نشرت مجلة "ذي أتلانتك" مقالا للكاتبين الصحفيين جوناثان ليمير ونانسي يوسف قالا فيه، إن الرئيس دونالد ترامب تغيب عن حفل زفاف ابنه الأكبر وأبقى موظفيه في واشنطن خلال عطلة نهاية الأسبوع، متوقعا أن يكون الاتفاق مع إيران، الذي وصفه يوم السبت بأنه "تم التفاوض عليه بشكل كبير"، جاهزا قريبا.

وصرح وزير خارجيته، ماركو روبيو، الذي كان في زيارة للهند استغرقت أربعة أيام، يوم الأحد بأن الاتفاق قد يُبرم في ذلك اليوم. ثم كرر الأمر نفسه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أشار روبيو إلى أن الاتفاق قد يستغرق "بضعة أيام أخرى". ثم حدد ترامب موعدا لاجتماع مجلس الوزراء في كامب ديفيد، موقع اتفاقيات السلام التاريخية السابقة في الشرق الأوسط، اليوم، مما زاد من الترقب. لكن سوء الأحوال الجوية أجبر الاجتماع على العودة إلى البيت الأبيض، وفي غضون الدقائق العشر الأولى، وبينما كان كبار مسئولي الإدارة يحيطون به بقبعاتهم الحمراء، أقر ترامب بأنه لا يملك أي شيء ليكشف عنه. قال ترامب عن الإيرانيين: "إنهم يرغبون بشدة في إبرام اتفاق، لكنهم لم يتوصلوا إلى ذلك حتى الآن".

وبالطبع، لم يتوصل ترامب إلى اتفاق أيضا. الاتفاق قيد المناقشة - والذي يقال إنه "مذكرة تفاهم" من صفحة واحدة - سيمنح المفاوضين مهلة 60 يوما لإيجاد حل لمشكلة طموحات إيران النووية وتخصيب اليورانيوم، أو "الغبار النووي" كما يسميه ترامب.

ويقول الصحفيان، إن فشل ترامب في إبرام اتفاق لا ينبع من عدم رغبته في ذلك، فقد أمضى أسابيع يبحث عن مخرج من الصراع، وحاول إجبار إيران على الاستسلام بسلسلة من التهديدات المتصاعدة والمواعيد النهائية. لكن في كل مرة، كانت إيران تتحدى تهديداته، وقد وجد ترامب سبلا لتمديد وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه قبل زيارة نائب الرئيس فانس لإسلام آباد في منتصف أبريل على أمل التوصل إلى اتفاق أوسع، لكنه عاد خالي الوفاض.

وبرغم تهديداته المتكررة، فإن ترامب متردد في استئناف الأعمال العدائية، حيث قال مساعدوه أنه يدرك استنزاف مخزون الذخائر الأمريكية، ويخشى أن ترد إيران باستهداف البنية التحتية للطاقة لدى جيرانها في الخليج، مما سيفاقم أزمة الوقود العالمية. ويعتقد مساعدوه أن الحصار الأمريكي لمضيق هرمز، الذي يوقف صادرات النفط الإيرانية، سيؤدي في نهاية المطاف إلى استسلام إيران. لكن ترامب أعرب عن نفاد صبره إزاء هذه العملية، وشجع المفاوضين على تكثيف جهودهم.

وحث قادة دول الشرق الأوسط، خلال مكالمة هاتفية في نهاية الأسبوع، ترامب على بذل كل ما يلزم للتوصل إلى اتفاق سريعا. فقد تعرضت المنطقة لضربات إيرانية وللأزمة في المضيق.

وأغلقت إيران المضيق فعليا بعد وقت قصير من بدء الحرب، مما أدى إلى تقطع السبل بمئات السفن ودفع الولايات المتحدة إلى فرض حصارها الخاص. بعد ذلك الاتصال، كتب ترامب على موقع "تروث سوشيال" أن الاتفاق بات وشيكا. وكان من المتوقع أن يشمل استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ووقف إطلاق نار ممتد في حملة إسرائيل ضد حزب الله في لبنان، وتخفيف محتمل للعقوبات المفروضة على طهران، وفقا لمصادر مطلعة على المناقشات.

وكان الصقور المناهضون لإيران، المؤيدون لترامب، والذين خاب أملهم بالفعل من بقاء النظام في طهران، يخشون أن يتسرع الرئيس في إبرام اتفاق سيئ.

وقال السناتور ليندسي جراهام على منصة"إكس": "إن الجمع بين اعتبار إيران قادرة على ترويع المضيق إلى الأبد" وقدرتها على "إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية النفطية في الخليج يمثل تحولا كبيرا في ميزان القوى في المنطقة، وسيكون مع مرور الوقت كابوسا لإسرائيل".

ونشر رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، روجر ويكر، على منصة "إكس" أن "وقف إطلاق النار الذي ترددت شائعات عنه لمدة 60 يوما - مع الاعتقاد بأن إيران ستنخرط بحسن نية - سيكون كارثة".

وبحسب أحد مساعدي ترامب فإن الرئيس فوجئ وانزعج من هذا الرفض. لكن الانتقادات العلنية، والضغط الخفي من غراهام وآخرين، كانا أحد أسباب تغيير ترامب لموقفه. فبدلا من الترويج لفكرة قرب التوصل إلى اتفاق، بدأ يؤكد على وسائل التواصل الاجتماعي أن الاتفاق لم ينجز بعد، وأنه لن يقبل إلا بفوز واضح، وإن لم يحدد ماهيته.

وقالت المتحدثة باسمه، أوليفيا ويلز، في بيان: "كما قال الرئيس ترامب، فإن المفاوضات تسير على نحو جيد، وقد أوضح خطوطه الحمراء. ولن يتوصل الرئيس ترامب إلا إلى اتفاق جيد للشعب الأمريكي، وهو ما يجب أن يضمن عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا أبدا".

وأضاف الصخفيان أن غريزة ترامب هي دائما المبالغة، فهو يغلف أي انتكاسة بادعاءات عن صفقات أكبر في الأفق. في هذه الحالة، كما ذكر مستشاروه، تشبث بفكرة بعيدة المنال، وهي ربط الاتفاق النووي الإيراني بتوسيع اتفاقيات إبراهيم. لكن هذا الاحتمال يبدو مستبعدا للغاية، نظرا للإدانة الواسعة النطاق لسلوك الكيان الصهيوني  الأخير، والأضرار التي لحقت بدول الخليج جراء الحرب.

 

في غضون ذلك، لا تزال المحادثات مع إيران متعثرة. وحقيقة أن الإدارة الأمريكية تواجه صعوبة بالغة حتى في حث طهران على بدء المفاوضات بشأن أهم قضية لدى ترامب - وقف البرنامج النووي الإيراني، تنذر بفشل محتمل.

في عام 2015، أدلى وزير الخارجية آنذاك، جون كيري، بشهادته أمام لجنة في مجلس الشيوخ بشأن اتفاق جديد لتقييد البرنامج النووي الإيراني. بعد أكثر من عام من المفاوضات، بين إيران من جهة وعدة دول، من بينها الولايات المتحدة والصين وروسيا، من جهة أخرى، تم التوصل إلى اتفاق، حافل بتفاصيل تقنية دقيقة حول ما يمكن أن تفعله طهران وما لا يمكنها فعله خلال العقدين القادمين. كان لدى الولايات المتحدة العديد من الشكاوى الأخرى ضد طهران. لكن كيري قال إن المحادثات تركزت على أمر واحد - "القضية النووية"، لسبب وجيه. وأضاف كيري أمام أعضاء مجلس الشيوخ أنه لو تم إدراج قضايا أخرى، "لكان الأمر أشبه بلعبة خداع، حيث سنبقى عالقين إلى الأبد، نتفاوض على جانب أو آخر".

في ولايته الأولى، نقض ترامب ذلك الاتفاق، وفي ولايته الثانية شن حربا على إيران في محاولة لوقف برنامجها النووي، وأيضا لإجبار النظام على الانهيار، والقضاء على قدرات إيران الصاروخية، وتدمير قواتها بالوكالة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. الآن، ومع سعي الرئيس لإيجاد مخرج بعد فشل حملة عسكرية ضخمة في تحقيق أي من تلك الأهداف، يبدو أن ترامب يواجه المأزق نفسه الذي حذر منه كيري: فمحاولة معالجة الكثير من القضايا في وقت واحد قد تعني عدم التوصل إلى حل لأي منها.

وبموجب الاتفاق الذي يناقش حاليا عبر وسطاء قطريين، ستزداد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تدريجيا إلى مستويات ما قبل الحرب. لكن المسئولين الإيرانيين يُصرّون على بقاء المضيق تحت إشرافهم، ربما بالشراكة مع عمان، حتى في حال استئناف حركة الملاحة البحرية. وقد يكون هذا الأمر مرفوضا تماما بالنسبة للولايات المتحدة، التي تصر على أن يكون المضيق ممرا مائيا حرا ومفتوحا، كما كان قبل الحرب.

وصرح ترامب للصحفيين في اجتماع مجلس الوزراء: "سيكون المضيق مفتوحا للجميع. إنها مياه دولية".

وقد يتضمن الاتفاق المقترح أيضا بنودا للإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المُجمدة بموجب العقوبات الدولية، وهو ما تعتبره إيران شكلا من أشكال التعويضات عن الحرب، وفقا لمصادر مطلعة على بنود الاتفاق. لكن ترامب ظهر في اجتماع مجلس الوزراء ليُقلل من شأن هذا الاحتمال، قائلا: "لا نتحدث عن أي تخفيف للعقوبات".

لم يكن واضحا ما إذا كانت حملة الاحتلال الصهيوني  ضد حزب الله في لبنان ستدرج ضمن وقف إطلاق النار المُمدد. وصرح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يوم الاثنين بأنه أمر بتكثيف الضربات، وكثفت قواته حملتها البرية.

إن تشابك القضايا هو أحد أسباب صعوبة التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب. وثمة سبب آخر هو نهج الإدارة الأمريكية في المفاوضات. ففي نهاية المطاف، يتحمل ترامب مسئولية بدء الحرب وإنهائها.

لكن، بعيدا عن هذا، كان من الصعب على الرأي العام الأمريكي معرفة الوضع الراهن. المصدر الوحيد الثابت للمعلومات هو منشورات ترامب على منصة "تروث سوشيال"، والتي لا تتسم بالوضوح.

ومنذ عودته من إسلام آباد، ركز فانس بشكل كبير على حملته لمكافحة الاحتيال. كان بإمكان روبيو - أول من تولى منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي منذ هنري كيسنجر، أن يحذو حذو كيسنجر في الإشراف شخصيا على انسحاب الولايات المتحدة من الحرب.

في سبعينيات القرن الماضي، تجاوز كيسنجر، بمباركة نيكسون، الأطر الدبلوماسية للقاء مفاوض من فيتنام الشمالية سرا عشرات المرات قبل توقيع اتفاقيات باريس للسلام. لكن روبيو لم يبد أي ميل "كيسنجري" للانخراط بشكل عميق وشخصي. فهو ليس حتى المسئول عن ملف إيران في الإدارة الأمريكية، كما كان كيري مسئولا عن اتفاقية 2015 خلال إدارة أوباما. بل إن روبيو التزم في الغالب بنطاقه المعتاد في استعراض القوة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، بدءا بفنزويلا ثم كوبا مؤخرا. وبعد رحلته التي استغرقت أربعة أيام إلى الهند، توجه إلى أرمينيا لتوقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي.

أُضيفت مفاوضات إنهاء الحرب مع إيران، بدلا من ذلك، إلى الملف المشترك لستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب إلى الشرق الأوسط وصديقه في مجال العقارات، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس، الذي لا يشغل أي منصب رسمي في الإدارة. وسجل الرجلين في مجال صنع السلام الدولي متفاوت. فقد ساهما في إبرام اتفاق بشأن غزة، لكنهما فشلا في إنهاء الحرب في أوكرانيا. ولم يدليا بتصريحات كثيرة علنا حول المحادثات مع إيران؛ وقد ازدادت المفاوضات غموضا لأن ويتكوف وكوشنر، على عكس وزراء الخارجية، لا يصطحبان أي صحافيين في رحلاتهما ونادرا ما يعقدان مؤتمرات صحفية لإطلاع الرأي العام.

في غضون ذلك، يشكك نظراؤهما الإيرانيون في صدق نيات المبعوثين في سعيهما للسلام، وفقا لمصادر مطلعة على تفكير الإيرانيين. وخلال جولات المفاوضات السابقة، أمر ترامب مرتين بإطلاق صواريخ، وهدد مرارا وتكرارا بالمزيد. في وقت سابق من هذا الأسبوع، أطلقت الولايات المتحدة صواريخ على أهداف في جنوب إيران، مُبررة ذلك بضرورة الدفاع عن النفس، وهو ما اعتبرته إيران دليلا على "سوء النية وعدم المصداقية".

لطالما برع ترامب في فرض وجهة نظره، فهو يعلن ببساطة عن أي شيء على أنه انتصار، ويتبعه أنصاره المخلصون. هذا النهج على وشك أن يختبر من جديد. حتى الآن في هذه الحرب، تظهر استطلاعات الرأي أن الأمريكيين غير راضين بشكل عام عن قرارات ترامب، مما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي في الداخل. ارتفعت أسعار البنزين بشكل كبير، مع وجود لافتات تحذيرية واضحة على لوحات محطات الوقود المنتشرة على الطرق السريعة في جميع أنحاء أمريكا.

إذا تم التوصل إلى اتفاق، فمن المرجح أن يُعلن ترامب النصر - وقد فعل ذلك بالفعل عدة مرات - لكن هذا سيكون ادعاء مشكوكا فيه. لقد ازداد المتشددون في إيران جرأة، وحتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز، فقد أظهرت طهران قدرتها على إغلاقه فعليا في المستقبل. على أقل تقدير، أصبح النظام أكثر وعيا بالسلاح الاقتصادي الذي يمتلكه. يمنح ذلك إيران نفوذا، حتى مع ادعاء ترامب بأن أي اتفاق نووي سيبرمه سيكون أشد صرامة من اتفاق إدارة أوباما لعام 2015. وصرح ترامب للصحفيين في اجتماع مجلس الوزراء: "لم أفعل ذلك لأحصل على اتفاق رديء".

لم ينه اتفاق 2015 العداء بين واشنطن وطهران، لكن مسئولي إدارة أوباما كانوا يأملون أن يؤدي حل نزاعهما الأهم إلى وقف دوامة التصعيد التي دفعت البلدين مرارا وتكرارا إلى حافة الهاوية. وكان الاتفاق، من بعض النواحي، وسيلة لتجنب حرب ذات عواقب جيوسياسية غير متوقعة. لم يتصرف ترامب بنفس الحذر، وربما يتمنى الآن لو أنه فعل.