- 10% من ميزانية الأسرة المصرية للدروس الخصوصية في كل المراحل!
- الطلاب: بدونها إحنا في مشكلة و"السنترات" حلَّت أزمتنا المالية
- الأساتذة: مرتباتنا ضعيفة ولا تكفي "للعيش الحاف" والدولة مهتمة بالتفاهات!

تحقيق- سلمى البحيري

إذا كانت الأُسَر المصرية تصرخ مع بداية كل عام دراسي من أزمة الدروس الخصوصية، التي تبدأ منذ الصف الأول الابتدائي، وتصل ذروتَها في الثانونة العامة، فإن حمَّى الدروس الخصوصية انتقلت إلى المرحلة الجامعية، وإن كانت بدايتها ضعيفةً وتقتصر على أوقات الامتحانات فقط، إلا أنها خلال العامَيْن الماضيَين زادت وتيرتُها، وأصبحت ظاهرةً تدق ناقوس الخطر؛ فالأمر تعدَّى الدروس الخصوصية إلى فصول تقوية جامعية، وحجز قاعات ومواعيد ثابتة لكافة الكليات.

 

وطبقًا لتقرير لجنة الشئون المالية والاقتصادية بمجلس الشورى، فإن متوسط الإنفاق على الدروس الخصوصية في مصر يصل إلى 15 مليون جنيه في العام الواحد في مختلف المراحل الدراسية، بما فيها الجامعة، وهو ما حذَّر منه آخر تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والذي أكد أن 10% من ميزانية الأسرة المصرية مخصصة لتكاليف الدراسة، في حين أن الدراسات غير الحكومية تؤكد أنها تتجاوز 30%.

 

وعندما سألنا الطالبة منى زينهم (كلية طب القاهرة) عن رأيها في الدروس الخصوصية بالجامعة، أكدت لنا أن الدراسة داخل الكلية من غير دروس لا يمكن، فمثلاً مادة "التشريح" أثناء "السكشن" لا يمكننا كلنا أن نرى الدكتور وهو يشرح المادة؛ لأن الأعداد كبيرة جدًّا، فنلجأ للدروس لنعوِّض ما فاتنا في المحاضرات و"السكاشن".

 

أما الطالب سعد محمد (كلية علوم القاهرة) فيرى أنه من غير دروس سيرسب؛ فهو لا يريد إلا النجاح، والدرس يقدم له النجاح المضمون لما ييسِّره الدرس من صعوباتٍ، على عكس المحاضرات التي تكون صعبةً، وعندما سألناه عن سعر "الكورس" قال إنه يتكلف 600 جنيه وعدد الطلاب في الدرس 25، وذلك يعني أن حصيلة المعيد في المجموعة الواحدة 15 ألف جنيه.

 

"من غير المكتبات والسنتر ما نسواش بصلة".. هذه كانت الجملة الأولى لسمية محمد (كلية الهندسة جامعة القاهرة قسم مدني)، مؤكدةً أنها لا تأخذ دروسًا خصوصية، وتستطيع الاعتماد على نفسها في المذاكرة، وتحضر جميع "السكاشن" والمحاضرات، مشيرةً إلى أن الدروس عادةً ما تكون عن طريق معيد واحد، يعطي كل المواد، أو عن طريق مهندس توفِّره لنا المكتبة ليقوم بشرح كل المواد.

 

وتضيف سمية أنها كانت تحتاج درسًا لمادة "المساحة"، وكان ثمن "الكورس" 400 جنيه، ولكن أسرتها لا تستطيع أن تتحمل هذا العبء؛ مما دفعها لـ"السنتر"، مبررةً ذلك بأنها تلجأ للدروس لتضمن النجاح؛ فطريقة العلم داخل الكلية غير سلسة ومعقدة؛ مما يدفعها وزميلاتها للهروب منها إلى المكتبات والسنتر، التي توفر لها المذكرات، بشرحها بطريقة سلسة ومرنة.

 

 الصورة غير متاحة

الطلاب يلجأون للدروس الخصوصية بسبب ضعف إمكانيات الجامعات

أما الطالبة جويرية سعيد (كلية آداب قسم لغة عربية انتساب جامعة القاهرة) فهي تأخذ درسًا في مادة العروض والنحو؛ لأن الكلية لا توفر لها "سكاشن" تدريبية؛ باعتبارها طالبة انتساب، فتلجأ إلى المكتبات التي توفر شارحين للمواد كلها، وتأخذ الحصة بـ20 جنيهًا فقط.

 

وتؤكد رغدة عماد الدين (كلية تجارة انتساب بجامعة القاهرة) أنه لا مفرَّ من الدروس وخاصةً في مادة المحاسبة؛ فهي مادة يرسب فيها أغلبية الطلبة وذلك لصعوبتها، وتقريبًا كل الكلية تأخذ درس محاسبة، وتصل تكلفته إلى 25 جنيهًا في الحصة الواحدة، وتشير أنها اعتادت على الدروس منذ الثانوية العامة، فلا تستطيع النجاح والمذاكرة من غيرها.

 

700 جنيه لا تكفي

وعندما طرحنا القضية على "آدم مؤمن"- مدرس مساعد بكلية العلوم- أكد أن مرتباتنا لا تكفي، بل إنها لا تكفي "للعيش الحاف"، فماذا نفعل؟ فهل يتصور أحد أن رواتبنا لا تكفينا لعشرة أيام في الشهر، فمن أين نستكمل الشهر؟! ومن أين نصرف على أبحاثنا؟! للأسف الدولة لا تهتم بالبحث العلمي، بينما تدعم التفاهة وتحتقر العلم!!.

 

وهو ما أكده "أ .ج"- معيد بكلية الهندسة جامعة القاهرة- والذي أشار إلى أنه يرفض الكثير من مجموعات الطلاب التي تتقدم لأخْذ دروس خصوصية، ليس لأنه يرفض مبدأ الدروس الخصوصية، ولكن لأنه لا يجد الراحه النفسية في هذه المهنة التي تفقد قدسيتها، فبدلاً من أن يتفرغ المعيد للتدريس داخل الجامعة والتفرغ للأبحاث العلمية يلجأ للدروس الخصوصية، ومن الصعب الخروج منها، وهو ما يؤدي إلى فشله في الأبحاث العلمية، وبذلك يحيد عن الطريق الصحيح له، وبالتالي يضر بالمنظومة التعليمية.

 

ويرى أن لجوء الطلاب للدروس الخصوصية يرجع لتعوُّدهم عليها منذ الثانوية العامة، وبسبب الأعداد الكبيرة في المدرَّجات، وبعض الطلاب لا يفهمون في المحاضرات ويحتاجون إلى المتابعة، إلا أن عاد وأكد أن طالب "السنتر" يختلف جذريًّا عن طالب المكتبة والمَرَاجع، فكلاهما مهندس، ولكن الجانب الابتكاري والعلمي يختلف عند كل منهما.

 

موضحًا أنه رغم قيامه بإعطاء دروس خصوصية في بعض الأحيان إلا أنه يرغب في الانتهاء منها، وسيبحث عن عمل داخل الجامعات الخاصة بجانب العمل داخل جامعة القاهرة، ودعا إلى عدم الحكم على المعيد بأنه سفَّاح لأموال أولياء الأمور، متسائلاً: كيف يعيش هذا المعيد وراتبه في الجامعة لا يتجاوز 700 جنيه في الشهر، وينفق على المواصلات يوميًّا عشرة جنيهات، فمن أين ينفق على الأبحاث العلمية؟!!

 

ويفجِّر عبد الرحمن سعيد مفاجأةً عندما سألناه؛ حيث أكد أنه ليس أستاذًا معيَّنًا في الجامعة؛ فهو حاصل على ليسانس آداب بتقدير "مقبول"- دور ثاني- ويعطي دروسًا خصوصيةً للطلبة منذ سنوات عديدة، ويطلق عليه لقب "دكتور"!! وقال إنه يعمل في المكتبات التي توجد حول أسوار الجامعة لإعداد المذكرات للطلبة؛ فهو يحضر جميع المحاضرات كأنه طالب عادي ويسجِّل المحاضرات ويوفِّرها في مذكرات للطلبة، ويشرحها لهم بعد تنظيم المكتبة للمجموعات، فهو خرِّيج منذ عامين ولا يجد أي وظيفة غير هذه، ورغم ذلك لا توفر له المال الكثير، فمرتبه يكفي المواصلات وبعض الملابس السنوية فقط.

 

أزمة الرواتب

 الصورة غير متاحة

تعود الطلاب على الدروس خلال الثانوية أحد أسباب المشكلة

من جانبها أكدت الدكتورة زينب الأحوش- رئيس قسم الاقتصاد بجامعة الأزهر- أن للدروس الخصوصية جزءًا مشروعًا وجزءًا يُعدُّ جريمة؛ فالدروس مشروعة طالما ليس فيها محاباة للطالب وسط زملائه في الامتحانات والدرجات، ويلجأ إليها الطالب في حالات خاصة عند عدم استيعابه للمحاضرات لخلل ما في المحاضِر أو لكثرة الأعداد في المحاضرة؛ مما يفقد البعض التركيز.

 

وعن رأيها في لجوء بعض أساتذة الجامعة للدروس الخصوصية أكدت أن راتب الأستاذ الجامعي لا يكفي؛ فهو لا يحتاجه للعيش فقط، وإنما للأبحاث العلمية والكتب والمراجع، التي تحتاج لمبالغ باهظة يعجز راتب الأستاذ الجامعي عن تغطية هذه النفقات، فيلجأ للدروس الخصوصية؛ حيث تصل تكلفة البحث العلمي سنويًّا إلى ما يقرب من 20 ألف جنيه.

 

إلا أنها عادت وأكدت أن الطالب يلجأ للدروس الخصوصية لتعوُّده عليها منذ الثانوية العامة، وتأصَّلت عنده صفة التبعية والتواكل والاعتماد على الغير، ودمَّرت فيه مواهب الابتكار والتفكير؛ مما يؤدي إلى عجزه عن البحث والاعتماد على نفسه في الجامعة.

 

ورأت أن الطبقية تدخل في مشكلة الدروس الخصوصية؛ فالطبقات العليا تعُدُّ الدروس الخصوصية بريقًا اجتماعيًّا، يكمل لهم وضعهم وسط المجتمع، ويتفاخرون بأسعار الدروس الباهظة التي ينفقون عليها، أما الطبقات الفقيرة فتلجأ للدروس؛ لشعورها أنه الوسيلة الوحيدة للنجاح، فلا يعدمون وسيلةً لإلحاق أبنائهم بالدروس.

 

ورأت الأحوش أن الحل لمشكلة الدروس الخصوصية في مجموعات التقوية داخل الجامعة؛ فمنها يحسِّن الأستاذ الجامعي دخلَه، ويلجأ إليها الطالب بدلاً من الدروس الخصوصية باهظة الثمن.

 

حضانة في الجامعة

ويرى الدكتور حامد عمار- أستاذ التربية بجامعة عين شمس- أن هناك فارقًا بين الجامعات الحكومية في مصر والجامعات في أمريكا وأوروبا، التي يوجد بها الأساتذة من الساعة التاسعة صباحًا حتى الساعة السابعة مساءً؛ بسبب توافر الإمكانات للاستقرار في الجامعة، من حيث الغرفة المستقلة لكل أستاذ، وأن تكون مجهَّزةً بجميع التجهيزات والكماليات، وتناول الغذاء في مطعم محترم بالجامعة، وجميع الإمكانيات التي توفِّر له الفرصة للبحث والعطاء والتواصل مع العلم الحديث، فيمنح وقته بالكامل للبحث والطلاب، بالإضافة إلى ما يحصل عليه الأساتذة هناك من مكافآت على إشرافهم المتميز على طلاب الماجستير والدكتوراه، كما أن الباب أمامهم مفتوح للترقِّي والحصول على مكافآت أكثر، وفي المقابل فلا مكان هناك للأستاذ المتكامل، وإلا اضطُّرَّ إلى ترك الجامعة.

 

وطالب الدكتور عمار بضرورة إعادة تنظيم الجامعات، واستكمال أعضاء هيئة التدريس بالجامعات الإقليمية من الفائض لدى الجامعات الكبرى، وتوفير جميع الإمكانيات اللازمة لإجراء البحوث والحوافز والدعم للتطوير.

 

مؤكدًا أن ظاهرة الدروس الخصوصية تعدُّ من القضايا المجتمعية المهمة؛ لأن الطفل من مرحلة الحضانة حتى المرحلة الثانوية تعوَّد وأدمن الدروس الخصوصية، وأصبح بحاجة لأن يستأثر بالمعلم وحده، بجانب إمكانية حصوله على أقل قدر ممكن من المعلومات لكي يتفوق ويحصل على أعلى الدرجات، ويلاحظ أن تلك القضية تنتقل إلى طلاب الجامعات أيضًا؛ فهؤلاء الطلاب أيضًا لا يريدون سوى بذل مجهود أقل مع تحقيق النجاح، وأصبح التكدس الشديد أثناء المحاضرات- وبخاصة في الكليات النظرية- من أهم الأسباب التي تجعل الطلاب يلجأون للدروس، وأصبحت صلة الطالب بالأستاذ ضعيفة؛ مما جعلته على استعداد كامل لحل مشكلته وحده بعيدًا عن الكلية، ويعد الكتاب الجامعي وعدم تطويره أو وضوحه سببًا أيضًا؛ فالكتب- نظرًا لضخامتها- يقوم المدرس بإلغاء أكثر من 80% منها في نهاية الفصل الدراسي.

 

ويضيف د. عمار أنه من ناحية أخرى فإن من يمارسون إعطاء الدروس الخصوصية يكونون من معاوني وصغار أعضاء هيئة التدريس وضعاف النفوس؛ نظرًا لأن العائد المادي ضعيف، ويقبل عليها أوائل الدفعات الذين أدمنوا الدروس الخصوصية لتحقيق التفوق والمراتب الأولى.

 

ولمواجهة هذه الظاهرة يرى الدكتور عمار ضرورةَ تعاون الأُسَر مع الجامعات للحدِّ من انتشار الظاهرة، وأيضًا يتم فصل أو نقل المدرِّس لوظيفة أخرى؛ لأن السماح بها يعني أننا نشارك في هدم قيم المجتمع مما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص، والعمل على الارتقاء بالكتاب الجامعي والمَرَاجع، والنهوض بالمكتبات، وإعطاء قدر أقل من المعلومات، من خلال إلغاء الحشو وأجزاء المقررات التي لا قيمة لها، وتقديم كل ما يفيد الطالب، ولا بد من تطبيق الفكر الخاص بالتدريب أثناء المرحلة الجامعية في المصانع بالنسبة لطلاب كليات الهندسة، وفي البنوك والشركات لطلاب الكليات النظرية؛ حتى تكون هناك فرصُ عملٍ للخرِّيجين بعد التخرج.