صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان سنَّةٌ مؤكدة، وجاء في الترغيب فيها أن من صامها بعد رمضان فكأنما صام السنة كلها، وعليه فمن واظب على ذلك كل سنة فكأنما صام عمره كله، وقد حثَّ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- على إتباع صيام رمضان بستة من شوال، فقد روى عنه أبو أيوب الأنصاري: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر كله" (رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة، ورواه مسلم في كتاب الصيام بشرح النووي 8/56).

والمراد بالدهر هنا: السَّنَة، أي كأنما صام السنة كلها، فإذا حافظ على صيام ذلك طوال السنين، فكأنما صام الدهر، وقد جاء تفسير ذلك في حديث آخر يقول: "صيام شهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام العام".

وهل المطلوب في هذه الأيام إلحاقُها برمضان مباشرةً؛ بحيث يبدأ صومها من اليوم التالي للعيد، كما يدل عليه لفظ (أتبعه) أو يكفي أن تكون في شوال، وشوال كله تابع لرمضان؟! هذا ما اختلف فيه الفقهاء، ولكن الرأي الثاني أرجح، كما أنه ليس من اللازم أن يصومها متتابعةً، فلو فرَّقها فلا حرَج عليه إن شاء الله، وهذه فتوى العلاَّمة الدكتور يوسف القرضاوي.

وعلينا أن نعيَ أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامةٌ على قبول صوم رمضان، فإن الله تعالى إذا تقبَّل عمل عبد، وفَّقه لعملٍ صالحٍ بعده.. فقد سنَّ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر- شهر شوال- صيام ستة أيام، وقد وعد من فعل هذا الأمر وصام هذه الأيام بالأجْر الجزيل في الدنيا والآخرة، ورتب على صيامها من الأجور ما يعجز عن وصفه الواصفون، وهذا من فضل الله وكرمه علينا نحن أمة محمد، أعمارنا قصيرة، لكن أعمالنا كثيرة، وأجورها وفيرة، والسعيد والموفَّق من وفَّقه الله لاغتنام هذه الفرصة وصيام هذه الأيام القليلة قبل فوات الأوان.

قال الإمام النووي- رحمه الله-: قال العلماء: "وإنما كان كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين..".
 
مسائل مهمة تتعلق بصيام الست من شوال

- يعتقد بعض الناس أنه إذا صام الست من شوال هذه السنة فلا بد أن يعاود الصيام في كل سنة وهذا غير صحيح فالأمر بالخيار إن شاء صام هذه السنة وأفطر السنة التي بعدها، فليس الأمر ملزمًا بالصيام في كل سنة.

ولنتذكر قوله تعالى ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران)، وقوله تعالى ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد).

- يعتقد بعض الناس أن الإنسان إذا بدأ في صيام ستة أيام من شوال فلا بد أن يكملها حتى تنتهي ولا يُعذَر بقطع الصيام بعد يوم أو يومين لعُذر أو مرض أثناء الصيام، وهذا غير صحيح، فالمتطوع أمين نفسه، يستطيع أن يقطع الصيام في أي وقت شاء ومتى شاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر" (الترمذي).

- ينبغي لمن أراد صيام ستٍّ من شوال أن يبيِّت النية من الليل لأنه صيام أيام مخصوصة في وقت محدود لها أجر مخصوص وليس كصيام النفل المطلق.

- من عليه قضاء أيام من شهر رمضان فلا بد أن يقضي هذه الأيام أولاً ثم يصوم الست لأن صومَ رمضان فرض وصيام الست نفلٌ لظاهر الحديث "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال.. الحديث.." والمسألة لا تخلو من خلاف العلماء.

- تُستحب المبادرة بصيام الست من شوال؛ بحيث يبدأ بها من اليوم الثاني من الشهر، ولا حرَج في عدم المبادرة فلو أخَّرها إلى وسط الشهر أو آخره فلا بأس.

- كون صيام رمضان وإتباعه بست من شوال يعدل صيام الدهر، فهذا لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقد جاء ذلك مفسرًا من حديث ثوبان- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام سنة" يعني رمضان وستة أيام بعده (خرجه الإمام أحمد (5/280) وابن حبان في صحيحه (3627)، وقال الإمام أحمد: ليس في أحاديث الباب أصح منه).

من حكمة صيام الست من شوال

أولاً: أن صيام ستٍّ من شوال بعد رمضان يستكمل بها المسلم أجر صيام الدهر كله.

ثانيًا: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص؛ فإن الفرائض تكملُ بالنوافل يوم القيامة، وأكثر الناس في صيامه للفرض نقصٌ وخللٌ، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال.

ثالثًا: أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، فمعاودة الصيام بعد الفطر شكرٌ لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب.

وقد أمر الله- سبحانه وتعالى- عبادَه بشُكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: ﴿وِلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ﴾ (البقرة: من 185)، فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرًا عقب ذلك.

رابعًا: أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان، بل هي باقيةٌ ما دام العبد حيًّا، فالعائد إلى الصيام بعد فطره يدلُّ عودُه على رغبته في الصيام، وأنه لم يملَّه ولم يستثقلْه.