رمضان شهر الهدى والبينات.. بقلم الأستاذ عمر التلمساني

رمضان شهر الهدى والبينات.. بقلم الأستاذ عمر التلمساني

 شهر العبادة والفكر، شهر التلاوة والذكر، شهر النقاء والطهر، شهر السر والجهر – الصوم لي وأنا أجزي به – شهر النية الصحيحة الخالصة المخلصة، لمن يعلم السر وأخفى، ويعلم ما توسوس به نفوس الصائمين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 183-184].

فهو فريضة، وركن من أركان الإسلام الخمس، لا تتم العقيدة إلا به، فيه مشقة، قدرها ربها، فسرى عن نفوس الصائمين بقوله:

، جملة اعتراضية، يحدث فيها العليم الخبير، عبادة المسلمين، بأن من قبلهم صاموا، وتحملوا مشقات الصيام، فلم تثنيهم المشقة عن المضي فيما افتراض عليهم، طاعة لله، وامتثالا لأمره، وحبا لدينه فهل أنتم فاعلون؟

كلنا يطلب ما عند الله، وما عند الله عالي المقدار، لن يناله إلا العاملون الصابرون الصادقون، عشاق الجنة، والصابرون على وعثاء الطريق، رجاء حسن الخاتمة، إننا نعمل لله، ونلقى فيما نعمل عنتًا ومشقة ويظلمنا الناس، ويصدوننا عن طريق الله وقد نقوى على رد العدوان، وقد نضعف ولكننا لا ننكث، لأن من ينكث فإنما ينكث على نفسه، والله غني عن العالمين، إنه الدين الذي نعيش من أجله، وفي ظله، وفي حماه، إننا مسلمون لأن الدين عند الله الإسلام، نادى بهذا إبراهيم وإسماعيل -عليهما الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: 128]، وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب -عليهما الصلاة والسلام: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132].

والإسلام والصوم من أركانه، عمل وعمل متواصل، لا كلال معه ولا ملال، ولا ضعف ولا جزع، ولا رضا بمنكر ولو قام به كل الطغاة، وهل وقود الصبر إلا جثث وهام! فاصبروا يا شباب على المعاناة والظلم والإرهاق، وصابروا بالعزم والهمة، والمضاء، باسمين في الشدة، مبصرين في الظلمة، داعين إلى ربكم، هانئين بقدركم، فأنتم الأعلون بنص القرآن، ولو ضلل الظالمون.

الصوم .. صومان

من هنا قال بعض سلفنا الصالح الصوم صومان، الصوم الظاهر، وهو ما أمر الله بالإمساك عنه مع النية، وإنما الأعمال بالنيات، وهذا الصوم هو الذي يراه الناس، ويحاسب عليه ولي الأمر القائم بتنفيذ حكم الله، وهناك صوم آخر، لا يعلمه إلا الله، وهو حقيقة الصوم فعلا، وهو المقصود من هذه الفريضة أصلا، إن تحمل قلبك الإمساك عن كل الآفات، والأمراض، ريبة .. تبييت .. غفلة .. تردد .. القلوب جمة لا تحصر .. ظنون.. إحجام .. أثرة .. خوف من العباد .. إيثار ما عند الناس على ما عند الله .. آفات وآفات، نسأل الله منهما السلامة والنجاة، صم عن كل هذا، وامش إلى ربك ثابت الخطى، صادق العزم، مستمسكًا بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، ودع ما عدا ذلك لله، فله الأمر من قبل ومن بعد، ﴿للهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

وفي نفس أوقات هذا الصوم الصحيح الصادق، عليك أن تصون نفسك عن الركون إلى غير الله، وعن الأنس بمن لا يعينك عمله على الالتزام، وعن مودة من لا يدلك على الله، ويأخذ بيدك إلى نعيمه ورضاه، ولا تنس مراقبة سريرتك من أين اتجاهها؟؟ ومدى صفائها؟ كيف احتمالها؟ ما جدها وتشميرها؟ حتى يراها المطلع عليها، حيث يرضى عنها ولها، إنها مكابدة فهل أنت صابر عليها؟.

يا شباب المسلمين.. طريقكم وعر وبحركم غمر، والصيام لكم جنة وعتاد، ولا يقوى عليها إلا القوي الأمين، الحذر اليقظ، الجاد، الصامد، المضحي، الذي يذوب فرقًا، خشية أن يطلع الله من دخيلته على ما لا يحبه ويرضاه، لعباده المقربين .. أصحاب الروح والريحان وجنة النعيم، واحفظ لسانك فلا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، لا تغتب الناس وصن طرفك عن نظرات الوسواس الخناس، ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام فليصم سمعه وبصره»؛ فليكن كلامك دعوة إلى الله، وليكن سمعك إصغاء لذكر الله، تجتمع عليك عزة الدنيا مع سعادة الآخرة، قد يستخف بكم بعض الشباب .. إنه حسد لرجولتكم، وغيظ من طهارتكم، هو شعور بضعفهم وهوانهم ذلتهم.

ودوا لو كانوا مكانكم، ولكنهم عاجزون، كل بضاعتهم التي يخفون بها إسفافهم مظهر كاذب، وقول ملتو، واستعلاء أجوف، لا يصبر على نفخة العصفور .. أنت أنت الرجل .. أنت أنت الطاهر .. أنت أنت القانت الصائم، أنت أنت المجاهد العامل .. أنت أنت وحدك بالآلاف منهم، إذا امتحنت الرجولة، واختبر الرجال .. ألا تحب أن تكون هناك؟؟

إن الصوم الظاهر ينتهي بانتهاء اليوم، بغروب الشمس، فيعود الصائم إلى وضعه في الحياة بفرحته عند إفطاره، ويتساوى في هذا الأكثرية الكاثرة من الصائمين، أما صوم الخلص المتقين .. فلا نهاية له، لا ينتهي بغروب، ولا يبدأ بشروق، ولا تعد معه الساعات، ولا تحدد فيه الأوقات، إنك حارس أمين على نفسك وإخوانك، إنها الأمانة؟ كيف حالك إذا غفلت عنها فتلفتت من قلبك وسط المغريات والصوارف؟ هل تدعها تمر، تتسلل من حولك من حوزتك؟

ألا يهمك أن تعنى بما عاهدت الله عليه ليؤتك أجرًا عظيمًا؟ أمانة الصوم الصحيح لرب العالمين، أيها الشباب العاملون إننا نصوم إذا رأينا مطلع الشهر، ولكنني أريد لك يا شباب أن ترقى فوق هذا المستوى قليلا أو كثيرًا إن استطعت، ولا بدَّ أنك تستطيع إذا ما استعنت برب الاستطاعة، الذي يبسط منها ما يشاء لمن يشاء، أريد منك قبل أن ترى الهلال، أن ترى رب الهلال وخالقه، ويا لها من مرتبة، عانى الكثير في الوصول إليها، ولكنهم وصلوا بفضل الله، وما أظنك دونهم رجولة، إذا عزمت فتوكلت، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب: 23].

إنك يا شباب إذا صمت لرؤية الشهر، فلقد نلت الثواب، شأنك في هذا شأن كل الصائمين، ولكن ما أعددت نفسك له من العمل في سبيل الله، في نشر رسالته، في حمل دعوته، في الجهاد الغالي الكريم، فإني أحب أن أرافقك فوق هذه المرتبة، حتى يسهل عليك كل شيء في سبيل الله، وحتى تستهين بكل صعاب من أجله، وحتى يراك الله في صفه كالبنيان المرصوص، فتى جنب فتى وشاب مع شاب، وفتاة في عون فتاة، ورجلا إلى رجل، وسيدة إلى سيدة، أحب لك ألا تقف عند رؤية الشهر، تجاوز وتخط بصفاء سريرتك، وطهر قلبك ونور يقينك إلى شهود رب الشهر، فهذا المقصد والغاية.

وهو المبدأ والنهاية وإليه يرجع الأمر كله، إني أحب لك أن تحظى بمنازل القرب، ومخيمات الهناء، إن الصوم لرؤية الشهر بصحيح العبادة، أما صوم الشهور بالقلب المضيء والروح والنورانية، فغاية قوة الإرادة المطلوبة منكم يا شباب، الإرادة التي إذا لازمها العزم وطهر القصد، ما وهنت يومًا بغفلة أو ركود، وما قعدت لحظة عن واجبات لا تتسع لها الأوقات، وداومت العمل على مشقته، وصعدت الجهد في الجهاد بكل أنواعه .. جهاد النفس .. جهاد الشيطان .. جهاد الأعداء والظالمين، بكل مراحل الجهاد .. باليد إن استطعت، وإلا فباللسان إن قدرت، إذا ضاعت من يديك كل أسباب الأرض، وليس ذلك ذرة من إيمان.

وهكذا يكون جهادك مستمرًا متواصلا أثناء الليل وأطراف النهار، إننا نفرح عند الإفطار، فقد سددنا المسغبة وروينا الظمأ، ولكن هناك ما هو أروح وأهنأ وأسعد، عند لقاء الله يوم الحساب، ولن يستوفى هذا إلا من صام لله بالله، ليسقى شرابًا طهورًا، مزاجه من تسنيم، عينًا لا يردها إلا المقربون، إني لا أُسمع أذنيك يا شباب، ولكني أتحدث إلى قلبك، إلى عاطفتك، إلى مشاعرك، إلى أحاسيسك المعطاءة الباذلة في سبيل الله، دون انتظار لأجر، أو حصول على مقابل صم لأن الله يريد منك أن تصوم .. فقط ولا شيء غير ذلك.

إن التبعة عليك يا شباب ثقيلة مرهقة والمسئولية رهيبة، والعقبات جمة، والصعاب مريعة، لن تنجح ولن تفوز، إلا إذا اهتز قلبك طلبًا للرضا، إلا إذا تحركت عواطفك سعيًا لحسن الخاتمة، ولن تصل إلا إذا كان صومك في ظلال هذه المعاني الوارفة، إني أحب لك المثالية الغالية التي لن تصل إلى نصر دينك عن غير طريقها، إن أعداء دينك يحاولون تحطيم كل جليل عظيم فيك، وأنا أريدك في موقف الصديقين والشهداء والصالحين وهل وراء ذلك من رفقة في قيم؟.

وقفة مع الشباب

إن المحب يصوم، ولو أضناه الجهد، ومع ذلك فالله رءوف رحيم، يعلم ما في الصوم من مشقة، ولا يقوى عليها إلا من برئت نفسه من السقام، ونجا يقينه من العلل، ومن رحمته أن رخص للمريض والمسافر والحائض في الإفطار، على شريطة الأداء إذا ما عاد أو شفي أو طهر، مع ذلك فقد دلنا على ما هو خير من هذا الترخص، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184].

افطروا برخصتي ولا لوم عليكم لأني أحب أن تؤتى رخصي، كما تؤتى عزائمي، ولكني أحب لكم الأحسن والأفضل، والأسنى والأوفى، والأبر والأكرم، أحب ما هو خير لكم، أن تصوموا مع موجبات الترخيص "إلا الحائض" بلا أذى ولا مضرة فلا ضرار في الإسلام، إن تفضيل الصوم لأن فيه خيرًا لنا، فما هو هذا الخير؟ استقل الله بعلمه وحده عندما أنهى الآية بقوله الكريم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]،

ولكننا لا نحيط بشيء من علمه لأننا لم نؤت من العلم إلا القليل، ويقينًا أننا نعلم مقرين أن الخيرة فيما اختاره الله لنا، لأنه وحده العليم الخبير الذي لا يدانيه من مستواه، كل من عداه (ص)، فاختر لنفسك ما يحلو، فما جعل الله علينا في الدين من حرج، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وهنا حلبة السباق، وميدان المنافسة،﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26].

أمامك المراتب السامية والدرجات العلا تهيؤها لك أيام الصوم المعدودات، أين تريد أن تكون منزلتك منها؟ ومرتبتك فيها؟ ريض الجنة نعيم لا يدانيه نعيم، ومن دخله كان آمنًا، ولكن هناك جنات عدن وهناك الفردوس الأعلى وهناك ما تعجز الأقلام عن وصفه، ليس لنا اليوم مما في الجنة إلا الأسماء، أما المسميات.. فهيهات.. هيهات.

لي معك هنا وقفة يا شباب، في الدنيا مغريات، وفي مطالب الحياة مغريات، وفي طلب الشهرة والجاه والمال والراحة مغريات، ولكن في طلب الجنة وفي الحرص على التشمير، وفي حب الجهاد، والإعراض عن كل المغريات، منازل ومراتب ودرجات، فأيها تفضل، الذل مع الراحة أم العزة مع النصب؟ غنى الخزائن مع فقر القلوب، أم جنة عرضها السماوات والأرض بعد الجد والاجتهاد؟ أتخشى الناس في الله، أم تخشى الله في الناس؟ التعلق بمن لا يملك من أمرك شيئًا؟ أم التعلق بمن في يده مقاليد السموات والأرض، وهو يقضي ولا يقضى عليه ويحكم ولا يحكم عليه؟ قد تكون ضخامة المسئولية، وثقل التبعة وضراوة الباطل، وضآلة الأعوان، قد يكون كل ذلك، سببًا في الترخص والقعود عن الاحتمال والاحتساب والتضحية، كما يهمس بذلك في أذن بعض الضعفاء المضلون، ولكن متى قامت رسالة من كثرة أو غنى أو قوة، كلها قامت من فرد ضعيف فقير أعزل، وشاءت إرادة الله أن يكون حاملها من أولي العزم المؤمنين يصدقون ما يدعون الناس إليه، فعزت وانتشرت وسادت، فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تكن من المترددين فلا مجال إذن للترخيص.

إِنْ كُنتَ ذَا رأي فَكُنْ ذَا عَزيمةٍ

فَإِنَ فَسادَ الرَّأي أَنْ تَتردَدا

القرآن منهاج البشرية

شهر رمضان تكليف، أنزل فيه القرآن وفي القرآن منهاج للبشرية كلها هو الهدى للناس وبينات من الهدى .. النور .. الهداية .. العزة .. السعادة .. التقى .. الفرقان .. القسط .. الغنى .. العطاء .. البصيرة .. الجهاد، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: 52-53].

لقد استخف الفاسقون بالرسل وأساءوا إليهم، وآذوهم، حتى يجأر الرسول ومن معه بالدعاء إلى ربهم (متى نصر الله) وما هي إلا جولات بين الحق والباطل، حتى علت راية الإيمان مسموقة الذرا على الأباطح والوديان، ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 83- 85]، إن لك في هذا الشهر رسالة أيها الشباب، رسالة تضعك في مكانة لا تخطر لك على بال إذا قمت بدورك، وأديت واجبك، وبذلت جهدك، وقومت اتجاهك، وأخلصت نيتك، رسالة في هذا الشهر الذي فضله الله على شهور العام كلها، تفضيلا جعل كل محب لما عند الله يتمنى أن لو كان العام كله رمضان، لما يرى فيه من رحمات متواليات، ونعم متوافرات، وفوز ونجاة فيه وفي لياليه تحلو المناجاة.

الصوم مكابدة ومعاناة ولكن

إن الصوم على شرطه فيه مكابدة ومعاناة وهل أشق على النفس من النضال في كفها عن أهوائها، وهل أصعب على الإنسان من مجاهدة الشياطين في إغرائها، إنها الحرب الضروس بين الحق والباطل، بين السمو والانحطاط، بين المجد والهوان، بين الشرف والابتذال، إن هذه الشدة البادية، تحمل بين طياتها اليسر بعينه.

أيها الشباب، استعذب في سبيله كل ما تعانيه لأن الجنة حفت بالمكاره، وقد حفت النار بالشهوات، هذا الذي نظنه عسرًا هو اليسر بذاته، ففيه الأدب والطاعة والقناعة وحسن الخاتمة، وكريم اللقاء، فهل بعد ذلك من يسر أراده بنا الله؟ كيف لا والعلي الكبير يقرر في هذا المجال، بأوضح مثال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وما دام العليم الخبير يقر أنه يسر فهو يسر ولا جدال، إن البر الرءوف لم يكتف بهذه البشرى يزفها إلينا، ولكنه فتح باب الرجاء أمامنا واسعًا فسيحًا، وحقق لكل صائم بحق ما يؤمله عند ربه من خير، وأكد هذه الإرادة الرحيمة بقوله -جل وعلا: ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].

حتى ينتفي كل ظن أو تجوز، فيما يرجو من نعمة الله، وتتوالى بشريات العز في هذه الفريضة، فريضة الصوم، فيولي من النعماء والآلاء ما هو أهل له، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ [البقرة: 186]، عنه هو هو، هو الله لم يسألوك عن شعيرة ولا نسك أو حكم أو فريضة، إذا سألوك عني .. أنا الله، إذا سألوك فانظروا يا شباب ماذا قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام، لا تتول أنت الجواب، أنا المسئول وأنا المجيب، رفع الواسطة وأزال الحجب، وتولى هو بذاته جواب السائلين، ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ لأقرب زمان أو مكان.. حاشاه عن الزمان والمكان فهو لا أين له ولا كيف، هو فوق الفوق، ولكنه قرب الإحاطة والشمول، بواسع العلم وسلطان القدرة، وإحاطة السمع والبصر،﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ كل هذه الآلاء والنعم والبركات لهم، لمصلحتهم، لنفعهم، لخيرهم، لهدايتهم، لنجاتهم، جمع كل هذا في ختام الآية الكريمة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.

يا شباب المسلمين، المسلمين العاملين، العاملين العالمين، العالمين المخلصين، هذا هو الصوم في بهائه، في نضرته، في جماله، في كماله .. أين أنتم من هذا الجلال؟ في عليائه أم خارج لألائه؟ إن الله سبحانه يطلب ممن يعبده أن يذل لغيره، إن الذل لله وحده غاية العزة والإباء، وكفى المؤمنين عزًا ذله بين يدي رب العباد، وكفى المؤمنين فخرًا أن يكون الله رب الأرباب، والذل لغير الله آية الشقاء والتعاسة إن آثرت غيره بالنظر والاستعانة والرجاء، فقد تفرقت بك السبل، وبعدت عن موطن القوة والانتصار (وربنا الرحمن المستعان) إن صمت له على شرطه فأنت الصائم حقًا، فكن في صومك ربانيًا محضًا، إنها نعمة إن سعيت إليها فنلتها فأنت أعز الناس جاهًا، وأقدرهم قوة، وأغناهم نفسًا، وأسماهم مكانة، وأطهرهم سريرة، وأشجعهم إقدامًا، لأن الله سمعك الذي تسمع به، وبصرك الذي تبصر به، ويدك التي تبطش بها، ورجلك التي تمضي عليها.

الصوم درعك الواقية

يا شباب .. الصوم جنتك، ووقايتك وحمايتك، درعك الواقية من كل ما يغضب عليك مولاك، الدعامة التي تقيمك رجلا في ميادين الجهاد، حتى لو اقتضاك الموقف أعز ما يحرص عليه الناس.

إذا اقتضاك وقتك وجهدك وأهلك ومالك وحياتك، احرص على الموت السامي النبيل، توهب لك الحياة الرفيعة العالية، إنك إذا استهنت بكل ما في الوجود حتى الحياة، فبماذا يهددك أعداء الله؟ إن الجبان يخاف على رزقه وأجله، حماقة منه وجهلا، فيذل ويخضع لكل من يهدده بهذين السلاحين، أما الذي يرتقي بالانتصار لدعوته فوق الرزق والحياة فماذا يملك له الطغاة الظالمون عش كأنك مثقل الظهر بالواجبات، إنها لا تتسع لها الأشهر والسنوات، أنس أن لك على أحد حقًا، وإنك وحدك محط الواجبات فالذي يتولى حسابك في هذا، هو صاحب الموازين القسط يوم القيامة، فالحساب هناك على النقير والقطمير، على الصغير والكبير، ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

يا شباب أخرج من رمضان على غير ما دخلت به فيه، واجعل شغلك الشاغل هذه الدعوة، إنك إذا شغلت نفسك بها جادًا مخلصًا، كفاك الله كل ما يهم الناس في الحياة فيشغلهم عن ربهم، كن في عون عباد الله عامة والمجاهدين خاصة، يكن الله في عونك، وقارن في اتزان بين ضآلة عونك لإخوانك، وضخامة عون الله لك، تر الربح الرابح الذي امتن الله به عليك، أنكر السيئة، وامحها إن استطعت، أو تول علاجها راحمًا، ركز على الإساءة ولا تركز على المسيء، فالإنسان قد يصبح على غير ما أمسى عليه وقد يمسي على غير ما أصبح عليه، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، إن هذا باب من أبواب الخير يفتحه لك رمضان، يسهل عليك نشر الدعوة، فيحبك الجميع، ويستطيبون عشرتك، ويستمعون لكلمتك وتدخل يوم القيامة من باب الريان.

إنَّ رمضان معهد علم وتربية .. وعبادة ومعاملة، فأين أنت منه.. ابتدائي إعدادي.. ثانوي.. أم عال، كل في يديك إن شاء الله، ثم عزمت لتلعقن الصبر أو تدرك المنى، فما انقادت الآمال إلا للصابرين،﴿رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: 118]، وكل عام وأنتم بخير.

أعاده الله عليك، وأنت في العاملين، ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾[التكاثر: 7]، أعاده الله عليك موفور العافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-------

* سبق نشره في "إخوان أون لاين" بتاريخ 19 أكتوبر 2004م نقلا عن مجلة الدعوة – العدد (63) – شوال 1401هـ /أغسطس 1981م.

التعليقات