قهر الأعذار

قهر الأعذار

قال تعالي: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(التوبة: 41).

إياك أن تنكسر:
 
الحياة لا تجري رخاء كما يريد الإنسان، وإنما تتعرض له بالامتحان تلو الامتحان؛ فهي سلسلة متصلة من الامتحانات، ووجود العقبات في الطريق من طبيعة الحياة نفسها﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾(البلد: 4) فالمكابدة والمعاناة والمشقة من طبيعة الحياة علي هذه الأرض، وينطبق ذلك علي الأغنياء والفقراء، والأصحاء والمرضي، والملوك والعامة، والنجاح الحقيقي في الحياة هو الوقوف بصلابة أمام الرياح الهوج، وعدم الانكسار أمام الأزمات، والسير علي نهج الاستقامة، والمحافظة علي العقل المنفتح والضمير اليقظ والقلب الحي والخلق الناضر علي تقلب الأحوال. وقهر الأعذار من الأخلاق العظيمة التي لا يستطيعها إلا الرجال ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾(الأحزاب: 23).
 
وكثيراً ما ينصرف مفهوم قهر الأعذار إلي مواجهة الأعذار الشرعية المبيحة لترك قتال الأعداء، والتغلب عليها والقيام بالواجب الذي أسقطه الشرع عن أصحابها، وينصرف أحياناً إلي تحدي الإعاقة وقيام أصحابها بأعمال الأصحاء، بل ومنافستهم والتغلب عليهم في كثير من الأحيان، وهذا صحيح لا شك في ذلك، ولكنه جزء صغير من مفهوم قهر الأعذار، فالمفهوم أوسع من ذلك بكثير، يمتد ليشمل الناس جميعاً في وقت من الأوقات، وبصورة من الصور؛ فلا يوجد إنسان لا تعترضه عقبات وصعوبات من أي نوع في أي مرحلة من مراحل حياته؛ وقد تتعلل النفس بهذه العقبات لترك الواجبات، أو التراخي عن طلب المعالي، أو التوقف عن مواصلة الكفاح، وقد تكون هذه العقبات في الفاقة وقلة ذات اليد، وقد تكون في  كثرة المال كثرة تستنفد طاقة الإنسان في تدبيره وتثميره حتي يصده ذلك عن الواجبات والعمل للآخرة، وقد تكون العقبات في البيئة الضاغطة، والأزمات الخانقة، والتهديد في النفس والمال، وقد تكون في ضعف الصحة واعتلال الجسم، وغير ذلك من العقبات، والحقيقة أن هذه العقبات تتفاوت في قوتها وشدتها واستمرارها، كما يتفاوت الناس في القدرة علي مواجهتها والتغلب عليها وقهرها.
 
 وفي كثير من الأحيان يتوهم الإنسان وجود هذه العقبات، أو يبالغ في تضخيمها وتهويل آثارها المتوقعه، فيساوره القلق وتستبد به المخاوف، حتي تشل تفكيره عن التعامل الصحيح معها، وتعطل طاقاته في مدافعتها ومغالبتها، بل قد يصل الأمر إلي حد قتل ملكات المقاومة في نفسه، وتتركه نهباً للقلق واليأس والإحباط، وتنتهي به منكسراً أمام الأزمات، مستسلماً أمام الأحداث؛ فلا يحرك ساكناً، ولا يبذل جهداً، وربما وصل الأمر إلي ما هو أبعد من ذلك فيعيب علي غيره الصمود في مواجهة الأزمات، ومغالبة الشدائد، والتحرك لوقف تيار المحن، وتغيير الواقع المؤلم. 
 
ولا شك أن الانكسار أمام العقبات المتوهمة أشد نكراً من الانكسار أمام العقبات الحقيقية، وكلاهما شر محض؛ والخير كل الخير في رباطة الجأش والصبر والثبات والصمود  ومقاومة الواقع غير المرغوب ومحاولة تغييره بكل الإمكانات المتاحة دون تبرم أو قلق أو إحباط أو يأس، ودون إبطاء  أو عجلة، ولا يعين علي ذلك مثل اليقين المطلق في الله تعالي، والثقة المطلقة في وعده ووعيده، والرضي التام بقضائه، والاطمئنان العميق إلي قدره وقدرته وعلمه وحكمته.
 
يمكنك اللحاق بهم:
 
  إذا قرأت سير العظماء الذين انتصروا علي الشدائد، وتغلبوا علي المحن، وتخطوا العقبات، وقهروا أعذارهم الحقيقية، وحققوا  ما تتناقله الأخبار وتجري به الركبان فكن علي ثقة أنه يمكنك اللحاق بهم؛ واجتهد أن تنتصر علي خوفك؛ فإنهم لم يحرزوا ما أحرزوه حتي انتصروا علي أنفسهم، وتغلبوا علي مخاوفهم، وانطلقوا يعملون بلا توقف، وأنت يمكنك أن تحقق النجاح في هذا المضمار، وأن تنافسهم وتزاحمهم بالمناكب، بل يمكنك أن تسبقهم وتتفوق عليهم، فلا تقف مكتوف الأيدي أمام الواقع المؤلم، ولا تنكسر أمام ضربات الأعداء، ولا تستسلم لليأس والإحباط، ولا تقعد عن العمل مهما كانت الظروف، ولا تكف عن المحاولة مهما تعثرت أقدامك، ولا تسكن عن الحركة مهما حاصرتك المشاكل، فالماء لا يأسن إلا إذا ركد وتوقف عن الجريان، والمرض لا يتمكن من الجسم إلا إذا انهارت مقاومته وضعفت مناعته، وما حققه البشر من غير معجزات الأنبياء  يمكنك تحقيقه إذا نسجت علي منوالهم وسرت علي طريقهم وسلكت دربهم؛ بل إن الأمر بالنسبة لك أسهل منهم؛ فأنت تحاول وأمامك الآلاف من قصص النجاح في كل العصور القديمة والحديثة، وفي كل المجالات، ومنها ما يشبه حالك وتشبه ظروفه ظروفك، فقد ارتاد لك الطريق ومهد لك السبيل وصار لك المثل والقدوة، ولا يبقي إلا أن تسير بلا توقف ولا التفات، فستصل يقيناً إلي مرادك بإذن الله تعالي.
 
لقد صار يوسف عليه السلام مثلاً لمن لم يستسلم في كل الظروف ولم يتوقف عن الدعوة في كل الأحوال، ولم يمنعه انتقاله من نعيم القصور إلي جحيم السجون من الانشغال بالدعوة ومستقبلها والاهتمام بتوصيلها إلي من ينفتح لها قلبه، والتماس السبل لغرس التوحيد في القلوب: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 39 - 40). فقد مارس الدعوة رغم ألم السجن وقسوة السجان ورقابته وقيوده، واليوم نعاني من نفس المشكلة فقد أضحت مصر سجناً كبيراً؛ ولكن هذا الواقع لا يعفينا من التماس السبل وإبداع الوسائل وارتياد الآفاق لتوصيل دعوة الله تعالي إلي الناس، وتبصيرهم بما يجب عليهم، وتعريفهم حقوقهم وواجباتهم، وفتح عيونهم علي ما يحاك لهم من مؤامرات، وشحذ هممهم لمقاومة الباطل ورفض الظلم ومساندة الحق والوقوف مع المظلوم والانحياز إلي قضايا الحرية والعمل لتحرير الوطن من التبعية والاستبداد، هذا الواقع لا يعفينا من إبداع الوسائل وابتكار الطرق لدعم الفضيلة ومحاربة الرذيلة والحفاظ علي الهوية الإسلامية والوصول إلي كل شرائح المجتمع لتوصيل الصورة الصحيحة عن الإسلام والمشروع الإسلامي ودعوة الإخوان وثورة يناير، وحشد طاقات المجتمع حول القضايا الجامعة للوطن والأمة العربية والإسلامية خاصة قضايا المقدسات والأقليات وبصفة أكثر خصوصية القضية الفلسطينية والقدس والمسجد الأقصى.  
 
واجبات عملية:
 
(1)  ابدأ من مكانك الحالي في العمل لدين الله بأي وسيلة مناسبة لك مهما كانت ظروفك.
 
(2)  كن عوناً لزوجتك وأبنائك وإخوانك لأداء أي دور  في إرشاد المجتمع بأي وسيلة مناسبة لظروفك.
التعليقات