- د. صفوت العالم: الرؤساء المرتعشون منحوا الأمن الفرصة للسيطرة
- د. مدحت عاصم: ما يحدث في الجامعات إجرام لا يمكن السكوت عليه
- د. عبد الفتاح حسن: الجامعات في أسوأ مراحلها والكرامة اختفت من القاموس
تحقيق- هاشم أمين وعصام سيف الدين
فجَّرت أحداث جامعة عين شمس الأخيرة التي شهدت سيطرة البلطجية على مقاليد الجامعة للعام الثاني على التوالي بمباركة ودعم رئيس الجامعة الدكتور أحمد زكي بدر، العديد من التساؤلات عمَّا يجري في القلاع التعليمية بمصر، بعد ما حدث في جامعة عين شمس بهذه الصورة الفجة وأمام مرأى ومسمع من رئيس الجامعة وبدعم مباشر من حرس الجامعة.. هل يختلف كلاهما عن الآخر؟ ومن الذي يحرك الآخر؟ وهل وصل الحال برؤساء الجامعات إلى الحد الذي يقف فيه رئيس جامعة عريقة وهو يشاهد ضرب أبنائه ويمنع عنهم سيارات الإسعاف؟! وما الذي يمكن أن تشهده الجامعات بعد ذلك؟! وهل اختفت كرامة الأستاذ الجامعي أمام الحفاظ على مركزه وكرسيه مهما كان حجم المأساة؟!
والسؤال الذى يطرح نفسه بقوةٍ إذا كان الأمن هو الحاكم والمسيطر داخل الجامعة فلماذا لا تتبع الجامعات وزارة الداخلية؟! وما فائدة رئيس الجامعة إذا كان دوره لا يتعدى التصديق على تصرفاتِ الأمن والمبرر لتصرفاتهم وانتهاكاتهم لكرامة وحقوق الطلاب داخل حرمهم الجامعي؟!.
ما حدث في جامعة عين شمس للعام الثاني على التوالي أثار استياءَ أعضاء هيئة التدريس والسياسيين والرأي العام المصري وأصابهم بصدمةٍ وخيبة أمل على حال رؤساء جامعاتنا الذين باتوا مثل العرائس في يد ضباط أمن الدولة؛ فالأمن بيده التقارير التي ترشح رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، وبإشارةٍ منه يدخل البلطجية لجامعة عين شمس، معلنين انتهاك حرم الجامعات، ولم يترك الأمن لرؤساء الجامعات إلا مكتبًا مُكيَّفًا داخل الجامعة، أما الباقي فليس عليه أن يشغل نفسه به، وإلا فالتقارير الأمنية جاهزة، وهو ما جعل إدارة الجامعات ترفع يدها تمامًا عن التعامل مع الطلاب أو أعضاء هيئة التدريس؛ الأمر الذي يُهدد بقنبلةٍ موقوتةٍ قد تنفجر في وجه الجميع.
![]() |
|
الأمن يشتبك مع الطلاب داخل الجامعة!! |
وبعيدًا عن الحوادث المتكررة في الجامعات المصرية فإن قانون تنظيم الجامعات يحدد في المواد 133 إلى 138 كيفية تعيين المعيدين، فينص على "يعين المعيدون والمدرسون المساعدون بقرارٍ من رئيس الجامعة بناءً على طلب مجلس الكلية أو المعهد، بعد أخذ رأي مجلس القسم المختص، ويكون التعيين من تاريخ صدور هذا القرار"، ويتضح من تلك المواد أنه لا توجد وصاية لأجهزة الأمن على الجامعة فيما يخص تعيين المعيدين.
لكن الإدارات المتعاقبة للجامعات استجابت للضغوط الأمنية، فأصبح يطلب من المرشحين للتعيين أن يستوفوا إجراءً أمنيًّا يتمثل في ملء استمارات "استطلاع رأي" تُرسل لجهاز مباحث أمن الدولة، وتتلكأ إدارات الجامعة في تعيين المعيدين حتى يصلها رد أجهزة الأمن، وقد يصدر قرار تكليف من رئيس الجامعة لتكليف المعيدين في أقسام الكلية المختلفة، إلا أن إدارة شئون العاملين تطلب منهم الانتظار حتى ورود "رأي" الأمن؛ وذلك رغم صدور قرار التكليف ورغم النص الواضح في المادة المذكورة أعلاه، وهو ما حدث مع هاني دويك من كلية العلوم جامعة القاهرة، تخصص كيمياء قسم حشرات دور مايو 2004م بتقدير تراكمي جيد جدًّا، وكان ترتيبه الأول على دفعته في هذا التخصص.
وطلب مجلس قسم الحشرات تعيين اثنين من المعيدين من تلك الدفعة، فرشَّحت الكلية هاني دويك ومعه زميل آخر (صاحب المركز الثاني) في أكتوبر 2004م، وقد تلكأت إدارة الجامعة أكثر من شهرٍ ثم صدر قرار تكليفٍ من رئيس الجامعة في 6 ديسمبر بتكليف 28 معيدًا بأقسام الكلية المختلفة، منهم دويك الذي كُلِّف معيدًا بقسم الحشرات، وعندما توجَّه المعيدون الجدد لاستلام عملهم فُوجئ بعض المعيدين الذكور بأن إدارة شئون العاملين تطلب منهم الانتظار حتى ورود "رأي" الأمن؛ وذلك رغم صدور قرار التكليف، ورغم النص الواضح في المادة المذكورة أعلاه، مرت الأمور بسلام بالنسبة لأغلب المعيدين الجدد، فوصل "رأي" الأمن بعدم الاعتراض على تعيينهم، ما عدا هاني دويك الذي اعترض الأمن (عن طريق مكتب ضابط الاتصال بوزارة التعليم العالي) على تعيينه.
![]() |
|
البلطجية اعتدوا على الطلاب في حراسة الأمن!! |
أما موقف إدارة الكلية التي رشَّحت الشاب المتفوق للتعيين معيدًا بها؟ فقد رفضت إدارة كلية العلوم تسليمه العمل معيدًا بها، ولم يصدر عميد الكلية القرار التنفيذي الخاص به، كما لم يُحرِّك رئيس الجامعة ساكنًا، ولم يُدافع عن قراره رغم توجه هاني دويك له شخصيًّا يناشده فيه الدفاع عن مستقبل الجامعة في بيانٍ مُوقَّع من حوالي أربعين من أعضاء هيئة التدريس.
وإن كان التدخل في تعيين المعيدين بهذا الشكل السافر فإن الأمر لا يختلف كثيرًا مع أعضاء هيئات التدريس ومعاونيهم، وخاصةً عند سفرهم في مهماتٍ علميةٍ أو بعثات، وهو أمر أكاديمي بحت ولا يحتاج لموافقةِ الأمن، إلا أنه خلال السنوات الماضية فقط وضعت إدارة الجامعات ضمن أوراق السفر استمارة معنونة "استطلاع رأي الأمن"، واستيفاء هذه الاستمارة يُطلب عادةً قبل موافقة الجامعة على السفر، وهو ما يعني أن الجامعة لا تملك أن تُوافق على السفر إلا بعد موافقة الأمن.
الأمر حدث أيضًا مع البحث العلمي؛ حيث عممت إدارة الأمن بوزارة التعليم العالي منذ عدة سنوات خطابًا على الكليات والأقسام الجامعية تطلب فيه "الحصول على موافقة أمنية مسبقة" قبل إجراء أبحاث مشتركة مع شريكٍ أجنبي، أو دعوة أساتذة أجانب، أو الدخول في مشروعاتٍ علميةٍ مع جهاتٍ أجنبية.
ترغيب وترهيب
د. جابر قميحة

هذه التصرفات المختلفة دفعتنا إلى طرح هذه القضية على عددٍ من أساتذة الجامعات؛ حيث أكد الدكتور جابر قميحة أستاذ الأدب الإسلامي بجامعة عين شمس أن هناك حقيقةً مروعةً لا تهدد فقط وجود الجامعات، وإنما أمن البلاد وضرب الشخصية المصرية في صميمها، وهذه الحقيقة تتلخص في أن الجهاز الأمني على مستوى الشعب كله أصبح له الإرادة المطلقة في كل المجالات، ففي الجامعات لا يستطيع أي عميد كلية أو رئيس جامعة أن يتخذ قرارًا دون إجازة الأمن، وربما كان الحكم للأمن ابتداءً وما على رؤساء الجامعات وعمداء الكليات سوى تنفيذه وأنوفهم راغمة؛ لأنهم تابعون لا متبوعون.
وأوضح أن ما حدث من انتهاكات وبلطجة برعايةٍ أمنيةٍ داخل جامعة عين شمس إنما هو أمرٌ طبيعيٌّ بالنسبة للأمن الذي ضرب قاضيًا وداس على رأسه أمام الجميع!! فليس بكثيرٍ عليه أن يستعين بالبلطجية لكي ينتهكوا حرمة الجامعة ويعتدوا على الطلاب.
وأرجع قميحة ضعف إدارة الجامعة أمام القبضة الأمنية إلى سببَيْن: الأول هو "الترغيب"؛ فرئيس الجامعة أمامه أبواب واسعة من المكافآت والترقيات والسفريات.. والأمر الثاني هو "الترهيب"؛ بفتح أبواب التهديدات وتلفيق التهم والإساءة إلى السمعة، وهذا ما وضح جليًّا في كلام وزير التعليم العالي ودفاعه المستميت عن الأمن وإدانته لطلاب الإخوان المسلمين، معتبرهم المسئولين عمَّا يجري.
وندد قميحة بالسياسة الصهيوأمريكية التي توغَّلت داخل التعليم في مصر، والتي تريده أن يساير العولمة الأمريكية حتى إنه تم رفع آيات الجهاد ومعاملات النبي- صلى الله عليه وسلم- مع اليهود بالإضافةِ إلى هدفها في خلق مجتمعاتٍ متخلفةٍ لا تعرف عن قضاياها شيئًا.
ولكي تسترد الجامعات هيبتها التي تمرَّغت في الوحل طالب قميحة بأن يكون هناك حلٌّ جزئي ومؤقت يتمثل في وقوف إدارات الجامعات من عمداء ورؤساء وأساتذة في وجه "الإرادة الأمنية"، وأن يكون الرأي خالصًا "للهيئة الجامعية"، وهذا الأمر يتطلب وجود شخصيات تستشعر الهوية الحقيقية للوطن والعمل لمصلحته كما يفعل تجمع الأساتذة المتمثل في حركة 9 مارس، لافتًا النظر إلى أن هذا الحل لا يُغني عن الحل الجذري الذي يقتضي تغيير النظام تغييرًا شاملاً، وخلق نظامٍ جديدٍ هدفه مصلحة وأمن الشعب لا أمن الحاكم!!.
رؤساء مرتعشون
د. صفوت العالم

أما الدكتور صفوت العالم- أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة- فيرى أن ما وصل إليه حال الجامعات من ضعفٍ وتردٍّ يؤكد الخلل الموجود والذي يكمن في أن مجلس إدارة الجامعة لا يقوم بدوره المنوط به واتجاهه للعب دورٍ ليس دوره.
وأضاف العالم أن الجامعة فشلت فشلاً ذريعًا في تربية الطلاب سياسيًّا؛ فتدخلات الأمن المستمرة والإرادة السلبية لإدارة الجامعة ساعدت في خلق طلابٍ مضطهدين سياسيًّا ومعارضين دائمًا ومشككين في قرارات إدارة الجامعة.
وتساءل العالم: ماذا يضير الجامعة إذا فاز اتجاهٌ سياسي معين بنسبة 20 أو 30% من الانتخابات طالما أنه وفقًا للوائح وتحت إشراف الأساتذة؟! مشيرًا إلى أن الجامعة هي المطبخ التربوي لهؤلاء الطلاب، وأن محاولات فرض الجامعة والأمن الوصاية السياسية على الطلات باتت غير مجدية.
وأدان العالم رؤساء الجامعات المرتعشين والمستكينين للقيادات الأمنية، والذين دفعهم الخوف إلى فتح أبواب الجامعات أمام البلطجية لينالوا من إرادة الطلاب، وأن هؤلاء المفرطين في قدسية الجامعة لن يغفر لهم الطلاب ما حدث مهما حاولوا تجميل الواقع المشوه، مؤكدًا أنه إذا توفَّر لدى رئيس الجامعة قوة الشخصية والقدرة على اتخاذ القرار فإنه لا يمكن للأمن أو غيره الاقتراب من قريبٍ أو بعيد.
إجرام
المظاهرات اندلعت في الجامعات ضد تدخلات الأمن
ويتفق الدكتور مدحت عاصم- الأستاذ بكلية طب قصر العيني جامعة القاهرة- مع الدكتور العالم قائلاً: المشكلة تكمن في مبدأ تعيين رؤساء الجامعات، فالأمن يتدخل في كل شيء وتقاريرهم هي التي تختار رئيس الجامعة، وهم يختارون بل ويحرصون على اختيار أُناسٍ تسمح لهم أنفسهم بالتنازل عن القيم لمجرد مصلحةٍ شخصيةٍ لهم!!.

ويرى د. عاصم أن الأحداث الأخيرة هي حالة خاصة بجامعة عين شمس وبرئيس جامعة عين شمس، وقد بدأت ملامح هذا الأمر تظهر في جامعة القاهرة ولكن رئيسها كان له موقفٌ طيبٌ؛ حيث منع مثل هذه الأمور، فلا يمكن تعميم هذه الحالة خاصةً أنها تكررت مرتين في نفس الجامعة وبحضور نفس رئيس الجامعة والذي كان نائبًا لرئيسها العام الماضي!!.
وطالب د. عاصم أساتذة جامعة عين شمس بالوقوف صفًّا واحدًا لمناصرة الطلاب، وأن يقوم الأساتذة هناك أو وفدٌ منهم بمقابلة رئيس الجامعة وشرح خطورة الوضع له، وأنهم يرفضون مثل هذه الأمور التي تُسيء لسمعة الجامعة أساتذةً وطلابًا، كما طالب الطلاب بالمرور والتفاعل مع أساتذتهم وشرح خطورة الموقف لهم؛ لأن ما حدث في الجامعة إجرامٌ لا يمكن السكوت عليه.
"أبواق" للأمن
د. عبد الفتاح حسن

الدكتور عبد الفتاح حسن- أستاذ الترجمة بجامعة عين شمس وعضو مجلس الشعب- أوضح أن رؤساء الجامعات، ووزير التعليم العالي نفسه، مغلوبون على أمرهم، فهم أدوات لتنفيذ إرادة الأمن الذي يحمي النظام، وأن هناك خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها؛ بل إن الأمن يُوظِّفهم للتحدث نيابةً عنه ويبررون تصرفات الأمن ضد الطلاب، مثل الحالة الأخيرة بجامعة عين شمس عندما دخل البلطجية حرم الجامعة وكيف أنهم اتهموا طلاب الإخوان بأنهم السبب.
وأرجع سبب هذا الولاء والتبعية الكبيرة إلى الخوف من ضياع الكرسي بسبب التقارير التي يكتبها الأمن، مشيرًا إلى أن الجامعات المصرية تمرُّ بأسوأ فتراتها على الإطلاق، وأن العملية التعليمية داخل الجامعة تسوء؛ لأن الأمن لا يهتم إلا بحفظ بقاء النظام حتى لو كان على حساب الشعب المصري بأكمله!!.
اقتحام البلطجية لجامعة عين شمس في حماية الأمن ومباركة رئيس الجامعة

