شهدت جامعة الإسكندرية مؤخرًا جريمة سرقة الأبحاث والدراسات على يد أحد أعضاء هيئة التدريس، بعد أن قام بسرقة عدد من الأبحاث العلمية سبق نشرُها في مجلات عالمية لمؤلفين آخرين أجانب، وتقديمها للمسئولين بجامعة الإسكندرية للحصول على درجات الترقية العلمية، رغم علمهم بذلك منذ عام 2004، بل وقاموا بمنحه الدرجات العلمية والجوائز التقديرية والتشجيعية باسم جامعة الإسكندرية ذات التاريخ العريق؛ وذلك تقديرًا له على جهوده المضنية في سرقة ونقل الأبحاث العلمية صورةً طبق الأصل من مؤلفين آخرين!!.

 

بدأت المهزلة عندما تقدم رئيس تحرير مجلة منظمة الصحة العالمية، والتي تحمل اسم "Eastern Mediterranean health Jour"، ويصدرها المكتب الإقليمي للشرق الأوسط بمنظمة الصحة العالمية في يوم 14 يونيو عام 2004، بعدة شكاوى إلى مكتب نائب رئيس جامعة الإسكندرية للدراسات العليا والبحوث، يتهم فيها أحدَ أعضاء هيئة التدريس بإرسال عدد 7 أبحاث علمية للنشر في المجلة، وقد تبيَّن أنها منقولةٌ بالكامل وحرفيًّا من أبحاث عالمية سبق نشرها في مجلات عالمية أخرى لمؤلفين آخرين!! فما كان من نائب رئيس الجامعة إلا أن قام بإرسال الشكاوى إلى عميد كلية الطب، وطالبه بإرسال تقرير عاجل، والتحرِّي حول المشكو في حقِّه، وسرعة إفادة الجامعة بنتيجة ذلك.

 

قام عميد كلية الطب بدوره بإرسال الموضوع إلى رئيس قسم طب الأطفال، والذي قام بتشكيل لجنة برئاسته مكوَّنة من خمسة أساتذة، وخلصت نتائجها إلى صحَّة ما ورد بشكوى رئيس تحرير مجلة منظمة الصحة العالمية، وأن أبحاث هذا الأستاذ تكاد تكون صورةً ضوئيةً لأبحاثٍ نشَرَها مؤلِّفون أجانب، ولم يكتفِ قسم طب الأطفال بذلك بل قام بتشكيل لجان أخرى لمراجعة الأبحاث التي تمَّت ترقية نفس الشخص بها إلى درجة أستاذ مساعد، وكذلك مراجعة البحوث التي حصل بموجبها على جائزة الجامعة التشجيعية؛ حيث توصَّلت اللجان إلى أن هذا الأستاذ قد قام بنشر 8 أبحاث مسروقة ومنقولة حرفيًّا بمجلة الإسكندرية لطب الأطفال، وحصل من خلالها على درجة أستاذ مساعد لطب الأطفال عام 2001، كما حصل على جائزة الجامعة التشجيعية للبحث العلمي عام 2003 بـ5 أبحاث مسروقة أيضًا من مؤلفين أجانب ومنشورة في دوريات عالمية.

 

 الصورة غير متاحة

 اضغط لتكبير الصورة

وقد قام قسم طب الأطفال بإعداد تقرير مفصَّل بكل النتائج التي توصَّل إليها؛ من إدانة كاملة لهذا الأستاذ، وقيامه بسرقة الأبحاث العلمية أكثر من مرة، وتم إرسال هذا التقرير إلى كلية الطب التي قامت بدورها بإرساله إلى الجامعة في شهر أغسطس من نفس العام 2004 لضمِّه لملف التحقيق الخاص بالموضوع، والذي ظلَّ حبيس الأدراج!!.

 

ومنذ نهاية عام 2004 إلى شهر مارس من عام 2005 وأمام شكاوى عدد كبير من الأساتذة، أصدرت جامعة الإسكندرية قرارًا بإحالة هذا الأستاذ إلى مجلس تأديبي؛ وذلك بهدف تهدئتهم فقط، وظلَّ هذا القرار وباقي مستندات التحقيق القانوني مع هذا الأستاذ حبيسة الأدراج مرةً أخرى حتى شهر أبريل من عام 2006؛ أي لمدة عام تقريبًا!!.

 

الغريب أن الأستاذ لم يكتفِ بذلك، بل عاود نشاطه في سرقة الأبحاث العلمية مرةً أخرى، وقدم في الأول من شهر يونيو من عام 2006 قائمةَ أبحاثٍ جديدةً، مكوَّنةً من 7 أبحاث علمية، إلى لجنة الترقيات بالقاهرة؛ من أجل الحصول على الترقية لدرجة أستاذ بطب الأطفال!!، وجاء تقرير تقييم اللجنة لأبحاثه كالعادة بأنه توجد أربعة أبحاث منها مسروقة ولا يُراعَى فيها الأمانة العلمية، كما أن باقي الأبحاث المقدمة ضعيفة جدًّا من الناحية العلمية، وعلى ما يبدو أن هذا التقرير أحرج القائمين على الجامعة، وتقرَّر تشكيل لجنة من المتخصِّصين بجامعة عين شمس لتقصِّي حقيقة أبحاث "الأستاذ".

 

وفي نفس هذا التوقيت كان حادث حريق حضَّانات الأطفال بمستشفى الشاطبي؛ فانشغل جميع المسئولين في جامعة الإسكندرية ووزارة التعليم العالي بهذه الكارثة، وتناسوا مسألة سرقة الأبحاث العلمية والسعي للحصول من خلالها على درجة أستاذ، وبقي الوضع على ما هو عليه.

 

وكانت المفاجأة الكبرى قيام رئيس جامعة الإسكندرية بإصدار أوامره بتجديد إعارة هذا الأستاذ إلى الدول العربية، رغم خضوعه لمجلس التأديب؛ حيث إن اللجنة المشكَّلة برئاسة الدكتورة نادية حسن بدراوي مقررة اللجنة العلمية الدائمة لطب الأطفال بالمجلس الأعلى للجامعات قد أوصت في الأول من شهر يوليو عام 2006 بإحالته إلى مجلس تأديبي؛ لمعاقبته على المخالفات العلمية والأخلاقية التي قام بها، والتي تتمثَّل في سرقة أبحاث علمية تم نشرها ونسخها سابقًا ونقلها حرفيًّا بصورة شبه كاملة، ويظهر ذلك من خلال التطابق الواضح في النتائج والنسب المئوية، ومقدمة وطرق البحث والمناقشة، والمراجع التي تم نقلها بترتيبها دون تغيير، وأن هذا الأستاذ لم يقُم فيها بجهد عدا تغيير الزمان والمكان.

 

وأكدت اللجنة في تقريرها أن الأبحاث المقدَّمة قد تمَّ من قبل نشرُها في مجلة جامعة الإسكندرية لطب الأطفال قبل تقديمها للنشر في مجلة منظَّمة الصحة العالمية، وكان يتعيَّن على مجلة الإسكندرية تحرِّي الدقَّة قبل نشرها هذه الأبحاث؛ حتى لا تفقد الأبحاث الطبية المصرية مصداقيتَها لدى الأوساط العلمية والدولية.

 

 الصورة غير متاحة

 اضغط لتكبير الصورة

وكشفت اللجنة أن الأستاذ سارق الأبحاث العلمية قد اشترك معه بعضُ القراصنة في ثلاثة أبحاث من الأبحاث المقدَّمة، وهما أستاذان من قسم النساء والتوليد بجامعة الإسكندرية، ودعت اللجنة إلى إبلاغ اللجنة العلمية الدائمة للنساء والتوليد بما اقترفه هذان الأستاذان؛ من عدم الأمانة العلمية، وضرورة إحالتهما إلى التحقيق؛ للوقوف على مدى مسئوليتهما التأديبية ومدى مشاركتهما لقرصان طب الأطفال.

 

كما حذَّرت اللجنة العلمية الدائمة لطب الأطفال كلَّ مَن تُسوِّل له نفسه من أعضاء هيئة التدريس بسرقة الأبحاث العلمية والاستخفاف باللجان العلمية الدائمة للترقيات بالمجلس الأعلى للجامعات.

 

وكالعادة تم إرفاق جميع هذه التوصيات ضمن ملفات هذه المهزلة العلمية وحبسها داخل أدراج المسئولين في جامعة الإسكندرية لأجَل غير مسمّى ودون الالتفات إلى خطورة وجود أستاذ بمثل هذه الصفات العلمية خلفَ جدران جامعة من أعرق الجامعات المصرية، وأيضًا خطورة وجود طبيب بمثل هذه الأخلاق العلمية داخل قسم يعالج كائنات ضعيفة جدًّا لا حول لها ولا قوة؛ وهي الأطفال الرضَّع حديثو الولادة، ويكون أول شخص يتولَّى أمرهم العلاجي والصحي بعد خروجهم للدنيا بلحظات!.