أكد خبراء الاقتصاد الذين شاركوا في الصالون السياسي للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن مصر ليست بعيدةً عن الأزمة المالية العالمية، موضحين أن الحكومة تحاول التهرب بأي شكل من الأشكال من وقوع مصر ضمن دائرة الأزمة، إلا أن الواقع يؤكد خلاف ذلك، خاصةً في ظل الاقتصاد العالمي المرتبط ببعضه البعض.

 

وأرجع المشاركون أسباب الأزمة إلى التعاملات الربوية في مجال الرهن العقاري، والذي أفلس البنوك؛ مما يؤكد نظرية الشريعة الإسلامية في إلغاء الربا.

 

الصالون الذي حضره الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة القاهرة والخبير الاقتصادي ممدوح الولي نائب رئيس تحرير جريدة (الأهرام) وحنفي عوض الخبير في شئون البورصة وعدد كبير من الباحثين الاقتصاديين.. تناول كافة أبعاد القضية وتأثيرها على مصر والمنطقة العربية، وكيفية التغلب عليها أو تقليل خسائرها.

 

 في بداية الصالون الذي عُقِدَ مساء الأربعاء 15/10/2008 أكد الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة أن الأزمة المالية العالمية كان لها تداعيات كبيرة؛ ليس على الاقتصاد الأمريكي  فحسب، بل على الاقتصاد العالمي ككل، مشيرًا إلى أن هذه الأزمة أحدثت ارتباكًا على مستوى العالم، بالرغم من أنها لا تزال في بداياتها.

 

 وفي كلمته شدَّد الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة على أهمية التمسك بالاقتصاد الإسلامي الذي بدأت أسهمه ترتفع مع الأزمة الحالية، قائلاً: "سأتطرق إلى نقاط عدة تمهيدية؛ أولها في عام 1990م وتحديدًا في أول شهر أغسطس؛ عندما كانت هناك اجتماعات للجنة كانت تسمى لجنة الخبراء مشكَّلة من جامعة الأزهر، واجتمعت لوضع السمات الرئيسية للنطام الاقتصادي الإسلامي؛ تلبيةً لاحتياجات قيادات الاتحاد السوفيتي السابق؛ حيث كان التحول الرأسمالي لديهم، وهم كانوا يعلمون أن هذا التحول به نقائص، فأرادوا التعرف على النظام الإسلامي لترقيع ما عندهم".

 

مضيفًا: "استمرت هذه الجلسات 21 يومًا من 8 صباحًا حتى 8 مساءً، ووصلت إلى تصور عام بأن الاقتصاد الإسلامي سهل وبسيط، وقوانينه دون تعقيد؛ فجاء وفد رفيع المستوى من الاتحاد السوفيتي، وكان تساؤله: كيف لديكم هذا النظام الفعال وتعيشون في تخلُّف؟ حيث أُعجبوا بعناصر النظام الإسلامي في الملكية والأجور والسوق السياسية المالية والنقدية والبنوك والتأمين وغيرها.

 

واستطرد قائلاً: "إن الأزمة المالية التي نعيشها جميعًا بدأت مع فقاعة العقارات التي انفجرت والتي انهارت معها كثير من البنوك؛ خاصةً الاستثمارية".

 

 الصورة غير متاحة

د. عبد الحميد الغزالي

 وحول الأزمة الأمريكية أشار إلى أن الفائدة "إيدز" الاقتصاد المعاصر، وثبت مع الفشل الرهيب الذي مُنِيَ به الاقتصاد الأمريكي، خاصةً في ظل غياب الرقابة الحازمة على بنوك الاستثمار، وفي ظل الجشع الشديد لجني أرباح لا تستحقها، موضحًا أن البنوك الاستثمارية أسرفت في الاقتراض، وظنت أنه مغنم كبير، حتى إنها بدأت تقرض دون استعلام، على عكس ما هو معروف اقتصاديًّا، ثم تبعتها البنوك الأوروبية، والتي زاد حجم التعامل بها آلاف المرات.

 

وأوضح أن ما يحدث في أمريكا تجاوز ما تعارف عليه الفن المصرفي؛ الذي يُعنى بأهمية المواءمة بين المتناقضين العائد والربح وأيضًا السيولة والثقة حتى مُنِيَت بهذا الانكسار الكبير بعد تماديها في النظر إلى العائد والربح دون الحفاظ على الثقة والسيولة.

 

وأشار إلى أن علاج الأزمة الحالية يكمن في إيجاد إدارة رشيدة للسيولة والربح ولمخاطر الائتمان وكفاية رأس المال مع الرقابة الصارمة من قبل البنوك المركزية على كافة وحدات الجهاز المصرفي، وخاصةً متابعة البنوك الاستثمارية، مشددًا على أن التسيُّب هو سبب الانهيار الذي نعيشه الآن.

 

وطالب بضخِّ سيولة في عصب النظام المصرفي حتى تعود الثقة وتبدأ الحياة من جديد، مؤكدًا ضرورة الرجوع إلى البديل في النظام المصرفي الإسلامي الذي يقدم حلولاً عملية لكل السلبيات والانهيارات التي حدثت مؤخرًا، مشيرًا إلى تأكيدات البنك الدولي أن المصرفية الإسلامية تبني استثمارًا حقيقيًّا يساعد الاقتصاد العالمي بشكل جيد؛ بعيدًا عن جشع وشرور واستغلال وفساد الفائدة.

 

 الصورة غير متاحة

ممدوح الولي

وأشار ممدوح الولي نائب رئيس تحرير جريدة (الأهرام) والصحفي الاقتصادي إلى أن الأزمة المالية لم تبدأ بانهيار بنك ليمان برازر، قائلاً: "إن تاريخ الأزمة بدأ منذ أواخر عهد كلينتون وبداية رئاسة بوش، حين بدأ الترويج لسوق العقارات؛ باعتبار أن نشاط العقار يجذب الكثير من الأسواق، وهو ما كان يوافق برامج بوش في التملك، والذي التقى مع وجود الحلم الأمريكي بامتلاك المنزل، وحدث بعد ذلك أن رهن الأمريكيون المنازل التي لم يتملكوها من أجل شيء آخر، حتى ارتفعت الفائدة في السوق الأمريكية، ونشأت أزمة التعثر في سداد الأقساط في أواخر 2006م وحتى أبريل 2007م، حتى أعلنت موسسة "نيو سنشتري" إشهار إفلاسها، ومن هنا بدأ تعثر صناديق الاستثمار وتتابع إشهار البنوك لإفلاسها وتفاقمت الأزمة بسبب بيع البنوك الديون لبعضها في شكل سندات".

 

وأضاف: "في 2007م بدأت البنوك المركزية في 5 دول، وخاصةً أمريكا، في ضخ نقود في الأسواق؛ بسبب تعثر البنوك ولكن هذا لم يحل أزمة السيولة أيضًا، وهو ما دفع بوش إلى تخفيض سعر الفائدة حتى وصلت 2%؛ في محاولةٍ منه لحل الأزمة، ثم قرر أن يتم إرجاع أجزاء من أموال الضرائب إلى دافعي الضرئب مرةً أخرى، في محاولة أخرى لضخ نقود في السوق، وهي المحاولات التي باءت بالفشل في النهاية كل مرة".

 

ويقول الولي إن هبوط أسعار السندات ومؤشرات البورصة بشكل مفاجئ فور إقرار خطة الإنقاذ المالية الأمريكية بضخ 700 مليار دولار كان بمثابة المفاجأة التي دفعت في الأسبوع التالي خفض 7 بنوك مركزية الفائدة بنسبة 0.5%، ومع كل المحاولات الدولية كان الانخفاض مستمرًّا، وكان القرار وقتها ليس فقط بدعم البنوك وإنما أيضًا ضمان البنوك قروضها، واستجابت البورصة لذلك التغير يومين فقط ثم انهارت اليوم التالي، وهو ما يعني أن الأزمة لا تزال متفاقمةً وأن الخطوات التي تمت لم تعالج الموضوع.

 

وأوضح أن السبب وراء ارتباط اقتصاد العالم بالكارثة التي حدثت لأمريكا أنها الأولى في الإنتاج العالمي بنسبة الربع وفي عام واحد ضخت لدول العالم 4.4 مليارات دولار في صورة واردات خدمية وودائع واستثمار مباشر ومَحَافظ مالية وتحويلات مدفوعة، وهو ما جعل انهيار الاقتصاد الأمريكي يمثل كارثةً عالميةً، مشيرًا إلى أن أغلب البورصات الدولية انخفضت في الفترة بنسب مخيفة (داو جونز 28% فاينشيل تايمز 29% ومصر 44% والسعودية 43%) وكل الأسواق بلا استثناء تأثرت حتى صناديق الحكومات السيادية التي تتاجر بها الحكومات تاثرت كصندوق أبو ظبي، والذي يمثل أكبر صندوق في العالم والسعودية والكويت وقطر، كما تضررت استثمارات وودائع عربية في الخارج، بالإضافة إلى البورصات طبعًا، كما تأثرت الاستثمارات الأجنبية في الدول العربية.

 

وأكد الولي أن الخطر الحقيقي يكمن في تراجع معدلات النمو في أغلب الدول المتقدمة، وهو ما ينذر بكارثة اقتصادية كبرى، مشيرًا إلى انخفاض النمو الأمريكي من 2.8 عام 2006 إلى 1 في 2008م، مشددًا على أنه لا توجد دولة متقدمة نتعامل معها اقتصاديًّا إلا وستضرر.

 

وأوضح الولي أن التأثير الكبير للأزمة المالية على مصر سيكون على السياحة، مؤكدًا أن الصادرات المصرية للخارج والاستثمار الأجنبي المباشر ودخل قناة السويس سوف تشهد تراجعًا بسبب تراجع التجارة العالمية بشكل عام.

 

وأشار إلى أن الاقتصاد المصري كان يعاني من أوجاع كبيرة قبل الأزمة، وكانت وزارة المالية تتوقع أن عجز الموازنة العامة هذا العام سيصل إلى 90 مليارًا، مؤكدًا أنه لا أحد يستطيع أن يجزم إلى أي حد سيصل العجز بعد الأزمة.

 

وختم حديثه قائلاً: "نحن اقتصاد منهك، والأزمة ستزيد الإنهاك، ولن تنتهي قبل نهاية 2009م".

 

 الصورة غير متاحة

حنفي عوض

 واتهم حنفي عوض الخبير في البورصة الحكومة المصرية بالتراخي في مواجهة الأزمة المالية التي أضرَّت بالبورصة أشد الضرر، مؤكدًا أن أضرار البورصة مرشحة للزيادة إن لم تُتَّخذ إجراءاتٌ سريعةٌ وجيدة ترتقي إلى مستوى الأزمة التي كان يمكن أن تكون بتحرك جاد من الحكومة لمشكلة تحولت بالفعل إلى كارثة.

 

وأضاف: "إن المتابع لحال البورصة يكشف هذا الهبوط الشديد والخسائر الفعلية في رأس السوق المالي الذي لا شك سيفقد منها جزءًا في المرحلة القادمة".

 

وأرجع أسباب الكارثة إلى اختفاء المسئولين ورؤوس مجالس الشركات المتداولة وعدم إدراكهم أهمية وجودهم لتقليل الخسائر المتوقعة مع هذه الأزمة المالية التي عانت منها البورصات الأخرى ولكن ليس بمثل هذا الأسلوب والمعدل الذي مُنِيت به مصر.

 

واتهم عوض الإعلام المصري بالتسبب في الكارثة بسبب تجاهله تثقيف المجتمع بأهمية البورصة وإصراره على تقديم النشرة الاقتصادية في نهاية النشرة العامة وقبل النشرة الجوية، وشدَّد على أن الإعلام بتحركه السلبي عمَّق الأزمة وخلق جوًّا من الذعر لدى صغار المستثمرين مما أثر سلبًا على تعاملات البورصة.

 

وقال: "علاج هذه الكارثة يحتاج شقًّا نفسيًّا وآخر موضوعيًّا؛ حيث يجب رفع وعي الناس وقول الحقائق دون تعتيم حتى يتم بناء جسر من الثقة بين المجتمع والبورصة".

 

وأضاف: "ويجب اتخاذ مجموعات من القرارات الإدارية التي تحكم عملية البيع والشراء في ذات الجلسة والشراء بالهامش، مع أهمية تعديل شكل المؤشر لتعرف حقيقة الصعود والهبوط دون إيهام المواطنين بغير الحقيقة، مشددًا على أهمية التدخل المالي الواعي في الفترة القادمة.

 

وهاجم ممدوح الولي في تعقيبه الإصرار على دفع المجتمع المصري إلى البورصة قائلاً "الشعب المصري لن يكون بورصجيًّا لأن لديه بطالة وعنوسة وأزمة خبز ومشاكل أكبر بكثير من بورصة تعد كارثةً على الاقتصاد المصري".

 

 وأضاف: نحن نريد سوق إصدار لإيجاد اقتصاد قوي بعيد عن سوق تداول؛ ساعدت الدولة على جذب الناس إليه عن طريق رفع الرائب، في وقت يستغل فيه الأجانب هذا السوق في الربح السريع دون أدنى عائد على مصر.

 

من جانبه طالب النائب د. محمد فضل عضو الكتلة بأهمية تبني مشروعات قوانين تحت قبة البرلمان تاخذ بالاقتصاد الإسلامي من خلال رؤيا واضحة مكتوبة من أجل دعم الاقتصاد المصري وإنقاذه من أي انهيار وشيك.

 

صالون الكتلة في صور

شاهد فيديو صالون الكتلة