على بعد كيلومترات قليلة من مدينة القدس المحتلة، تعيش قرية بيت إكسا الفلسطينية واقعاً قاسيا نتيجة حصار صهيوني متواصل يطال تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من حرية الحركة ووصولاً إلى مصادر الرزق الأساسية.
فالقرية الواقعة شمال غربي القدس أصبحت خلال السنوات الماضية واحدة من أكثر التجمعات الفلسطينية عزلة بفعل حواجز الاحتلال العسكرية والجدار الفاصل والمستوطنات المحيطة بها.
وفي التجمعات الرعوية المحاذية للقرية، يقول المواطن فهد أبو داهوك إن السكان يواجهون اعتداءات متكررة تستهدف مقومات بقائهم في الأرض، مشيراً إلى تعرض خطوط المياه للتخريب ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي التي اعتمدوا عليها لعقود طويلة.
وأضاف أبو داهوك: "حياتنا أصبحت سلسلة من المضايقات اليومية. كنا نرعى أغنامنا في هذه التلال بحرية، أما اليوم فالوصول إليها بات محفوفاً بالمخاطر أو ممنوعاً بالكامل".
تضييق على الرعاة ومصادر الدخل
ويعتمد عدد من العائلات في بيت إكسا على تربية الأغنام كمصدر رئيسي للدخل، إلا أن إغلاق مساحات واسعة من الأراضي الرعوية أجبر المربين على الاعتماد على الأعلاف المشتراة، ما رفع تكاليف الإنتاج وأثقل كاهل الأسر الريفية.
ويؤكد السكان أن تقييد الاحتلال الوصول إلى الأراضي الزراعية والمراعي انعكس بشكل مباشر على أوضاعهم الاقتصادية، في ظل محدودية فرص العمل وصعوبة التنقل إلى المدن الفلسطينية المجاورة.
وخلال جولات ميدانية في المنطقة، أفاد سكان بوجود مجموعات من المستوطنين المسلحين في محيط التجمعات السكنية والرعوية، بينما يقول الأهالي إن قوات الاحتلال تتدخل بصورة متكررة في المنطقة، الأمر الذي يزيد من حالة التوتر والخشية لدى السكان.
قرية معزولة بمدخل واحد
وتُعد بيت إكسا من أكثر القرى الفلسطينية عزلة في محافظة القدس. ووفق معطيات المجلس القروي وتقارير حقوقية، يبلغ عدد سكانها نحو ألفي نسمة، ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر حاجز عسكري واحد يتحكم بحركة الدخول والخروج من القرية. وتشير شهادات السكان إلى أن إجراءات التفتيش والإغلاقات المتكررة تؤثر على وصول الطلبة والموظفين والمرضى إلى وجهاتهم.
وكانت منظمات حقوقية قد وثقت منذ سنوات تأثير الحاجز العسكري للاحتلال على الحياة اليومية في القرية، بما في ذلك حركة المعلمين والطلاب والخدمات الأساسية. كما أفادت تقارير بأن القيود المفروضة على القرية تزايدت خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى مزيد من العزلة عن القدس والضفة الغربية.
فجوة كبيرة بين مساحة القرية واستخدامها الفعلي
وتبلغ المساحة التاريخية لبيت إكسا نحو 14,221 دونماً، إلا أن الفلسطينيين لا يستطيعون البناء أو التوسع العمراني إلا في مساحة تقدر بحوالي 650 دونماً فقط، وفق معطيات المجلس القروي. ويرى مسئولون محليون أن هذه القيود تحد من النمو الطبيعي للسكان وتفاقم أزمة السكن داخل القرية.
ويقول رئيس المجلس القروي في تصريحات سابقة لوسائل إعلام محلية إن القرية فقدت أجزاء واسعة من أراضيها نتيجة المصادرات وإقامة المستوطنات والطرق الالتفافية، الأمر الذي حاصر التوسع العمراني والزراعي على حد سواء.
ذاكرة المكان ومسارات الرعي القديمة
ويستذكر كبار السن في بيت إكسا نمط الحياة التقليدي الذي كان يعتمد على التنقل الموسمي بين مناطق القدس والأغوار بحثاً عن المراعي والدفء خلال فصل الشتاء. إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وما رافقها من قيود على الحركة، أنهت إلى حد كبير هذا النمط من الحياة.
ويقول أبو داهوك إن العائلات التي كانت تعتمد على الرعي والتنقل الموسمي اضطرت إلى الاستقرار في مناطق محدودة المساحة، مضيفاً أن "الأرض بالنسبة لنا ليست مجرد مصدر رزق، بل جزء من هويتنا ووجودنا".
تمسك بالبقاء
وبرغم الظروف الصعبة، يؤكد سكان بيت إكسا تمسكهم بالبقاء في قريتهم. ويختصر أبو داهوك هذا الموقف بقوله: "قد نموت هنا، لكننا لن نرحل. سنبقى في أرضنا مهما كانت التحديات".
وتبقى بيت إكسا نموذجاً للواقع الذي تعيشه قرى فلسطينية عدة في محيط القدس، حيث تتداخل تحديات الحركة والوصول إلى الخدمات مع القيود المفروضة على استخدام الأراضي والتوسع العمراني، في مشهد يترك آثاراً مباشرة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للسكان.