العسكر وقضاؤه تحت الطلب.. (1) بقلم: إبراهيم منير

العسكر وقضاؤه تحت الطلب.. (1) بقلم: إبراهيم منير
العسكر وقضاء تحت الطلب.. (1)
 
بقلم: إبراهيم منير- نائب المرشد العام

خمس سنوات مضت من تاريخ مصر تحت سيطرة الانقلاب العسكري (2013) الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب طوال تاريخها، ولم يقبله (الرئيس) نظام المماليك الجدد، ربما لأنه لم يغير مسكنه أو لأنه رفض أن يحصل على أي راتب كرئيس للجمهورية، أو أي منافع أخرى من العطايا للأبناء والأقارب، واكتفى براتبه التقاعدي الذي كان يحصل عليه كأستاذ جامعي سابق، وإنما باليقين لأنه أصدر قرارا بإخضاع كل هيئات الدولة ومؤسساتها للرقابة المالية والمحاسبة، ومنها مؤسسة رئاسة الجمهورية، ولم يقبل الجيش ذلك بحجة الحفاظ على أسرار التسليح. والكل يعلم أن كل السلاح يأتي من الخارج، وهو ما يُفقد أي دولة استقلالها، ولذلك جاء بيان الرئيس مرسي الأول بحتمية أن تملك الدولة إلى جانب سلاحها؛ غذاءها ودواءها، وهو ما يخالف توجه دولة المماليك الحديثة.

وباليقين (وليس كل الظن محظورا)، فقد كان الانقلاب عليه حتميا، وتم اختطافه وسجنه بناءً على اتهامات أخرى كان يخطط لها قائد الانقلاب الجديد، ليتم كل شيء بالقانون، وهو الذي أصدره عام 2016م، أو باعتبار أن الرئيس المنتخب كان يحمل فكر جماعة الإخوان المسلمين، فيصبح حسب هذا القانون أنه أخل بالشرف والأمانة، وموصوم بالانحراف في الطبع ويوجب احتقاره وتجريده من كل معنى كريم، وأنه غير جدير بالثقة وليس أهلا لتولي المناصب العامة.. إلى آخر ما جاء بحكم قضائي!! لا يشترط وجود وقائع مادية تستند إليها هذه الاتهامات؛ غير ما يخالف ثقافة الرافض للانقلاب.

ومراجعة لحسابات الخمس العجاف الماضية، وبعد أن سيطر قادة الجيش على كل مفاصل الدولة وانغمسوا في الحياة المدنية؛ تجارةً وإعلاما وسياحةً وعقارات وبيعا للحوم والخضروات وإقامة مزارع السمك يتولى قيادتها الضباط المقاتلون، والسيطرة على الاقتصاد والمال، أعلنت 500 شركة خاصة و4500 مصنع إفلاسها، مع تسريح العاملين فيها، فيما وصل الديْن الخارجي إلى 91.5 مليار دولار، بعد أن كان 47.8 مليار دولار عام 2015م، أي بعد الانقلاب بسنتين.

وحسب تقرير دولي عن مؤشرات الفساد في دول العالم، صدر عن منظمة الشفافية، فقد احتلت دولة المماليك الحديثة (مصر سابقا) المركز 117 من بين 180 دولة.

وخرجت مصر نهائيا من قائمة التصنيف العالمية في جودة التعليم في عام 2017م، بعد أن كانت في المركز قبل الأخير في آخر تصنيف عام 2015م (بعد الانقلاب العسكري بسنتين فقط)، وذلك حسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، خلال المسح الذي تجريه كل ثلاث سنوات.

ومع كل هذا البلاء، لا يستطيع أحد ولا المماليك الجدد اتهام جماعة الإخوان المسلمين أو من ينتمون إليها بأنهم السبب فيه بعد تغييبهم عن ساحات العمل الداخلية، مع استمرار سيطرة الجيش على المؤسسات المدنية، وعسكرة كل مرافق الدولة، وازدياد الأزمة الاقتصادية سوءاً، لتأتي آخر بلايا العسكر بقيام برلمانهم بتشكيل لجنة إدارية ذات طبيعة قضائية، تتكون من سبعة قضاة أعضاء في محاكم الاستئناف، ويحصل أعضاؤها على مكافآت مالية تتساوى مع زملائهم من القضاة، أيضا الذين يقومون بمثل مهامهم، إضافة إلى مرتباتهم وما يحصلون عليه مقابل وظائفهم الأساسية. وتأتي مهمة هذه اللجنة للنظر في ما يمتلكه من يقولون عنهم أنهم من الإخوان المسلمين أو ممن لم يقدموا من أموالهم لصندوق تحيا مصر الذي نادى به قائد الانقلاب العسكري ليشبع نهمه؛ معلنا أنه هو الوحيد صاحب التصرف فيما يأتيه بقوله: لا يحاسبني عليه أحد. 

وبناءً على ما قدمته الجهات الأمنية من تقارير تؤكد أن الأشخاص ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، فقد أصدرت اللجنة قرارها اعتمادا على هذه التقارير بمصادرة كل ما يمتلكونه من أموال ومنشآت وشركات، وضمها إلى خزانة الدولة، دون استدعاء مالكيها لسماع آرائهم، ودون الاطلاع على تقارير الجهات الرسمية في الدولة الخاصة بعقود الملكية وتسديد ما عليها من ضرائب ورسوم قانونية، وهذه المنشآت للتاريخ تشمل:

118 شركة متوسطة.

1133 جمعية أهلية.

104 مدرسة.

19 مستشفى.

33 موقعا إلكترونيا.

..وبانتظار الانتهاء من إجراءات طرح هذه المنشآت للبيع العلني، وما يتم خلالها من عمولات ومكافآت غير قانونية، اعتمادا على قرار لجنة ذات طبيعة "قضائية" تصدر حكمها على غير نص قانوني مع سبق الإصرار والترصد، كما يقول القانون فيمن يرتكب الجرائم عن عمد، مغمضة عيونها عن التقرير الدولي الذي أعلنته منظمة الشفافية لعام 2017 (أن مصر في عهد المملوك الجديد تراجعت إلى المركز 117 من بين 180 دولة).

ومع ذلك، فإذا كان نداء يسقط حكم العسكر لا يُرضي الانقلابيين العسكريين، فما بالنا بما يمكن أن يُقال بحق القضاة الذين يتجاهلون ما أقسموا عليه من احترام القانون وإقامة العدل الموصوف؛ كشعار فوق رؤوسهم بأنه "من أساس الملك"؟

وماذا بعد؟

مهما كانت قسوة الحديث عن أحوال مصر بعد الانقلاب العسكري عام 2013م، فلعل ما أشد منه قسوة هذا التحالف غير الشرعي وغير الوطني وغير الإنساني بين قائد الانقلاب وطبقة ممن يأمل فيهم الناس حراسة العدالة وإظهار الحق ونصرة المجني عليهم، بسبب تجاوزت القوى الأمنية الرسمية أو بسبب ما يحملونه من أفكار، أيا كانت هذه الأفكار؛ يمينية أو يسارية، ما دامت بعيدة عن حمل السلاح، وهو ما دفع المنظمات العالمية الإنسانية وبعض القوى السياسية الرسمية لرفع صوتها؛ بإعلان حجم الانتهاكات والتجاوزات والفشل في حماية دور العبادة وأمن المواطن، والإسراف في التعتيم على القضايا المهمة بإعلان النائب العام حظر النشر عنها، والصمت من جهات التحقيق عما يجري في السجون وعن عشرات المختطفين الذين يتم التضحية ببعضهم بدم بارد، وبعضها للتغطية على بعض القضايا المطلوب السكوت عنها وعن فاعليها، بما يصبح هذا السكوت مشاركة من النظام في الجريمة، مثل الهجوم الوحشي على بعض المعارضين والمنشغلين بالقضايا الحقوقية في أوقات الليل المتأخرة، ومثل الاعتداء الذي لم يكن الأول على مجموعة من الإخوة المسيحيين بمدينة المنيا جنوب القاهرة، في اليوم الثاني من هذا الشهر، وراح بسببه عشرة ضحايا أبرياء وعدد من الجرحى، ليعلن قائد الانقلاب بعدها بساعات عن تصفية قواته لـ19 مختطفا لديه، وكأنهم كانوا يعرفونهم ويتابعونهم أثناء قيامهم بجريمتهم، ليتم غلق الملف كسابقاته تماما، ويضيع دم الضحايا، ومعهم دم 19 مواطنا لا ذنب لهم إلا أنهم كانوا يعارضون الانقلاب العسكري.

الدراسات الدولية وتقارير بعض المراكز السياسية تؤكد أن الطوفان في مصر قادم، ولن يبق ولن يذر، والبعض يقول إن روح الثورة الفرنسية التي غيرت تاريخ فرنسا وأوروبا والعالم، وأدبيات ميدان الباستيل، بدأت تسري على مصر والمنطقة، وأكثر ريحها عنفوانا بعض شعارات أعلنت ضد قوتين كانتا مستهدفتين بسبب فسادهما، الأولى هي المملوك الجديد.. والثانية هي الداعم له. 
التعليقات