تحتل الجامعة مكانةً متميزةً في منظومة التعليم في أي دولة في العالم، بل هي تبلغ ذروة سنام أي منظومة تعليمية، وبعيدًا عن الدور التعليمي فإن الجامعة تلعب دورًا كبيرًا في حياة أي مجتمع، وخصوصًا الشباب الذين ينتمون إليها، فدائمًا ما توصف السنوات التي يقضيها الطلاب بالجامعة بأنها أفضل سنوات العمر، وأن الشبابَ يتعلمون بالجامعة- بالإضافة للعلم الذي يدرسه بكليته- علمَ الحياة وفنَ التعامل مع البشر، وتكوينَ الصداقات، وهذه المميزات تضيفها الجامعة بسبب جوِّها المفتوح، وقيودها شبه المنعدمة.

 

الجامعة طوال ثمانية شهور- شهور الدراسة- تكون عبارةً عن خلية نحل، فبين طالب يتلقَّى محاضرةً، وآخر يقوم بإعداد أحد الأبحاث في المكتبة، وآخر يتناول أحد المشروبات بالكافتيريا، وآخر يتحدث مع أصحابه، أو مَن يمارس هوايته مع أفراد أحد الأُسَر بالجامعة، وهو ما يجعل من الجامعة طوال شهور الدراسة مكانًا يعجُّ بالشباب والطلبة.

 

وهنا برز تساؤل مهم: كيف حال الجامعة في الصيف؟ وكيف يتم استغلال إمكانياتها الضخمة من مبانٍ وتجهيزاتٍ وغيرها طوال 4 شهور هي شهور الصيف؟! وما هو دورها مع الشباب في الصيف؟!

 

الجامعة مزدحمة بالطلاب
 
للوهلة الأولى تظهر الجامعة وهي مكتظةٌ بالطلبة، وكأننا في موسم الدراسة تمامًا لا فرق، فالطلاب في كل مكان، والكافيتريات تفتح أبوابها على مصاريعها.

 

الطلبة الموجودون في الجامعة يمكن تقسيمهم إلى قسمين أساسيين: القسم الأول هم الطلبة الذين أَنْهَوا مرحلة التعليم الثانوي ويستعدون للانتقال إلى الجامعة، وهم غالبًا ما يذهبون للجامعة.. إما لاستكشافها، أو يذهبون إلى الجامعة لإنهاء أوراق التنسيق والقبول.

 

أما القسم الآخر من الطلبة فهم طلاب الجامعة أنفسهم، والذين يوجدون لأغراض عديدة، فمنهم من أتى ليقابل أصدقاءه، ومنهم من أتى ليتلقَّى إحدى الدورات التدريبية التي تقيمها إحدى الكليات بالجامعة، إلى غير ذلك من الأغراض.

 

كريم مجدي- طالب أنهى تعليمه الثانوي ويستعد للانتقال للجامعة- يقول: ذهبت إلى الجامعة في الفترة الماضية لاستكشاف عالَمِي الجديد، فالجامعة كما رأيت تختلف تمامًا عن المدرسة، ولفت نظري تجمعات الشباب وأحاديثهم والكافتيريات والمباني الضخمة.

 

أما هاني السيد- الطالب بكلية الآداب- فيقول: إنه جاء إلى الجامعة في الصيف لمقابلة الأصدقاء والزملاء، فنحن تعرَّفنا على بعضنا البعض بالجامعة، ولا يوجد مكان آخر يجمعنا سوى هنا.

 

مكتبات خاوية

 الصورة غير متاحة

مكتبات الجامعات تشكو من هجر الطلاب

من ناحية أخرى وعند تفقُّدنا لمكتبات الجامعة ومكتبات الكليات المختلفة لاحظنا خلوَّ المكتبات تمامًا من الطلبة، فبالرغم من أن أبواب المكتبات مفتوحةٌ من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا فإن كشوف روَّادها لا تسجِّل أيَّ حضور إلا في حالات نادرة جدًّا.

 

محمود حسين- أحد أمناء مكتبات جامعة القاهرة- حدثنا حول هذه الظاهرة قائلاً: الطلبة أصلاً لا يأتون إلى المكتبة في شهور الدراسة إلا نادرًا، وغالبًا بسبب أن أحد الأساتذة طلب منهم بحثًا حول أمر ما، فهل يُعقَل أن يأتوا في الإجازة؟!

 

الوضع اختلف قليلاً بالمكتبة المركزية بجامعة القاهرة، فقد لاحظنا حضور بعض الطلبة، وأغلبهم من طلبة الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه، ولاحظنا غياب الشباب في المراحل التعليمية الأقل.

 

أما آخر صيحة في الجامعات المصرية فهو ما يُعرَف بالمناهج الصيفية أوsummer course؛ حيث بدأت كلية الإعلام جامعة القاهرة منذ عامين تطبيق هذا النظام، والذي يعني أن يقوم الطالب بدراسة بعض المواد التي فشل في اجتيازها في شهور الدراسة العادية طوال إجازة الصيف، وأن يدخل امتحان المادة مرةً أخرى في نهاية الإجازة الصيفية، وذلك مقابل مبلغ مادي يتم دفعه لإدارة الجامعة.

 

آية الفقي- طالبة بكلية الإعلام جامعة القاهرة وواحدة من المنضمِّين لنظام المناهج الصيفية- تصف هذا النظام بالممتاز، وأنه أحد الأسباب المهمة التي جعلت الطلبة يذهبون إلى الجامعة في أشهر الصيف؛ لأنه يجب عليهم حضور محاضرات، وعندما سألتها: هل هذه الدورة هي السبب الوحيد لذهابها للجامعة في الصيف؟! كانت إجابتها بالنفي القاطع، وأضافت قائلةً: إنه حتى لو لم تكن مشتركةً في هذه الدورات فإنها ستذهب للجامعة في الصيف للقاء أصدقائها.

 

كافتيريا مجانية

وكما كان متوقَّعًا فإن الجامعات خلَت من أيِّ نشاط لاتحادات الطلاب المعيَّنة، ورغم وجود إمكانيات كبيرة بالجامعات إلا أنه لا يتم استخدامها طوال أشهر الإجازة الصيفية، وينصبُّ كلُّ الاهتمام على بعض اللقاءات والنشاطات الخارجية بين الجامعات وبعضها البعض، دون الاهتمام بالأنشطة الداخلية للجامعة.

 

 الصورة غير متاحة

عزوف واضح من الشباب عن الأنشطة الثقافية خلال الإجازة

أما بالنسبة للأنشطة الثقافية فالوضع لم يختلف كثيرًا، فلا توجد ندوات أو مؤتمرات أو أيّ نشاط آخر يجذب الشباب داخل الجامعة، وما يتم تنفيذه من نشاطات يُواجَه بعزوف كبير من الشباب.

 

وهو ما ذهبت إليه أمنية محمود- الطالبة بكلية الطب- مؤكدةً أنه لا يوجد أي نشاط في الإجازة، سواءٌ للأسر أو الاتحادات أو حتى رعاية الشباب، ووصفت الجامعة في الصيف بأنها تتحوَّل إلى مجرد نادٍ يلتقي فيه الأصدقاء أو- إن صحَّ التعبير- الأحباب من الجنسَين، دون وجود أي رقابة من إدارة الجامعة!!

 

وتضيف أمنية أنه لا يوجد أحدٌ يأتي إلى الجامعة في الصيف لتلقِّي العلم، فهي شخصيًّا غير مستعدة لتلقِّي أيّ نوع من أنواع العلوم، بعد ما وصفته بالمعاناة طوال ثمانية شهور هي شهور الدراسة.

 

كلام أمنية أكدته شواهد عديدة وجدناها في أروقة عددٍ من الجامعات، ففي جامعة حلوان مثلاً، حيث المباني المترامية الأطراف، تحوَّلت المساحات الخضراء إلى متنزّهات للطلبة والطالبات، إما ثنائيات أو جماعات، رغم حرارة الشمس، وخاصةً بالقرب من كليات التجارة والعلوم والتربية!!

 

الوضع في جامعة القاهرة لم يختلف كثيرًا، وخاصةً في الحديقة المحيطة بكلية دار العلوم وكلية الآداب وأمام كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وكلية التجارة، إلا أن جامعة القاهرة امتازت عن غيرها بأن الطلاب إذا وجدوا تضييقًا داخل الحرم ذهبوا إلى خارجه، سواءٌ في حديقة الأورمان أو الحيوان.

 

كارثة

ويرى د. إمام محمد- الأستاذ بكلية الآداب جامعة حلوان- أن خلوَّ الجامعات من النشاط في الصيف بات أمرًا طبيعيًّا، أرجعَه إلى عدة أسباب: أهمّها المحاولات المستمرة من النظام لإبعاد الجامعة عن لعب دورها التنموي والسياسي.

 

كما أكد أن الطلاب المسموح لهم بممارسة النشاط هم مجموعة صغيرة جدًّا، ووصفهم بالمرضيِّ عنهم أمنيًّا، محذِّرًا من تحويل الجامعات في الصيف لأماكن التقاء "الحبِّيبة"، مؤكدًا أن ذلك يُضعف من هيبة الجامعة ومكانتها.

 

وهو ما أيَّده د. يحيى القزَّاز- عضو جماعة 9 مارس لاستقلال الجامعات- موضحًا أنه لا توجد أنشطة في الدراسة، فهل يُعقل أن توجد أنشطة في الإجازة؟! مؤكدًا أنه اتخذ قرارًا بالامتناع عن ممارسة أي نشاط مع الطلبة داخل الجامعة، بعد أن تقدَّم بطلب لإنشاء أسرة تحت اسم "أسرة مبارك"، ولكنْ رُفِضَ طلبه!!

 

وعن الدورات التدريبية التي تنظِّمها الجامعات ولا تجد إقبالاً من الطلاب أشار القزاز إلى أن هذه الدورات لا تقدِّم إضافةً حقيقيةً للطلاب، وبالتالي فهي غير ذات جدوى لهم.