يتجه نظام الانقلاب نحو تكريس اعتماده على الغاز الذي استولى عليه الاحتلال الصهيوني من المياه الإقليمية الفلسطينية٬ عبر صفقة جديدة قد تصل قيمتها إلى 20 مليار دولار، بعد توقيع شركتي "إسرامكو النقب 2" الصهيونية و"مبادلة للطاقة تمار" الإماراتية مذكرة تفاهم غير ملزمة لتوريد ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى السوق المصرية.
في وقت يواصل فيه الإنتاج المحلي تسجيل أدنى مستوياته منذ نحو عقد، ما يكرس تحول مصر من دولة كانت تراهن على الاكتفاء الذاتي إلى أحد أكبر مستوردي الغاز من الاحتلال الصهيوني في المنطقة.
وبحسب مجلة "ميس" المتخصصة في شئون الطاقة، فإن الاتفاق المقترح يمتد بين عامي 2031 و2038، مع إمكانية تمديده تلقائيا حتى نهاية عام 2043 في حال جرى تمديد امتياز إنتاج حقل "تمار"، فيما أشارت إفصاحات شركة "إسرامكو" إلى أن الاتفاق لا يزال غير ملزم ويحتاج إلى موافقات تنظيمية ورسمية قبل دخوله حيز التنفيذ.
اتفاق لتوريد 80 مليار متر مكعب
تنص مذكرة التفاهم على تصدير ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المنتج من حقل "تمار" إلى مشتر مصري لم يكشف عن هويته، على أن تبدأ الإمدادات بكميات محدودة قبل زيادتها تدريجيا مع انتهاء العقود الحالية بين الجانبين، وفقا لما أوردته مجلة "ميس" ونقله موقع "إنتربرايز". كما يتضمن الاتفاق خيار التمديد حتى عام 2043 إذا مُدد امتياز الحقل.
وبرغم تداول تقديرات تشير إلى أن قيمة الصفقة تبلغ نحو 20 مليار دولار، فإن الإفصاح الرسمي لشركة "إسرامكو" لم يذكر هذا الرقم بصورة مباشرة، بل أوضح أن حصتها البالغة 28.75 في المائة من الحقل قد تحقق عائدات تصل إلى 5.75 مليارات دولار، بينما استنتجت "ميس" القيمة الإجمالية باحتساب حصص جميع الشركاء.
انضمام الإمارات شرط للصفقة
تمتلك "إسرامكو" 28.75 في المائة من حقل "تمار"، فيما تمتلك "مبادلة للطاقة تمار" الإماراتية 11 في المائة، أي ما مجموعه 39.75 في المائة من الحقل.
لكن تنفيذ الاتفاق بكامل طاقته يتطلب انضمام بقية الشركاء، وعلى رأسهم شركة "شيفرون" الأمريكية، المشغل الرئيسي للحقل، إضافة إلى "تمار بتروليوم"، و"تمار إنفستمنت"، و"دور لاستكشاف الغاز"، و"يونيون إنرجي آند سيستمز". وفي حال رفض بعض الشركاء الانضمام، ستقتصر الكميات الموردة على حصص الشركات الموقعة فقط.
تشير المعلومات المنشورة إلى أن سعر الغاز سيُحدد وفقا لمعادلة مرتبطة بخام برنت العالمي، مع وضع حد أدنى للأسعار لحماية المستثمرين.
كما يتضمن الاتفاق بند "الدفع أو الاستلام" (Take or Pay)، الذي يُلزم الطرف المصري بسداد قيمة الحد الأدنى من الكميات المتفق عليها حتى في حال عدم استلامها فعليا.
وتقدر مجلة "ميس" متوسط سعر الغاز خلال مدة الاتفاق بنحو سبعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أعلى من متوسط الأسعار التي دفعتها مصر خلال السنوات الأخيرة.
أبو ظبي بين تل أبيب والقاهرة
واكتشف حقل تمار عام 2009، ويقع على بعد نحو 90 كيلومترا غرب مدينة حيفا، في مياه يصل عمقها إلى نحو 1700 متر. وبدأ الإنتاج التجاري من الحقل عام 2013، حيث يزود سوق الاحتلال بمعظم إنتاجه، فيما تصدر كميات إضافية من الغاز إلى كل من مصر والأردن.
ويجري استخراج الغاز من خلال خمسة آبار إنتاج، ينقل عبر خطي أنابيب بطول يقارب 140 كيلومترا إلى منصة "تمار" البحرية، حيث تتم عمليات المعالجة الرئيسية، قبل ضخه إلى محطة أشدود البرية ومن ثم إلى شبكة الغاز الإسرائيلية، مع توجيه جزء من الإنتاج للتصدير إلى مصر والأردن.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية للحقل نحو 11 مليار متر مكعب، فيما تقدر احتياطياته المتبقية بنحو 300 مليار متر مكعب (ما يعادل 10.48 تريليون قدم مكعب)، ويتميز بإنتاج غاز "جاف وحلو" لا يحتاج إلى عمليات معالجة معقدة قبل ضخه إلى المستهلكين.
وفي مصر، تمتلك مبادلة للطاقة الإماراتية استثمارات مباشرة في قطاع الغاز، أبرزها حصة تبلغ 10% في امتياز شروق الذي يضم حقل ظهر العملاق، وتديره شركة إيني الإيطالية، إضافة إلى حصة 20% في امتياز نور البحري المخصص لأعمال الاستكشاف والتنقيب شمال سيناء.
تراجع إنتاج الغاز المصري
تأتي الصفقة في وقت تواجه فيه مصر تراجعا حادا في إنتاجها المحلي من الغاز الطبيعي. وتظهر بيانات منصة "جودي" الدولية المعنية بتعزيز شفافية البيانات وموثوقيتها في أسواق الطاقة العالمية٬ أن الإنتاج المصري بلغ في مايو الماضي نحو 3.281 مليارات متر مكعب، وهو أدنى مستوى يسجل منذ شباط/فبراير 2016.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات بصورة كبيرة، إذ أصبحت تمثل أكثر من 70 في المائة من حجم الإنتاج المحلي، مقارنة بنسبة لم تتجاوز 14 في المائة قبل نحو عشر سنوات، في ظل تزايد الطلب المحلي على الكهرباء والطاقة.
ودفع هذا التراجع نظام الانقلاب إلى توسيع اعتماده على غاز الاحتلال للحفاظ على تشغيل محطات الكهرباء والإسالة، فضلا عن استمرار دورها كمركز إقليمي لإعادة تصدير الغاز.
خامس اتفاقية غاز بين نظام الانقلاب والاحتلال
في حال إتمام الصفقة الحالية، ستكون خامس اتفاقية كبرى بين نظام الانقلاب والاحتلال الصهيوني منذ بدء التعاون الفعلي في قطاع الغاز عام 2018.
فيما يلي تسلسل اتفاقيات الغاز بين مصر والاحتلال منذ بدء الشراكة الفعلية وحتى الاتفاق الخامس الجديد، مع أبرز التفاصيل والأرقام:
الأول: فبراير 2018 – بداية الشراكة
كان هذا أول عقد لتوريد الغاز من العدو الصهيوني إلى نظام الانقلاب بعد سنوات من توقف العلاقات في هذا المجال.
وجرى توقيع الاتفاقية مع شركة "دولفينوس القابضة" المصرية، ونصت على تصدير نحو 32 مليار متر مكعب من الغاز من حقلي تمار وليفياثان، بقيمة قدرت بنحو 7.5 مليارات دولار، ولمدة عشر سنوات.
واعتبرت الاتفاقية آنذاك نقطة تحول في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، إذ مهدت لاستئناف تدفق الغاز من العدو الصهيوني إلى السوق المصرية بعد توقفه إبان ثورة 25 يناير 2011.
الثاني: أكتوبر 2019 – تعديل وتوسيع العقد
جرى تعديل الاتفاق الأول بعد دخول حقل ليفياثان مرحلة الإنتاج التجاري، حيث رفعت الكميات الموردة إلى نحو 85.3 مليار متر مكعب على مدار 15 عاما، بقيمة إجمالية قاربت 19.5 مليار دولار.
وشمل الاتفاق الجديد: (زيادة الاعتماد على غاز حقل ليفياثان - تخفيض حصة حقل تمار إلى نحو 25.3 مليار متر مكعب - بدء الضخ التجاري الفعلي خلال عام 2020).
وأكدت الشركات حينها أن الاتفاق يهدف إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة وإسالة الغاز في شرق المتوسط.
الثالث: فبراير2024 – توسعة صادرات حقل تمار
وقع شركاء حقل تمار اتفاقية جديدة منفصلة مع نظام الانقلاب لتوريد 43 مليار متر مكعب إضافية من الغاز على مدى عشر سنوات.
وربطت الاتفاقية زيادة الصادرات باستكمال مشاريع البنية التحتية، وفي مقدمتها: (تشغيل خط نيتسانا البري - تشغيل خط الأنابيب البحري بين أشدود وعسقلان). واعتبرت الاتفاقية خطوة إضافية لتعويض تراجع إنتاج الغاز المصري.
الرابع: أغسطس سبتمبر 2025 – الصفقة الكبرى مع ليفياثان
أعلنت حكومة الاحتلال موافقتها على أكبر صفقة غاز في تاريخها، إذ وافق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على اتفاقية بقيمة 35 مليار دولار لتصدير غاز حقل ليفياثان إلى مصر.
وتضمنت الصفقة: (تصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز -استمرار الإمدادات حتى عام 2040).
وتنفيذها على مرحلتين، الأولى تبدأ مطلع 2026، والثانية بعد توسعة الحقل وزيادة طاقته الإنتاجية.
ووصف وزير الطاقة الصهيوني الاتفاق بأنه "أكبر صفقة طاقة في تاريخ إسرائيل".
الخامس: يوليو 2026 – مذكرة تفاهم جديدة مع حقل تمار
يمثل الاتفاق الجديد خامس اتفاقية رئيسية بين الجانبين، إذ وقعت شركتا "إسرامكو النقب 2" الصهيونية و"مبادلة للطاقة تمار" الإماراتية، التابعة لحكومة أبوظبي، مذكرة تفاهم غير ملزمة مع مشتر مصري لم يكشف عن هويته.
وتتضمن المذكرة: (تصدير ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من الغاز - قيمة محتملة تصل إلى 20 مليار دولار - مدة التوريد من عام 2031 حتى 2038). مع إمكانية التمديد تلقائيا حتى عام 2043 إذا جرى تمديد امتياز إنتاج حقل تمار.
ووفقا لمجلة "ميس" المتخصصة في شئون الطاقة، فإن هذه القيمة الإجمالية مشروطة بانضمام جميع شركاء حقل تمار إلى الاتفاق، إذ إن الشركتين الموقعتين تمتلكان معا 39.75% فقط من الحقل.
موافقات رسمية وعقبات تنظيمية
وبرغم التوصل إلى مذكرة التفاهم، فإن تنفيذها لا يزال مرهونا بعدة شروط، أبرزها موافقة جميع شركاء الحقل، والحصول على تراخيص التصدير من وزارة الطاقة الصهيونية والجهات التنظيمية المختصة في كل من كيان الاحتلال ونظام الانقلاب.
كما أوضحت "إسرامكو" أن مذكرة التفاهم الحالية تمتد لشهرين فقط، وتنتهي تلقائيا إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي ملزم أو تمديدها باتفاق الطرفين.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن الموافقات النهائية قد تتأثر أيضا بالاستحقاقات السياسية داخل الاحتلال الصهيوني، وفي مقدمتها الانتخابات البرلمانية المقبلة، إلى جانب مراجعات حكومة الاحتلال لسياسة موازنة الصادرات مع احتياجات السوق المحلية.
وبينما يواصل نظام الانقلاب البحث عن حلول لتغطية الاحتياجات المتزايدة من الطاقة، يبدو أن عقود الغاز مع الاحتلال أصبحت تمثل أحد الأعمدة الرئيسية لاستراتيجية الطاقة لدى قائد الانقلاب خلال العقدين المقبلين، في ظل استمرار تراجع الإنتاج المحلي وعدم ظهور اكتشافات قادرة على سد الفجوة الحالية.