مع حلول فصل الصيف، تتجدد معاناة آلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة، ليس فقط بسبب الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة، وإنما أيضاً نتيجة الفراغ الكبير الذي يعيشه الأطفال في ظل غياب شبه كامل للأماكن الترفيهية والمساحات الآمنة التي تمكنهم من اللعب وقضاء أوقات مفيدة بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية.
وباتت العائلات تجد نفسها أمام معضلة حقيقية مع انتهاء العام الدراسي، إذ لا تتوفر حدائق عامة مؤهلة أو مرافق ترفيهية مناسبة، بينما تقف الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة عائقاً أمام أي خيارات بديلة يمكن أن تخفف من معاناة الأطفال.
فراغ ولا متنفس
أم خالد، لديها أربعة أطفال من مخيم النصيرات، تؤكد أن أكثر ما يقلقها ويؤلمها خلال العطلة الصيفية هو عجزها عن توفير أي متنفس لأبنائها.
وتقول في حديث لـ"المركز الفلسطيني للإعلام": "الأطفال يستيقظون صباحاً ولا يجدون شيئاً يفعلونه، لا توجد أماكن للعب ولا أنشطة منتظمة، وحتى الخروج البسيط أصبح يحتاج إلى مصاريف لا نقدر عليها، أشعر بالحيرة كل يوم وأنا أرى ساعاتهم الطويلة تضيع داخل المنزل أو في محيط المخيم”.
وترى أن واقع أطفالهم الذي تحول للوقوف في طوابير المياه، والبحث عن طعام في التكيات الخيرية، لا يجب أن يستمر، مشددة أن من حق الأطفال أن يعيشوا طفولتهم بسلام.
أما "أبو عماد"، والد لخمسة أطفال، فيشير إلى أن الأطفال باتوا يقضون معظم أوقاتهم بين الخيام أو المنازل المزدحمة، الأمر الذي ينعكس سلباً على صحتهم النفسية وسلوكهم.
ويقول : "الطفل بحاجة إلى حركة ولعب وأصدقاء ومساحات مفتوحة، لكن الواقع الحالي يحرم أبناءنا من أبسط حقوقهم، نلاحظ التوتر والملل والعصبية لديهم بشكل متزايد، ولا نملك حلولاً حقيقية”"
حتى البحر بعيد المنال
وبرغم أن شاطئ غزة يمثل المتنفس الطبيعي الوحيد للكثير من العائلات قبل الحرب وبعدها، إلا أن الوصول إليه لم يعد خياراً متاحاً للجميع.
أم سالم تعيش في مخيم المغازي شرق المحافظة الوسطى، توضح أن مجرد التفكير في رحلة عائلية بسيطة إلى البحر أصبح أمراً مرهقاً مادياً.
وتقول: "تكلفة المواصلات وحدها تشكل عبئاً كبيراً على الأسرة، خصوصاً إذا كان عدد الأطفال كبيراً، أحياناً يطلب الأبناء الذهاب إلى البحر لكننا نضطر للاعتذار بسبب الظروف المالية وعدم توفر وسائل مواصلات آمنة ومريحة”.
ويشاركها الرأي الأب سامر، الذي يؤكد أن نسبة كبيرة من الأسر تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة تجعل الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية.
ويقول: "حين يكون دخل الأسرة بالكاد يكفي للطعام والاحتياجات الضرورية، تصبح أي رحلة ترفيهية رفاهية لا يمكن التفكير بها، الأطفال هم أكثر من يدفع الثمن”.
أعباء متراكمة ومعطيات أممية مخيفة
ويحذر مختصون اجتماعيون من أن استمرار الفراغ لدى الأطفال لفترات طويلة، خاصة في بيئة تعاني من الأزمات المتواصلة، قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط النفسية والسلوكية لديهم، ويزيد من مشاعر القلق والعزلة وفقدان الدافعية للتعلم والاندماج الاجتماعي.
ويؤكدون أن الأطفال يحتاجون إلى برامج وأنشطة منظمة ومساحات آمنة للعب والتفاعل، باعتبارها جزءاً أساسياً من حقهم في النمو السليم والدعم النفسي.
وتشير بيانات أممية حديثة إلى أن واقع الطفولة في قطاع غزة يزداد صعوبة. فقد أظهر "التقييم المرتكز على الأطفال في غزة" الذي نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، في مايو 2026 أن الأطفال الصغار يفتقرون إلى البيئات الآمنة والمحفزة الضرورية لنموهم، فيما يواجه الأطفال الأكبر سناً انقطاعاً مطولاً عن التعليم وتراجعاً في فرص النمو والتطور الاجتماعي والنفسي.
وأكدت "يونيسف"، أن غالبية أطفال غزة ما زالوا يعيشون آثار النزوح المتكرر والحرمان من الخدمات الأساسية، بينما تستمر الحاجة إلى توفير مساحات تعليمية وآمنة تساعد الأطفال على التعافي واستعادة جزء من حياتهم الطبيعية.
وفي تقرير آخر، أوضحت يونيسف أن نحو 800 ألف طفل في قطاع غزة ما زالوا يعيشون أوضاع نزوح قاسية، وأن برامج "العودة إلى التعلم" والمساحات الآمنة تبقى من أبرز الاحتياجات الإنسانية للأطفال.
من جانبها، أفادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أنها قدمت مئات آلاف جلسات الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والنازحين خلال الفترة الماضية، في مؤشر على حجم الاحتياجات النفسية المتزايدة لدى الأطفال الذين يعيشون ظروفاً استثنائية ومستمرة.
وبين صعوبة الواقع المعيشي وغياب البدائل الترفيهية، يبقى أطفال غزة أمام صيف جديد يفتقر إلى أبسط مقومات الطفولة الطبيعية، فيما تتواصل مناشدات الأهالي والمؤسسات المجتمعية لتوفير برامج ومساحات آمنة تمنح الأطفال فرصة للعب والتعلم واستعادة جزء من طفولتهم المفقودة.