محمد خير موسى
إذا وطئتَ مِنى أحسستَ أنك دخلتَ ساحة تنهض فيها الفكرة تمشي على قدمين، وترى الجموع تأتي من كل فجٍّ بلغاتٍ شتّى وملامح متباينة وطبائع مختلفة ثم تذوب الفوارق في لحظة واحدة كأنّ يدا خفيّة تمسحها من الوجوه وتمحوها من الألقاب، فيستقيم الصفّ على مقصدٍ واحد وتستقيم القلوب على وجهة واحدة.
ثم ترى الحصى في الأكفّ صغيرة وديعة وترى الكفّ ترتفع في انتظامٍ يأسرُ القلب قبل العين، وكأنّ السّماء تعلّم الأرض درس الاصطفاف لتقديم درسٍ فكريٍّ مهيبٍ تحضره البشريّة كلّها، ثم تنطلق الحصيّات نحو هدفٍ واحد فتشعر لحظَتَها أنّ الأمّة تستعيد نَفَسَها المشترك وصوتَها الواحد، ويظهر الرمي صورة من دورة فكريّة وتربويّة مكثّفة تقول للمسلم بأسلوبٍ واضحٍ لا يخطئه سمع القلب والعقل: اجعل عدوّك واضحا في قلبك، واجعل وجهتك واضحة في عقلك، واجعل يدك صادقة مع إعلانها وضوح العدوّ، واختر معركتك بعناية حتى لا تخبو قوّتك مع غير عدوّك.
أيُّ عدوٍّ هذا الذي ترى الأيدي كلَّها تتّجه نحوه في لحظةٍ واحدةٍ، فتلتقي الحصى في الهواء كما تلتقي القلوب على قصدٍ واحدٍِ ثم تهوي على جمرةٍ واحدة كأنّها تقول للناس جميعا: ههنا موضع العداوة وههنا جهة الرمي وههنا امتحان البوصلة؟
إنه عدوّ المعنى والفكرة الذي يسرق من الإنسان إنسانيته حين يبدّل المقاصد، وعدوّ الروح حين تُستدرج إلى عبودية الشهوة والغرور والرياء، وعدوّ الأمّة حين تُستدرج إلى المعارك الصغيرة أو المطاحنات البينيّة حتى تنفلت منها وجهتها الكبرى؛ فالشيطان حين يُذكر في هذا المقام يُذكر بوصفه عنوانا جامعا لكل طريق يشتّت الصّفّ ويُذيب الحقّ ويُجمّل الباطل، ويعتدي على الحرمات ويدنّس المقدّسات ويستعبد الإنسان ويجعل السهم ينحرف عن هدفه، وتجيء الجمرات في هذا المشهد خريطة مصغّرة لمعركة الوعي والفكر؛ حجرٌ صغير يعلن أنّ القوّة حين ترتبط بالحق تكبر قيمتها، وأنّ اليد حين تستقيم على مقصدها تكون مسدّدة الهدف موجعة للمستهدَف، وأنّ الهزيمة تبتدئ يوم يضيع العدوّ في ضبابٍ كثيفٍ من التشويش والتّبديل فتضيع معه دلالة الرّمي ومعنى الاجتماع.
ثم تأمّل هذا الحصى في الكفّ؛ قطعةٌ من الأرض لا يُأبَه لها في الأرض؛ غير أنّها تتحوّل في يد الحاجّ إلى بيانٍ كاملٍ يوقظ البصيرة بوضوح أنواره ويحرّر القلب من سلطان الرموز الباطلة ببلاغة صراحته، وانظر إليها كيف تستحيلُ في لحظة الرمي سهما مقصودا فتتعلّم اليد أن المعاني الكبرى قد تُبنى بأداةٍ صغيرة حين يثبت الاتجاه وتصفو النيّة ويستقيم المقصد. ثم تغادر الحصاة الكفّ في قوسٍ واحد نحو جمرةٍ واحدة، فيتجسّد أمام العين أن قيمة الفعل في وضوح الهدف وحسن التوجيه، وأن اجتماع الحصيّات على نقطةٍ واحدة يدرّب القلب والعقلَ على اجتماع العزائم على عدوٍّ واحد، وأنّ تكرار الرمي يربّي الإرادة على قطع علائق الهوى وتهذيب نزعة التفرّق والمداومة على جبهة مواجهة العدوّ الواضح، فيغدو رمي الجمار درسا عمليا في توحيد الوجهة ومراجعة النفس كلما مالت إلى رمزٍ زائف أو معركةٍ جانبية مع غير العدوّ الحقيقيّ.
ويجيء التّكبير مع كلّ حصاةٍ كأنّه توقيع الغيب على حركة اليد؛ فتخرج "الله أكبر" من أفواهٍ تجرّدت في منى فتملأ الفضاء جلالا وتردّ القلب إلى مقامه الأول؛ عندها يحس الحاجّ ومن يتابع الحاجّ والحجّ أن كل عظمةٍ دون عظمة الله تعالى تذوب في هذا النداء، وأنّ اليد حين تقذف الحصاة تقذف معها هوى يتخفّى في النفس، وأنّ هذا التّكبير إعلان مواجهةٍ صريح شعاره وهدفه وغايته "الله أكبر طاعة للرحمن وإرغاما للشيطان"، فتثبت اليد في جبهتها ويستقيم الفكر على وجهته ويستقر القلب على عهدٍ المواجهة، وتغدو الجمرات درسا مقيما في أن التّحرر يبدأ من الدّاخل يوم ينتصر هذا النداء على نوازع الهوى.
وهنا تبدأ رسالة رمي الجمار لغير الحاجّ من أبناء المسلمين؛ رسالةٌ تتجاوز حدود مِنى وتطرق أبواب المدن والأسواق والبيوت، وتلفت أنظار العقول إلى أن توحيد الجهد على عدو واحد يلدُ الفاعليّة، وأنّ تشعّب ساحات الصّراع في الدّاخل يهدرُ الأعمار في المناوشات ويترك جوهر المعركة في مأمن، وأنّ اليد حين تتعدد أهدافها تتكسّر قوّتها. ثم يرسم رمي الجمار خطر الانقلاب في الوظيفة حين تتحول اليد التي خُلقت لتقذف حصاها في وجه العدو إلى يدٍ تصافحه وتبارك الطّريق نفسه الذي جاءت الحصيّات لتقطعه، وحين تنحرف اليد التي جاءت لتّتجه إلى عدوٍّ واحد فتقذف أخاها بحصى الاتّهام والتّخوين، وتنسج حول العدوّ حزاما من الأعذار وتفتح له طريقا في الوعي الجمعيّ يغيّر صفته من عدوٍّ إلى صديقٍ أو حليف، عندها ينقلب الرّمي إلى معنى مقلوب، وتصير الحصى أداةَ تمزيقٍ بعد أن كانت تربيةَ توحيد الفكرة وتوحيد الوجهة وتوحيد الأيدي الرّامية، ويصير الموقف دفاعا عن العدو بشعاراتٍ برّاقة، وينقلبُ الأخ عدوا إذ تضطرب المعايير وتنحرف البوصلة عن يدها الأولى.
أشدُّ رسالةٍ في رمي الجمار هي ضرورة أن يكون معك على الدوام ميزانٌ تفحص به عقلك وتتفقّد به فكرك قبل حصاتك؛ تتفقّد عقلك هل ما يزال يوحد الاتّجاه إلى العدو أم بدأ يغيّر الوجهة، وتتأمّل كيف تتسلّل صناعة التبرير فتبدّل المعايير وتستدرج المعارك الجانبية حتى تغدو خدمة للعدو الحقيقي؛ لأنها تستهلك طاقة الصّف وتفتح له أبوابا من الدّاخل، ثم تتفقّد يدك هل ما تزال مرفوعة في المواجهة أم كلّت وتعبت، أم غيّرت الوجهة، أم صافحت العدو، أم طعنت أخاها لأجل العدو، وعند هذا الفحص يستقيم معنى الجمرات درسا دائما في حراسة البوصلة وحراسة اليد وحراسة الصف وحراسة سلاحك.
x.com/muhammadkhm