه التربوية التي من أجلها حظي بالشهادة.

 

بين محراب الدعوة والجامعة

بعد أن حدثت حادثة المنشية في 26/10/1954م، وقام عبد الناصر باعتقال الإخوان والزج بهم في السجن، وتقديم بعضهم للمحاكمات، فحكم على مَنْ حكم، وخرج بعد عامين مَنْ خرج، خرجوا وهم مراقبون، مضطهدون، يسير خلفهم كظلهم من يراقبونهم ليل نهار.

 

وبالرغم من ذلك أبى الله لدعوته إلا أن تحيا في النفوس مرةً أخرى، وتصل للقلوب بعد أن ظنَّ عبد الناصر وأعوانه أنهم قضوا على هذه الدعوة المباركة.

 

بدأ بعض الإخوة العملَ على نشر الدعوة وسط المجتمع على وجلٍ أن تصيبهم زبانية عبد الناصر بسوء، وبدأت الدعوة تنتشر في أماكن مختلفة سواء في دمنهور أو القاهرة أو المنصورة أو الإسكندرية، وبدأ قادة هذه الأماكن تتجمع، وتوحد الجهود للعمل على الحفاظ على جموع الإخوان الموجودة، وانطلق بعض الإخوة للعمل وسط الطلبة لدعوتهم لدعوة الإخوان، وبالرغم من أن المحاولة كانت محاطة بالمخاطر أن يعلم عبد الناصر بهذه الحركة فيوجه لها ضربته، إلا أن كثيرًا من الشباب المحب لدينه لم يأبه بهذه المخاطر، واندفع ليحمل هذه الدعوة عن كاهل الإخوة الكبار، وانطلقوا بها وسط زملائهم الطلبة.

 

وكان شهيدنا فاروق المنشاوي أحد هؤلاء الطلبة الذي أحبوا الدعوة، وعملوا لها بكل طاقتهم، فقد كان فاروق طالبًا بكلية الهندسة، وكان ذا سمتٍ محبب لزملائه الطلبة؛ مما ساعده على التربع في قلوبهم وتوصيل دعوة الله لهم بكل يسر.

 

نشأ فاروق أحمد علي المنشاوي في بيت قاضٍ شرعي؛ حيث كان والده يعمل قاضيًا، وترعرع في وسط هذه البيئة التي عملت على خدمة دينها، وقد وُلد في عام 1943م.

 

يصفه المهندس محمد الصروي بقوله: "يسر الله لي والتحقت بكلية الهندسة، وهناك تعرفت على كثير من الإخوان مثل الشهيد فاروق المنشاوي، والذي عمل مع إخوانه على إحياء تنظيم الإخوان وتربية الشعب على معاني الإسلام الصحيح، وكان الزميل المهندس فاروق المنشاوي صاحب طاقة فاعلة كبيرة جدًّا".

 

كان العمل داخل كلية الهندسة مسئولية فاروق الذي أخذ يدعو الطلبة المحبين لدين الله والقادرين على العمل له حتى كوَّن أول أسرةٍ في كلية الهندسة، وظل فاروق على هذه القوة الدافعة من الحماسة حتى وقعت اعتقالات 1965م عندما أعلن عبد الناصر اعتقال كل مَن سبق اعتقاله.

 

في آتون المحنة

اكتشف عبد الناصر أن الإخوان عادوا مرة أخرى للعمل لدعوتهم وتربية الشعب على معاني الإسلام التي يدعون لها، وبدأت أجهزته المخابراتية تصور له أنه تنظيم عاد ليقوم بانقلاب ضد رئيس الدولة مما أفزعه وأطلق العنان لرجال الشرطة العسكرية بقيادة شمس بدران والمباحث العامة بقيادة حسن طلعت لتعمل في أجساد الإخوان الضعيفة ليعترفوا بما يريدون من كون الإخوان يقومون بعمل تنظيم مسلح على رأسه الشهيد سيد قطب، وفتحت أبواب جحيم السجن الحربي، كما فتحت أبواب سجن القلعة وبدأ التنافس الشرس على أجساد الإخوان من قبل رجال الشرطة العسكرية والمباحث العامة كلّ منهما يريد أن يقتلع الاعتراف على حساب هذه الأجساد الضعيفة لينالوا الحظوة عند سيدهم عبد الناصر، وكان فاروق المنشاوي أحد هذه الأجساد الضعيفة، الذي اعتقل عام 1965م.

 

عندما بدأت المحرقة الناصرية ضد الإخوان، حاول الخروج من مصر لأنه كان يعلم كما يقول أقرب الإخوان إليه إنهم لن يتركوه حيًّا إذا قبضوا عليه، غير أنه قبض عليه قبل أن يتخطى الحدود المصرية- الليبية عند السلوم، وخرجت مجلة (المصور) بمانشيت كبير وبه صورة لفاروق المنشاوي وتحتها تعليق يقول "القبض على فاروق المنشاوي قائد منظمة التخريب على حدود السلوم".

 

ومع اعتقالات الإخوان بدأت الحرب الإعلامية ضدهم فقد خرجت الصحف الحكومية تهاجم الإخوان وتنعتهم بأبشع التهم، وأنهم كانوا يقومون بتدبير مخطط للسيطرة على البلاد واغتيال عبد الناصر وهدم القناطر، بل أخذت تستنطقهم تحت سياط التعذيب، ففي أحد هذه الأخبار يكتب الصحفي كما يريد فيقول: "قال مبارك عبد العظيم عياد المدرس بالأزهر إنه ستحدث عمليات تخريب هنا في القاهرة زي ما ذكر فاروق المنشاوي إنه كان مسئولاً عن عمليات القاهرة، قال لي إنه كان مفروض تدمير 3 محطات كهرباء محطة شمال القاهرة ومحطة جنوب القاهرة ومحطة السبتية وخمسة سنترالات وكذلك ميناء القاهرة الجوي ده بالإضافة إلى عمليات الاغتيال لذلك عرفنا قبل كده من حلمي حتحوت إنه كان فيه خطة مدبرة لنسف 12 كوبري كذلك عرفنا من واحد من طلخا اسمه شعبان الشناوي إنه كان مكلفًا بتدمير محطة طلخا الكهربائية بالإضافة إلى عدة محطات موجودة بالشبكة بالإضافة إلى محطة إسكندرية".

 

تعذب فاروق المنشاوي تعذيبًا شديدًا فوق طاقته بسبب كونه مسئولاً عن خلية الطلبة وأن منهم عددًا قد هربوا إلى ليبيا ولم يستطع عبد الناصر القبض عليهم، ولذا وقع التعذيب الشديد على فاروق.. تقول الحاجة زينب الغزالي: "وبعد فترة دخل ثلاثة جنود كأنهم خارجون لتوهم من جهنم، طول أجسامهم مرعب وعرض أجسامهم كذلك، وجوههم تعكس غلظة قلوبهم، وبعدهم بقليل دخل رجل فسألهم عما إذا كانوا قد عرفوني ورأوني، وأجابوا بنفس واحد بالإيجاب، وقالوا بأن موعد موتى قد حل، ثم خرجوا ليعودوا بالأخ فاروق المنشاوي فيجلدوه بعد أن قيدوه وصلبوه على عود من الخشب، وبين الجلدة والجلدة كانوا يسألونه عن عدد المرات التي زارني فيها، ويطلبون منه أن يسبني فيرفض فيزيدونه جلدًا، وأنا أتمزق مما أرى وأسمع حتى طرحوه أرضًا واعتقدت أنه يحتضر، ولكن إرادة الله شاءت له أن يعيش وبحاكم ليحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، يدعو في السجن للإسلام وللحق الذي آمن به حتى امتدت إليه يد آثمة وبتعليمات من عبد الناصر لتقتله في سجن ليمان طره فيفوز بالشهادة".

 

وقدم فاروق المنشاوي للمحاكمة مع ثلة من إخوانه، أمام الفريق محمد الدجوي- وهذا الرجل معروف عنه أنه سب مصر ورئيسها أثناء العدوان الثلاثي عندما وقع في الأسر وبالرغم من ذلك كفاءة عبد الناصر بأن جعله قاضيًا على ثلة من الأطهار- حكمت المحكمة على عدد كبير من الإخوان ما بين الإعدام والأشغال الشاقة وأحكام متعددة.

 

تقول السيدة زينب الغزالي: "استيقظنا يوم المحاكمة وأخرجونا إلى المكاتب في انتظار العربات التي ستقلنا إلى المحكمة. وفي حوالي الثامنة امتلأت ساحة السجن الحربي برجال البوليس ضباطًا وجنودًا وكأنهم ذاهبون إلى ساحة القتال، وجاءت عربة وصعدنا فيها وتكدس حولنا الحراس من ضباط وجنود، وذهبنا إلى المحكمة وهناك أدخلونا القفص: كنا ثلاثة وأربعين. كان ترتيب فاروق المنشاوي رقم 11 في القضية".

 

يقول الأستاذ أحمد عبد المجيد- أحد قادة تنظيم 65: "لقد نشرت الصحف في اليوم التالي الموافق 22 أغسطس 1966 الأحكام الصادرة من المحكمة بعناوين مثيرة، وبعد عرض أسماء السبعة المحكوم عليهم بالإعدام ومسئوليتهم في القيادة-  السابق ذكرهم-  قالت: "..... وأعلنت المحكمة قرارها بعد التصديق عليه استنادًا إلى ما ثبت خلال المحاكمة من أن:

1- كل المتهمين في القضية حاولوا تغيير دستور وشكل الحكومة فيها بالقوة، بأن ألفوا بينهم-  وآخرون  معهم-  تجمعًا حركيًّا وتنظيمًا مسلحًا لحزب الإخوان المسلمين المنحل بهدف تغيير نظام الحكم القائم باغتيال رئيس الجمهورية والقائمين على الحكم وتخريب المنشآت العامة وإثارة الفتنة، وتزودوا في سبيل ذلك بالمال اللازم وأحرزوا مفرقعات وأسلحة وذخائر، وقاموا بتدريب أعضاء التنظيم على استعمال تلك الأسلحة والمفرقعات، وحددوا أشخاص المسئولين الذين كانوا سيجري اغتيالهم، وعاينوا محطات توليد الكهرباء والمنشآت العامة التي سيتم تخريبها ورسموا طريقة التنفيذ، وتهيئوا للتنفيذ فعلاً، وعينوا الأفراد الذين كانوا سيقومون به، وأن عملية الضبط هي فقط التي حالت دون إتمام المؤامرة.

 

2- السبعة المتهمون الأول هم الذين كانوا يتزعمون التنظيم كله، ويقودون حركته ولهذا فقد حكمت المحكمة عليهم، طبقًا لنص المادة 87 عقوبات التي تقضي بالإعدام على كل من ألف عصابة مسلحة لقلب نظام الحكم بالقوة أو تزعمها، أو تولى فيها القيادة.

 

وحكمت-  على 25-  منهم ثلاثة هاربون صدرت الأحكام عليهم غيابًا بالأشغال الشاقة المؤبدة طبقًا لأدوارهم الفرعية في قيادة التنظيم التي تلي دور مجلس القيادة مجتمعًا وهم عبد المجيد الشاذلي، مبارك عبد العظيم، فاروق المنشاوي، فايز إسماعيل، ممدوح الديري، محمد أحمد عبد الرحمن، محمد عبد المعطي إبراهيم، محمد المأمون زكريا، أحمد عبد الحليم السروجي، السيد سعد الدين شريف، إمام عبد اللطيف غيث، كمال عبد العزيز سلام، فؤاد حسن علي، محمد أحمد البحيري، حمدي حسن صالح، مصطفى الخضيري، السيد نزيلي عويضة، مرسي مصطفى مرسي، حلمي صادق حتحوت، عبد المنعم عرفات، محمد عبد الفتاح شريف، السيدة زينب الغزالي الجبيلي: التي دعت للتنظيم وعملت على تجميعه وأمنت له اجتماعاته حتى تم تشكيله.

 

الهاربون: محيي الدين هلالي، عشماوي سليمان، مصطفى العالم.

وحكمت على الباقين كل طبقًا لدوره في قيادة التنظيم الذي يجيء في الترتيب بعد دور مجلس القيادة ودور القواد الفرعيين، حيث حكم بالأشغال الشاقة لمدة 15 سنة على كل من (عباس السيسي، محمد عبد المنعم شاهين، محمد بديع سامي، جلال بكري ديساوي، صلاح محمد خليفة، إلهام عبد المجيد بدوي، محمد عبد المعطي عبد الرحيم، محمود أحمد فخري، محمود عزت إبراهيم، صلاح محمد عبد الحق".

 

بدأ الإخوان يتأقلمون على المعيشة داخل السجون خاصة عندما علموا أن عبد الناصر قد أصدر قرارًا لزبانيته بعدم خروج هؤلاء إلا جثثًا ميتةً.

 

يقول المهندس الصروي: فاروق المنشاوي الذي أصيب بمرض خطير وهو تشنجات في جميع جسمه ما عدا قلبه ولسانه وعينيه، ويظل متشنجًا ساعات طويلة بل أيامًا كثيرةً.. ورغم ذلك كان يصر على صيام النوافل والإقلال من الطعام.. ولا يستجيب لتعليمات الأطباء حتى ولو كانوا من الإخوان.

 

ويصفه إخوانه فيقولون: "كان يمتاز بالهدوء الشديد وسعة الصدر والصبر على المناقشة الموضوعية كان يقرأ في صلاة العشاء ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾ (آل عمران) يكررها بصورة ملحوظة في صلواته لا يملك من يراه إلا أن يحترمه".

 

نحو الشهادة

عاش على أمل الشهادة حتى نالها، بهذا الشعور ظلَّ قلب فاروق حيًّا يستنشق عبير الشهادة حتى جاءت اللحظة التي قدَّرها الله له لينال بها الشهادة في سبيل الله.

 

يقول المهندس الصروي: "في أبريل 1969م قامت الحكومة بنقل الإخوان (الذين لم يتم ترحيلهم إلى سجن قنا) من عنبر الإيراد إلى عنبر رقم (1) بالدور الثاني، وعاش هذا العدد من إخوان تنظيم (65) في عنبر رقم (1) في هدوءٍ واستقرار مع ظروف أحسن من التي كانوا فيها في عنبر الإيراد (غيابة الجب)، وبدأوا يمارسون حياتهم كمساجين عاديين مثل باقي مساجين الليمان الذين يتجاوزون الأربعة آلاف موزعين على أربعة عنابر هي (1، 2، 3، 4).

 

كان الزميل المهندس فاروق المنشاوي صاحب طاقة فاعلة كبيرة جدًّا.. فبمجرد أن تنسَّم شيئًا قليلاً من حرية الحركة، بدأ يتحرك في السجن.. متشبهًا بسيدنا يوسف عليه السلام، وتوطدت علاقة الزميل المهندس فاروق المنشاوي بطبقة السياسيين الذين سجنهم عبد الناصر لأسبابٍ مختلفة.. وهؤلاء السياسيون مزيج من مختلف الأفكار والأخلاق والعادات، ابتداءً من الصحفي الكبير مصطفى أمين وانتهاءً بكل مَن تفوه بكلمةٍ أو نقد حكم الحكومة (آنذاك).

 

تحدَّث فاروق المنشاوي مع هؤلاء جميعًا عن فكر الإخوان في قضية 1965م، وعن الفكر السياسي عند سيد قطب ومحمد يوسف هواش.. فتم كتابة عدة تقارير فيه من ضباطٍ كانوا مسجونين معه بتهم مختلفة، فتم نقل فاروق المنشاوي ثانيةً إلى عنبر الإيراد.. الذي كان فارغًا تمامًا سوى من نفرٍ قليلٍ من محترفي الإجرام، وافتعل أحدهم مشادةً مع فاروق المنشاوي، وقابل فاروق ذلك باحترامٍ وأدبٍ زائد، وصبر جميل.

 

وفي اليوم التالي أحضر هذا المجرم المحترف سكينةً طولها 25 سم.. وعند قيام فاروق بغسل رأسه تحت الحنفية قام المسجون بطعن فاروق المنشاوي في رقبته 13 طعنة، بسرعةٍ فائقة، ووقع فاروق على الأرض، وحملوه بسرعةٍ إلى مستشفى الليمان.

 

وفي المستشفى كان هناك الأخ المهندس محمد شاكر خليل الذي تم ترحيله من سجن قنا إلى مستشفى ليمان طره للعلاج، ولما علم بالخبر، ذهب إلى حجرة العمليات، فأشار إليه فاروق بتوجيهه إلى القبلة، وطلب أن ينام على جنبه الأيمن، ثم فاضت روحه إلى بارئها.. نسأل الله أن يتقبله في الشهداء.. آمين.

 

ونشرت جريدة الأهرام الخبر يوم 30 مايو 1970م، ثم جاءت النيابة، وحققت مع السجين القاتل، وأثناء التحقيق تم حبسه في عنبر الإيراد بدون طعامٍ ولا ماء حتى مات صبرًا، ودفنت معه الأسرار كلها؛ لكن هذه الأسرار سوف تظهر يوم القيامة ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ(9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ(10)﴾ (الطارق).

 

وأذكر أن الإخوان طلبوا مني كلمةَ تأبين له فعقدت مقارنةً بينه وبين صاحب يس (في سورة يس).. ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ(27)﴾ (يس)، وظللت حزينًا عليه حتى فرَّج الله عني برؤيا جميلة له.. فرأيته شابًّا وسيمًا جدًّا يلبس (بنطلون شورت) رياضي ويمارس الرياضة في حدائق الجنة.. ثم استيقظتُ، فهنيئًا له إن شاء الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وكان عمره آنذاك- رحمه الله- سبعة وعشرين عامًا.

 

لقد حكى فاروق لبعض إخوانه رؤيا قبل اعتقالات 1965م لم يفهمها أحدٌ منهم إلا بعد استشهاده في 30 مايو 1970م يقول: "جلست أتقبل العزاء في والدي والقارئ يتلو القرآن غير أن المعزين غير مكترثين بما يقول؛ بعضهم يشرب السجائر، وبعضهم يتحدث مع جاره، آذاني هذا المنظر فتركتُ العزاء واتجهت إلى محطة القطار، وهناك قابلت الإمام البنا فسألني عن سبب ضيقي فحكيتُ له ما حدث، وبينما نحن وقوف حان وقت الصلاة فدخلنا إلى المصلى الموجود بمبنى المحطة, وبعد الصلاة سألني الإمام البنا: هل تحب أن تأتي معنا قلت: نعم، فقال: انتظر حتى آتي إليك.

 

ظللتُ واقفًا وبعد برهة سمعتُ أصوات طلقات الرصاص وسيارة بها ميكرفونات تنادي للإسلام وأخرى تضرب الناس بالرصاص.. خرجتُ لأستطلع الأمر فجاءتني رصاصة، وسمعت هاتفًا يقول: أتحب الشهادة أم تنتظر النصر فقلت: بل الشهادة.. بل الشهادة.

 

بهذا الهتاف انتهت حياة فاروق المنشاوي كما كان يتمنى أن تنتهي؛ لصدقه مع الله في الطلب والعمل.

-----------

* للمزيد:

1- زينب الغزالي: أيام من حياتي، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

2- محمد الصروي: الإخوان المسلمون في سجون مصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1427ﻫ-2006م.

3- محمد الصروي: الصحوة والزلزال محنة 1965م، دار التوزيع والنشر الإسلامية.

4- أحمد عبد المجيد عبد السميع: حقيقة تنظيم 1965م (الإخوان وعبد الناصر)، الزهراء للإعلام العربي.

-----------

** باحث- [email protected]