وصلت المعارك بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع إلى ذروتها في ولاية شمال كردفان جنوب وسط السودان أخيراً، وذلك عقب عمليات عسكرية متواصلة بدأها الجيش السبت الماضي، مدعوماً بمجموعات كبيرة من القوات المساندة له. وأسفرت هذه التطورات عن سيطرة الجيش على عدد من المناطق التي كانت تحت قبضة الدعم السريع وعلى رأسها مدينة بارا الاستراتيجية وخمس بلدات أخرى، بجانب إحكام سيطرته على الطريق الحيوي الرابط بين العاصمة الخرطوم ومدينة الأُبيّض عاصمة الولاية. وردت الدعم السريع بتوجيه قواتها باستخدام كل ما يلزم لوقف تقدم الجيش، ما دفع مراقبين للتحذير من موجة جرائم وانتهاكات متوقعة بحق المدنيين في السودان الذين ما زالوا عالقين في عدد من مدن الولاية وقراها.
ظروف تقدم الجيش السوداني
وجاء تقدم الجيش الأخير في جبهة شمال كردفان، عقب عمليات عسكرية بدأها الشهر الماضي ضد تجمعات سيطرة الدعم السريع ومناطقها، والتي سعت إلى محاصرة مدينة الأُبيّض عاصمة الولاية ومهاجمة عدد من المناطق حولها. وتمكن الجيش والقوات المساندة له من السيطرة على مدينة بارا، وبلدات أم سيالة، وجبرة الشيخ، وأم قرفة. وخلال هجوم الجيش وسيطرته على هذه المناطق حاولت الدعم السريع شن هجوم مضاد بقوات برية وطائرات مسيرة، لكنها فشلت في وقف تقدم قوات الجيش التي سيطرت على كامل طريق الصادرات، وهو الطريق الأكثر أهمية الذي يربط ولاية شمال كردفان بالعاصمة الخرطوم من الاتجاه الغربي.
واحتفالاً بهذه الانتصارات وصل رئيس مجلس السيادة القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، على متن مروحية عسكرية برفقة حاكم إقليم دارفور رئيس حركة تحرير السودان المساندة للجيش، مني أركو مناوي، وهما بالزي العسكري الى بلدتي أم سيالة وجبرة الشيخ، أمس الاثنين، وتجولا برفقة قادة عسكريين آخرين وسط الجنود وتفقدوا ما تم الحصول عليه من مركبات عسكرية وأسلحة خلال المعارك.
في السياق، أفاد مصدر عسكري في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، بأن الجيش عثر في بعض المناطق التي حررها أخيراً على كميات كبيرة من صناديق الذخائر والأسلحة الثقيلة وأجهزة التشويش، إلى جانب مواد تموينية وإطارات سيارات ودراجات نارية، خصوصاً في منطقة جبرة الشيخ، التي كانت الدعم السريع تتخذها منطقة إمداد رئيسي لقواتها في شمال كردفان. وأضاف المصدر أن مجموعات صغيرة من الدعم السريع حاولت التحرك بالقرب من المناطق التي استردها الجيش، أمس الاثنين، لكن الجيش قضى عليها ونفذ عمليات تمشيط واسعة في اتجاهات مختلفة، خصوصاً شرق طريق الصادرات الذي يربط الخرطوم بمدينة الأُبيّض وشماله وغربه. وكشف المصدر عن هجمات جوية شنها الجيش أمس الاثنين واليوم الثلاثاء، على تجمعات للدعم السريع في مناطق المزروب وسودري، ومناطق أخرى بشمال كردفان بجانب عمليات تمشيط متواصلة. وأكد أن العمليات الأخيرة مثلت ضربة قاصمة للدعم السريع، وفقدت خلالها بعض القادة المؤثرين الذين كان لهم دور بارز في العمليات بكردفان مثل القائد الميداني الحاج حسين البوص.
الحرب تحرق عائدات الذهب السودانى: التهريب يتفاقم
وبعد هذه الهزائم، وجه قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" في تصريح مصور، عقب اجتماع مع مسؤولي حكومته الموازية في مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، أمس الاثنين، قواته بتغيير ما وصفها باللعبة، وتعديل طريقتهم في المعارك وتلقين العدو درساً. وطالب مقاتليه بايقاف التصوير لغير المسموح لهم بذلك، والتعامل مع كل من يخالف باعتباره "طابوراً خامساً" بسبب منحهم "العدو معلومات مجانية".
وأضاف حميدتي مخاطباً قواته: "من اليوم لا يوجد نوم، نكون أو لا نكون، والرسن عندكم كله من الآن وصاعداً، وللأمام فقط ولا تقاعس". وتابع: "كنا نهادن لأننا لسنا ضد السلام بل مع السلام والاستقرار وأمن المواطن، ولكن كانوا يخدروننا ويطلقون الرسن للآخرين"، في إشارة الى الوساطات التي تطالبه بوقف الهجمات ولا تفعل ذلك مع الطرف الآخر، حسب حديثه، داعياً مقاتليه في الوقت نفسه إلى الالتزام بالقواعد العسكرية والقوانين وحماية المدنيين.
ووسط هذا التصعيد في السودان شنّت مليشيا الدعم السريع يوم الأحد وأمس الاثنين، هجمات بطائرة مسيرة استهدفت البنك الزراعي بمدينة الأُبيّض في ولاية شمال كردفان، وخلّفت دماراً وأضراراً في المبنى. كما هاجمت طائرة أخرى دار المحامين بالأُبيّض، وأثارت هذه الهجمات هلع المواطنين ومخاوفهم، خصوصاً أنها جاءت عقب هدوء في الشهر الحالي مقارنة بشهر يونيو الماضي، الذي شهد هجمات مكثفة بالمسيرات على المدينة. وأعربت مجموعة "محامو الطوارئ" الحقوقية السودانية في بيان، اليوم الثلاثاء، عن قلقها من هجمات جوية قالت إنها استهدفت المدنيين والأعيان المدنية في ولاية شمال كردفان، خلال الفترة من 24 إلى 26 يوليو/تموز الحالي. وأضافت أن طائرة مسيّرة استهدفت في 24 يوليو الحالي محطة المياه بقرية أم نبقا مر في منطقة رهيد النوبة، وفي 25 يوليو، استهدفت طائرة مسيّرة مركبة مدنية في منطقة أمندرابة، ما أسفر عن مقتل شخصين، كما استهدفت طائرة مسيّرة محطة للمياه في 26 يوليو، إلى جانب المركز الصحي والمدرسة بقرية الشعطوط في بلدة جبرة الشيخ. وأفادت المجموعة بأنه في اليوم نفسه قصفت طائرة من طراز "أنتونوف" عربة مدنية تحمل الوقود في مدينة أم بادر، ما أدى إلى مقتل العشرات من المدنيين.
وأشارت المجموعة إلى أن هذه الهجمات تأتي بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية في شمال كردفان، حيث تعاني مناطق واسعة من حصار ممتد، وشح في المساعدات الإنسانية، وانهيار للخدمات الأساسية. ولفتت إلى أن تصاعد استهداف التجمعات المدنية، ومصادر المياه، والمركبات المدنية، والماشية والدواب في مجتمعات تعتمد على الرعي، أدى إلى موجات نزوح جديدة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، والإضرار بالأمن الغذائي وسبل العيش. وكانت شبكة أطباء السودان، قد ذكرت في بيان، أمس الاثنين، أن استعادة الجيش السيطرة على بلدة جبرة الشيخ، كشفت حجم الدمار الكبير الذي لحق بالمستشفى وتحويله إلى مقر لقيادة العمليات العسكرية خلال فترة سيطرة الدعم السريع، ما أدى إلى خروجه الكامل عن الخدمة وحرمان آلاف المدنيين من الرعاية الصحية.
في السياق، قال المحامي عثمان صالح، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إنه عقب المعارك الأخيرة في نواحي بارا وما جاورها، حذر الجيش الذي أحرز تقدماً في المنطقة المواطنين من الاقتراب من أماكن وجود قوات الدعم السريع. كما أصدر قائد الدعم السريع تصريحاً شفهياً بخصوص هذه المعارك. وحذّر صالح من أن هذه الأحاديث التي صدرت عقب المعارك الأخيرة سيدفع عواقبها المواطن المغلوب على أمره في السودان بسبب الحرب، مضيفاً أن طلب الجيش من المواطنين عدم الاقتراب من أماكن ارتكازات الدعم السريع الثابتة والمتحركة، وأيضاً وجودها في الأماكن المخفية يكون قد يصبح مبرراً لإرتكاب المزيد من الانتهاكات في مواجهة المدنيين. ولفت إلى أنه في التوقيت نفسه أصدر قائد الدعم السريع تصريحاً أعلن فيه إطلاق الرسن لقواته، وهذا التصريح يعني أن عناصر المليشيا تم التصريح لهم أن يفعلوا ما يشاؤون، وأن المواطن سيكون الضحية الأولى لهذا التصريح الذي وصفه بغير المسئول من حميدتي. واعتبر صالح أن هذه الحرب وخلال أكثر من ثلاث سنوات دفع ثمنها المواطن المغلوب على أمره قتلاً وتشريداً وإختفاءً ولجوءاً ومرضاً وجوعاً، ولفت الى ان تصريحات طرفي الحرب تستهدف المواطن وتحذر المواطنين من أشياء هم ليسوا فيها طرفاً.
موجة انتهاكات متوقعة في السودان قريباً؟
من جانبه حذر الباحث في الشئون السياسية والاجتماعية أبو القاسم إبراهيم، من موجة انتهاكات متوقعة في السودان عقب تصريحات قائد الدعم السريع، وتوجيه أفراد مليشياته بالتقدم إلى الأمام مع إطلاق ما وصفه بالرسن لها لصد تقدم الجيش. وأضاف إبراهيم في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن حميدتي وجه في حديثه المقاتلين بحماية المدنيين، وهو يعلم تماماً أن قواته ارتكبت وما زالت ترتكب الانتهاكات بصورة يومية بحق المدنيين، ولكن حديثه في هذه النقطة يهدف من خلاله إلى إبعاد أي اتهامات بارتكاب انتهاكات قد تحدث خلال هذه الحملة، التي أطلقها لقواته لوقف التقدم المتسارع للجيش. ولفت إبراهيم إلى أن الدعم السريع لم تعد قادرة على وقف تقدم الجيش ميدانياً، لذلك من المتوقع أن تلجأ للطائرات المسيرة لاستهداف المدن والقرى التي استعادها الجيش أخيراً، وأيضاً المدن الأخرى، مثل الخرطوم والأُبيّض، وربما ولاية النيل الأبيض القريبة من شمال كردفان، خصوصاً أن الدعم السريع كثيراً ما لجأت لاستراتيجية "الأرض المحروقة" في مواجهة تقدم الجيش، وقد فعلت ذلك من قبل في ولايات الجزيرة وشمال دارفور والخرطوم والنيل الأبيض.