- هاجس "الدكتور والباشمهندس" أزمة أهل القمة
- الطلاب: نحتاج لمساحة من الاختيار لأنه مستقبلنا
- الخبراء: الآباء يريدون تحقيق أحلامهم عن طريق أبنائهم
تحقيق- روضة عبد الحميد
بدأ طلاب الثانوية العامة في التقدم برغباتهم إلى مكاتب التنسيق عن طريق التنسيق الإلكتروني الذي بدأ عمله هذا العام، ورغم الفرحة داخل أُسَر الطلاب نتيجة نجاحهم، إلا أن هناك مشكلةً متكررةً كل عام بين عدد كبير من الطلاب وآبائهم حول ترتيب الرغبات، وماذا يدخل الطالب المتفوِّق، هل الطب أم الهندسة؟ فالأب يريد الطب لأنها كلية القمة الأولى، والابن يجد ميولَه إعلاميةً أو تجاريةً، ولا يريد أن يورِّط نفسه في دراسة 7 سنوات وفي النهاية سيتركها.
والمشكلة بلا شكٍ ليست في كلية الطب أو غيرها، وإنما في تضارب الرغبات بين الآباء والأبناء، فالآباء يريدون أبناءهم في كليات القمة بأي شكل، خاصةً إذا كانوا من أصحاب المجاميع الكبيرة، وحتى مع أصحاب المجاميع الصغيرة، فكثيرًا ما تدبّ الخلافات بينهما حول تحديد المصير، وفي النهاية يرى كل طرف أنه صاحب الحق في تحديد المصير، فالآباء يرون أنهم الأقدرُ على تحديد مستقبل أبنائهم، والأبناء يرَون أنهم يعرفون قدراتهم أكثر من غيرهم، وفي كلا الأحوال هي مشكلة متكررة كل عام.
وعندما التقينا مع محمد عادل- حاصل على 99.3%- سألناه: هل هناك مشكلة في تحديد الكلية التي ستتقدم إليها؟ قال: في البداية كان والدي يريد أن أدخل كلية هندسة البترول جامعة قناة السويس؛ باعتبار أن مجموعي كبير، وأنا أريد أن أدخل كلية هندسة القاهرة شعبة مدني؛ حيث أجد نفسي فيها أكثر، وبعد نقاش ساخن منذ إعلان النتيجة اقتنع بوجهة نظري بأن أدخل ما أميل إليه حتى أواصل تفوقي.
إلا أن الوضع اختلف مع محمد سمير، وهو الآن طالب في كلية الطب، وكان حاصلاً على مجموع 99% العام الماضي، وكان يريد الالتحاق بكلية الإعلام، وبعد نقاش ساخن مع والده انتهى إلى الالتحاق بالطب، وأضاف أنه انصاغ لرغبة والده، ولكنه يعلم في النهاية أنه لا يحب ممارسة مهنة الطب.
![]() |
|
حتى أوائل الثانوية يرغمون على تحقيق رغبات أولياء الأمور! |
أما علية محسن فهي طالبة في كلية الحقوق، ووالدها محامٍ مشهور، مجموعها لم يكن كبيرًا مثل أوائل الثانوية العامة، ولكنه كان يؤهِّلها للالتحاق بكلية الآداب التي تحبُّها علية، والتي رَوَت لنا كيف مارَسَ عليها والدها ضغوطًا للالتحاق بالحقوق حتى تعمل معه بعد تخرجها وتكون مسئولةً عن مكتبه بعد عمر طويل.
في المقابل أصرَّت دينا سيد عاشور على رغبتها في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، رغم أن مجموعها كان يؤهِّلها للالتحاق بكلية الهندسة، وقالت إنه وقتَ تقديمِها للتنسيق دارَ جدالٌ كبيرٌ بينها وبين والدها ووالدتها، وبعد تدخُّل العديد من الأقارب والمعارف وافق والدها على رغبتها بعد أن وجدها مصرَّةً عليها.
وتحكي لنا آية علاء قصتَها الطويلة مع "الإرغام" الذي قذفها إلى كلية الطب، وأضاع من عمرها ثلاث سنوات، تبدأ قصتها حين حصلت على الثانوية من المدرسة العراقية في ماليزيا؛ حيث كان والدها يعمل هناك، وهي الشهادة التي كانت تُتيح لها فرصةَ الالتحاق بإحدى كليات القمة في مصر، كما حصلت على الثانوية البريطانية، وهو ما جعل لغتها الإنجليزية ممتازة، وكانت تنوي دخول كلية الإعلام بماليزيا، وبالفعل قدمت أوراقها وقُبِلَت، إلا أن توأمتها قدمت أوراقها في كلية الطب بمصر، وأخذت الأم تقنعها بالعودة لمصر، وأن تفعل مثل أختها.
وأمام هذه الضغوط وافقت آية، على أمل أن تكون أولى رغباتها هي كلية الإعلام أو الاقتصاد والعلوم السياسية أو كلية الألسن، إلا أن الأم ألحَّت عليها في أن تدخل كلية الطب مثل أختها، ودخلت بالفعل كلية الطب جامعة طنطا، ودخلت أختها طب عين شمس، وعانت كلتاهما في المدينة الجامعية، ورسبتا في هذا العام، ثم نجحتا في الإعادة، وفي العام التالي قرَّرت آية مواجهة أمها وعاودتها أحلامها القديمة في كلية الإعلام، وكان صعبًا على الأم تقبُّل الأمر، خصوصًا أنها كانت ترسم وتخطِّط لابنتها أن تصبح طبيبة باطني، وتخترع دواءً للكبد وتقوم بمعالجتها، وعندما وجد الأب ابنته كارهةً لتعلم الطب وأن مستقبلها مهدَّدٌ بالضياع وافق على طلبها.
وترى آية أن المشكلة هي أن الآباء لديهم أحلام وخطط يريدون تحقيقَها عن طريق أبنائهم، وعندما يُبدي الأبناء شيئًا من التمرُّد تكون المسألة أقرب للصدمة لهم، ويصعب عليهم التقبُّل، وتضيف أنها عندما كان تقول لوالدها: أتمنَّى أن أمارس هواية الرسم ويقام لي معارض عالمية.. كان يرد عليها تلقائيًّا "لا.. ليست هذه تصوراتي لك".
الميول
ترى ماذا يختار الطلاب؟!

محمد رفعت (طالب بالفرقة الثانية في كلية الإعلام أيضًا)، وقد دخل الثانوية العامة بالقسم العلمي- رياضة؛ تحاشيًا لكليات العلوم، ثم دخل كلية الهندسة بدافعٍ من المجتمع الذي يَعتبر أن الدكتور والمهندس هما قمة الألقاب لصفوة المجتمع، وما دون ذلك هما قاع المجتمع، خصوصًا أن والده مهندس، ثم نجح رفعت في العام الأول بتقدير مقبول في جميع المواد، وفي العام التالي رسب في كل المواد عدا مادة واحده، وخلال هذين العامَين بدأت ميولُه تتجه للعمل الإعلامي، فقرَّر أن يقوم بالتحويل إلى كلية الإعلام، وهو ما صدم أهله، لدرجة أنهم قالوا له: "إزاي بعد مكان بيتقال لك يا بشمهندس هيتقال لك يا أستاذ؟!".
إلا أنهم لم يجبروه أو يضغطوا عليه، ولكن حاولوا مناقشته حتى آخر لحظة، ودخل رفعت كلية الإعلام، وكانت المفاجأة أنه نجح واحتل المركز الثاني على دفعته، وكان تقديره "امتياز" في كل المواد، وهو ما جعل أهله يعترفون أنه أحسن الاختيار.
البداية من الثانوي
أما حسين عبد الوهاب فقد أرغمه والده مستغلاًّ حبَّه له على أن يدخل القسم العلمي، على عكس ميوله التي كانت تتجه نحو الأدبي؛ حتى يلتحق بكلية الهندسة، ولكنه رسب في السنة الأولى في مادة الكيمياء، فضلاً عن مجموعه الضعيف؛ مما اضطَّرَّه لإعادة السنة تحت ضغط والده، واستمر هذا الوضع ثلاث سنوات متتالية، حتى مات والده، فدخل حسين معهد فوق المتوسط، وحصل على مجموع يؤهله لدخول كلية التجارة، ويبدي حسين ندمه على سلبيته واستسلامه لرغبة والده.
مطاردة الأحلام
أما عمرو مجدي فكان يهوَى العمل الإعلامي والسياسي منذ نشأته، وكان يحلم بدخول كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وبعد ظهور نتيجة الثانوية العامة وحصوله على مجموع كبير، ألحَّ عليه والداه أن يدخل الطب واستخدَمَا أسلوب الضغط المعنوي، مثل "خسارة المجموع ده"، "ومحدش يجيب 98% ويسيب طبّ عشان سياسية واقتصاد"، "اقتصاد وعلوم سياسية ليس لها مستقبل"، "هتطلع تقعد على القهوة ومش هتلاقي شغل"!! ومع قلة الخبرة قَبِل عمرو دون مقاومةٍ كبيرة منه أن يدخل كلية الطب.
ويقول عمرو: أنا عادةً لا أكره أيَّ علم، لكني أحب شيئًا آخر، فأنا لا أرى نفسي طبيبًا ولكن عندي رغبة وطموح في التفوق في أي مكان أكون فيه، حتى لو كان كلية صرف صحي، فأنا لا أحب الفشل؛ ولذا كنت دائمًا أحصل على ترتيب متقدم على الدفعة.
ويقول عمرو إنه أجَّل فكرة التحويل من الكلية حتى السنة الرابعة عندما نصحَه أحد زملائه بأن ينتظر حتى يدرس الطب الإكلينيكال ويكتشف حقيقة ميوله الفعلية نحو الطب، ووجد أنه لم يقدر أن يحبه، ولكن كان الوقت قد مضى ويصعب أن يحوِّل لكلية أخرى، ويلخِّص عمرو خطأه بأنه لم يكن لديه الشجاعة الكافية لاتخاذ قرار التحويل في أي لحظة من اللحظات، خاصةً أنه لم يفكِّر فيه إلا بعد السنة الثالثة.
صراع الأجيال
من جانبه يرى د. حامد الهادي- أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق- أن قضية الميول والرغبات واختيار المستقبل تندرج تحت مسمَّى "صراع الأجيال والتحولات الاجتماعية"؛ فالقضية تكمن في أن الآباء ما زالوا ينظرون من منظورَين: الأول هو أن ما لم يحققوه بأنفسهم يحاولون أن يسندوا مهمته التي أخفقوا فيها إلى أبنائهم، ويريدون من أبنائهم تكييف أوضاعهم على ذلك، فيكون هدفه أن ينجح ابنه فيما فشل فيه، أما النظرة الثانية فيريد فيها الأب من الابن أن يتتبَّعه في نفس نجاحه؛ حيث دخل الأب مجالاً ونجح فيه، فيسعى لتوريث نفس النجاح للابن.
ويشير الهادي إلى أن الواقع الاجتماعي الذي يعيش الأبناء فيه يختلف عن الذي كان يعيشه الآباء، فالواقع الذي أفرز مهندسًا ليعمل بالسد العالي- والذي كان أقصى طموح للشباب قديمًا- يختلف اليوم في ظل أوضاع اجتماعية تغيَّرت، مضيفًا أن رؤية الآباء أيضًا محدودة مقارنةً برؤية الأبناء في الوضع الحالي، فالشباب يستهدف مجالات التجارة والاتصالات وبيع الخدمات وغيرها، وهي الأنشطة التي تدرُّ دخلاً أعلى من أيِّ دخل لمدير أو وكيل وزارة.
كما أن هناك تباينًا ثقافيًّا؛ حيث يتطلع الآباء للوظائف التقليدية والرسمية، بينما يتطلَّع الأبناء للوظائف غير التقليدية، فجيل الآباء لا يعترف بسوق العمل في القطاع غير الرسمي، فالأب يرغب في الوظيفة التي لها معاش، وغالبًا يكون العائد ضعيفًا والجهد المطلوب فيها كبيرًا، بينما الأبناء يلجأون الآن للوظائف المربحة المدرَّة عوائدَ سريعةً، بغض النظر عن الأمان.
خطأ الإجبار
د. شحاتة محروس

ويوضح الدكتور شحاتة محروس طه- أستاذ علم النفس التربوي بجامعة حلوان- أمرين، لا ينبغي أن يتم الإجبار فيهما على وجه الخصوص، وهما الزوجة والكلية التي تؤهِّل للدخول في مجتمع العمل فيما بعد، مؤكدًا أن الإجبار في ذلك خطأ كبير، ويؤثِّر في شخصية الابن منذ البداية كطفل؛ حيث يسبِّب مسخًا لشخصيته، ففي مجتمعاتنا حين يشتري الآباء للطفل ألعابًا يجبرونه على أن يلعب بطريقتهم هم، وليس كما يرغب هو!!
كما أن الابن لا يتربَّى على الاعتماد على النفس والاستقلالية، في ظل آباء لا يعطونه فرصةً للتفكير، وحتى لو فكَّر، يقوم الأب بإجباره على رأيه هو، والآباء لا يدركون أن المراهق قد يرسب "خصِّيصًا" عنادًا للأب والأم اللذين أجبراه على اختيار دراسة لا يحبها، وكل مراهق له طريقة في الانتقام، فمسألة الإجبار لا تصح.
وأكد محروس أنه لا أحدَ يشكِّك في نية أولياء الأمور، وأنهم يرغبون في نجاح أولادهم بأقصى درجة، ويريدونهم أن يكونوا أكثر نجاحًا منهم وتفوقًا، وإنما المشكلة هي كيف؟ وهو المهم، فالآباء يخططون ويرفضون تخطيط الأبناء، في حين أنه لا بد أن يعيش المراهق كما يفكر هو ويخطط، ولكن بإرشادٍ ونصحٍ وتوجيهٍ من الأب والأم، فيجب أن نتركهم يفكِّرون ثم نناقشهم ونبيِّن لهم مخاطر كل اختيار، ولو أصرَّ الابن على اختيار معين بعد أن بيَّنا له مخاطره نتركه يتحمل المسؤلية.
وأشار محروس إلى أن المشكلة هي أن الآباء لم يتخلَّصوا بعدُ من عقدة كليات القمة التي تلفظ الآلاف سنويًّا، ويعانون البطالة، فعقدة الطبيب والمهندس ما زالت مسيطرةً عليهم.
