https://ikhwan.online/article/261235
الثلاثاء ١٠ محرّم ١٤٤٦ هـ - 16 يوليو 2024 م - الساعة 12:26 م
إخوان أونلاين - الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمون
زاد الداعية

الثبات

الثبات
السبت 4 مايو 2024 10:44 ص
بقلم: د. أحمد حسن

هي حلقة جديدة من حلقات التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، نتناول فيها كلمةً وردت في كتاب الله تعالى، ونتتبعها في مواضع ورودها؛ لنخرج بموضوع متكامل، نحاول فيه أن نصل إلى مراد الله جلَّ وعلا.

ولا أكتمك سرًّا أخي القارئ الحبيب أني اخترت هذا الموضوع في هذا التوقيت بالذات؛ لأني استشعرت هزةً في قلبي وقلبك، وأحسست بما تحس به أنت من ارتجافة خوف، ونحن نرى ونسمع ما يحدث في زماننا هذا من انزلاق إخوة لنا عن الطريق، ونكوص آخرين على أعقابهم، وردة رفقاء لنا عن طريق الدعوة، وذبذبات كثيرة حدثت لمن ظننا يومًا أنهم ثابتون ثبات الجبال الراسيات.

 فكم من أخ ملتزم، أقصد كان يومًا ملتزمًا، تراه منغمسًا في شهوات.. وشبهات، وتذهل أنت حين تتذكر مكانه في الصف الأول في الصلاة، ومكانه المحفوظ في حلقات التلاوة والذكر، وإنصاته العجيب في دروس العلم!!، أين ذهب كل هذا؟!، لم يثبت الرجل، ضاع الرجل!، لماذا زلَّت الأقدام؟!؛ لأنه القلب.. وآآه منك يا قلب، "إنما سمي القلب قلبًا من تقلبه" حديث صحيح في مسند أحمد، "إن مثل القلب في تقلبه كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا لبطن" حديث صحيح في المسند أيضًا.

 والذي يصيب أصحاب الدعوة من إيذاء وتهديد وتشريد، بل وأيضًا السخرية والاستهزاء، وطول الطريق، ووعورته، وقلة الناصر والمعين، ولحظات الضيق، ولا أقول الإحباط واليأس التي تصيب بعضنا، وكأني بأحدنا يقول: "متى نصر الله؟" ولم يسمع إلى قوله جل وعلا: ﴿أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية 214).

 هو الثبات إذن، ثبات القلب أولاً، ثم ثبات الأقدام بعد ذلك.

وكأني أستشرف من وراء أسوار الزمان يومًا، جاء فيه صحابي جليل هو خباب بن الأرت، وقد شعر بما نشعر به الآن، فقال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ ترى بماذا أجابه المعلم العظيم صلى الله عليه وسلم؟ والله ما دغدغ العواطف؛ ولكن حدثنا عن المنشار يُفرق به الرجل نصفين، وحدثنا عن أمشاط الحديد، يمشط بها الرجل ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، وبشرنا بتمام هذا الأمر ولو بعد حين؛ ولكنكم تستعجلون، (راجع حديث خباب عند البخاري في باب الصبر في رياض الصالحين).

 دفعني إلى الحديث معك أخي الحبيب في موضوع الثبات سهولة الوقوع في المعاصي، وسرعة الولوج إلى الحرام في مجتمع يعجُّ بالرذائل، وتكثر فيه الفتن التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تموج كموج البحر.

 وأذكرك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر" رواه الترمذي.

 ومن ذا الذي يثبت قابضًا على الجمر؟!.

وأبشرك ببشارة رسولك صلى الله عليه وسلم بأن الثابت في أيام الفتن؛ له أجر خمسين صحابيًّا: "إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذٍ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم" السلسلة الصحيحة.

 حماس البدايات:

كنا في بداية التزامنا نحرص على دقائق السنن، ونبتعد عن الشبهات، ناهيك عن الحرام، وترى الواحد منا مسارعًا في الخيرات بحيوية وهمة ونشاط، بلا كلل ولا ملل، ثم حدث ما يلي؛ كلَّت النفوس، وفترت الهمم، وتحوَّل بعضنا إلى صفوف عامة الناس، وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل الأدهى والأمر أن تحول آخرون إلى معاداة الدعوة، والسخرية من أهلها، منقلبين على أعقابهم.

 نها إذن معركة تقرير المصير بين الارتداد على الأعقاب والثبات على المنهج.

مواطن الثبات:

(1) أمام الفتن بأنواعها: المال، الأهل، والأولاد، المناصب.

(2) الثبات عند تأخر النصر.

(3) الثبات بعد النصر.

(4) الثبات عند لقاء العدو.

(5) الثبات مع كر الزمان "طول الأمد".

(6) الثبات عند الموت.

(7) الثبات على منهاج الإسلام والدعوة.

(8) الثبات أمام  فتنة الإيذاء والتنكيل من الطغاة.

 وفي زماننا هذا أتحدث إليكم عما يشغلني من مواطن الثبات:

1- الثبات عند تأخر النصر: وأقول لكم: نحن نحاسب على العمل وليس النتائج، والمطلوب منك مراجعة أحوالك مع ربك، هل أنت سبب من أسباب تأخر نصر الله بذنوبك وما الله أعلم به من سرائرك؟!.

 (2)- الثبات أمام شواغل النفس من الأهل والأولاد: هل هم أسباب تقهقرك عن دعوتك قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ (9)﴾ (المنافقون)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُواًّ لَّكُمْ فَاحْذَرُوَهُمْ﴾ (التغابن: من الآية 14).

 ويشغلني عدم ثبات بعضنا بسبب هموم الدعوة وتبعاتها، وأقول ما قاله الله عزَّ وجل: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).

 ويشغلني ما يتبع ذلك من عدم ثبات عند الموت، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾ (إبراهيم)، وقد فسر أهل العلم تثبيت الآخرة بالنطق بالشهادتين في لحظات الاحتضار، والإجابة على أسئلة القبر: من ربك؟ ما دينك؟ من الرجل الذي بعث فيكم؟ ما الكتاب الذي أنزل اليكم؟

 أما القول الثابت في الحياة الدنيا؛ فهو القول الحق الصادق، وهو ضد الباطل والكذب، هو القول الذي يتبعه فعل ما أمر العبد به، وبهما يثبت الله العبد ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء: من الآية 66).

 وفي نهاية كلامي إليك أخي الحبيب أذكرك وأحذرك من أن تكون متذبذبًا؛ فإن الإسلام إيمان وثبات، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قل آمنت بالله ثم استقم"، رواه مسلم من حديث سفيان بن عبد الله.

 وأستنفر فيك كل قواك لتثبت على دعوة الإسلام ولا تتغير، فإنك لو تأملت أحاديث الحوض من صحيح مسلم؛ لوجدت أناسًا مُنعوا منه، ورسول الله يقول: "يا رب أصحابي" فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيدعو عليهم رسول الله "سحقًا سحقًا لمن غيَّر بعدي"، وفي رواية "والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم"، فكان ابن أبي مليكة، أحد رواة الحديث يقول: (اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا)، وكلمة "ما برحوا يرجعون"، توحي بالتراجع البطيء المتواصل المؤدي إلى الهاوية، وربما يصعب الرجوع بعد طول الاستدراج فهنيئًا لمن استدرك نفسه قبل الاستدراج لئلا تزلَّ قدم بعد ثبوتها.

 وقبل الختام.. أنصحك ألا يفتر لسانك عن الدعاء بأكثر دعاء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به، واجعله في أورادك اليومية "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، أسأل اللهَ لنا الثبات ولكل إخواننا الكرام.