قبل مائة عام ومنذ إنشاء جامعة فؤاد الأول- جامعة القاهرة حاليًّا- وهذا الصرح العلمي الكبير يمثِّل قبلةً لحُجَّاج العلم؛ فالأصل في قانون الجامعة أن تكون رسالة الجامعة أبعد من أن تُحَدَّ بحدود معينة؛ فجاء نص رسالتها مرنًا يتسع لكل ما تقدر عليه من الألوان المختلفة لخدمة العلم والقيام بالتعليم؛ فإذا أضفنا إلى ذلك ما جاء بالبند الأول من اتفاق الجامعة المصرية مع وزارة المعارف أدركنا مدى حرص جيل الرواد على إطلاق طاقات الجامعة لخدمة العلم دون حدود أو قيود من منطلق الحرص الشديد على استقلال الجامعة وحريتها في أداء رسالتها.

 

وبعد أن أكملت الجامعة مئويتها تبدَّل الحال، فأصبحت لغير أصحابها وروادها، وعلى رأسهم الطلاب؛ بعد أن فرضت إدارة جامعة القاهرة إجازة رسمية على أعضاء هيئات التدريس والعاملين بالجامعة والطلاب استعدادًا للاحتفال بالمئوية التي تُنظِّمها الجامعة الأحد 21 ديسمبر الجاري، ويحضره رئيس الجمهورية.

 

والسبب وراء الإجازة هو الاستعدادات الأمنية المكثفة؛ لتأمين الجامعة خلال يومي الجمعة والسبت؛ حيث إن جامعة القاهرة تشهد استعدادًا واسعًا لاستقبال رئيس الجمهورية والوزراء في تمام السابعة من مساء الأحد القادم.

 

وقد بعثت حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات بخطابٍ إلى د. حسام كامل رئيس جامعة القاهرة؛ تحتج فيه على قراره الذي يفرض إجازةً رسميةً على العاملين بالجامعة والطلاب وأعضاء هيئات التدريس.

 

استنكر أغلب الطلاب الأسلوب الذي تتبعه إدارة الجامعة في عدم إشراكهم في مئوية جامعتهم التي يتشرَّفون بالانتساب إليها.

 

وتقول هند عبد الحميد (الطالبة بالفرقة الثالثة كلية التجارة) إنها لا يهمها ضياع محاضراتها قدر ما يعنيها عدم مشاركتها في مئوية الجامعة، متسائلةً: "ما الذي يخاف منه رئيس الجامعة حتى يمنع الطلاب وأعضاء هيئات التدريس عن حضور المئوية؟!"، مشيرةً إلى أنه كان عليهم "بدلاً من تضييع يومين دراسيين ومنعنا عن حضور المئوية أن يأخذوا أفكارنا ورؤيتنا للاحتفال بالجامعة"، وقالت: "إذا كانت المئوية لن يحضرها طلاب الجامعة ولا أعضاء هيئات التدريس بها فمن يحضرها؟! ولمن تُعقد؟!".

 

ويتساءل أيضًا حمادة سعيد (الطالب بالفرقة الثانية بكلية الآداب) عن حجم التضييقات الأمنية الشديدة، والتي تجعل من يوم السبت القادم إجازةً في الجامعة لتأمين زيارة الرئيس مبارك للجامعة وحضور الاحتفالية بمسرح القبة.

 

وقال: "إن أحد الأساتذة كان قد وعدهم بمحاضرة مهمة بمادة التاريخ الإسلامي يوم الأحد القادم، وتم إرجاؤها إلى يوم غير معلوم بسبب قرار منعنا من دخول الجامعة".

 

واستغربت شيماء السيد (الطالبة بالفرقة الثانية بكلية الهندسة) سبب الإجازة المفاجئة من الجامعة بسبب احتفالية المئوية وزيارة الرئيس مبارك للجامعة وإدراج كلية الهندسة ضمن هذه الإجازة على الرغم من كونها خارج الحرم.

 

وقالت إن هذه الإجازة الإجبارية قد ضغطت عليهم الامتحانات والمذاكرة للمادة الأخيرة في امتحانات الـ"ميد تيرم"؛ الأمر الذي لاقى استنفارًا كبيرًا بين الطلاب.

 

وأكد إيهاب محفوظ (الطالب بالفرقة الرابعة بكلية العلوم) أنه لم يسمع طوال 4 سنوات له في الكلية أن هناك إجازة إجبارية للطلاب بسبب احتفالية داخل الجامعة!!.

 

وقال إن هناك ثمة خطأً في قرار إدارة الجامعة في اختيار الموعد؛ حيث إن الامتحانات بقي عليها أقل من شهر، والمحاضرات و"السكاشن" الأخيرة هي الأهم، ومع ذلك قامت إدارة الجامعة بتضييع يومين كاملين عليهم.

 

ولم تختلف آراء الطلاب عن آراء أعضاء هيئة التدريس؛ فقد استنكر د. نصر رضوان السكرتير العام لنادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة منع الطلبة والأساتذة من دخول جامعتهم، وقال: "لا تعني زيارة رئيس الجمهورية للجامعة منع الأساتذة والطلبة في نهاية تيرم دراسي من المجيء إلى الجامعة"، مؤكدًا أن أساتذة الجامعة في حالة استياء شديدة بسبب هذه الإجازة المفروضة عليهم، رغم أن الاحتفال مساء يوم الأحد، وكان من الممكن أن يتم الاحتفال دون تعطيل العملية التعليمية، وكان من الممكن أيضًا تأمين الجامعة بكل حرص دون داعٍ لهذه الإجازة التي أضرَّت- دون شك- بالعملية التعليمية.

 

وأوضح أن ما يحدث دليلٌ على أن النظام الإداري الذي يتحكم في الإجازات والحضور غير منضبط وإن إدارة الجامعة غير قادرة على إدارة مؤسسة تعليمية بحثية مثل جامعة القاهرة، مشددًا على أن هذا التصرف يناقض مكانة العلم والعلماء.

 

وقال الدكتور مجدي قرقر الأستاذ بكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة إنه تمت دعوته بصفته رئيس قسم، وقد وصلت الدعوة إلى العمداء ورؤساء الكليات والأقسام ورؤساء الوحدات الخاصة وبعض الأساتذة تبعًا لاختيار كل كلية من يمثُّلها، وقد خصصت إدارة الجامعة دعوات خاصة لكل كلية بعددٍ محدودٍ، وقد اختارت كل كلية من يمثِّلها.

 

ويؤكد أن احتفال الجامعة الحقيقي بمئويتها يكون وسط أبنائها من الأساتذة والطلبة على حدٍّ سواء لا في غيابهم، وإن اضطرت الجامعة إلى تنظيم وتحديد بعض الأعداد المناسبة لقاعة الاحتفالات، موضحًا أن الاحتفال لا يمنع توافد الطلبة والأساتذة واستكمال المسيرة التعليمية بل والاستعانة بالطلبة في الاحتفال بعيد جامعتهم المئوي؛ حتى لا يسلبهم هذا السلوك جزءًا من انتمائهم لجامعة عريقة مثل جامعة القاهرة.

 

ويشير د قرقر إلى أن جامعة القاهرة أصبحت جامعًة عالميةً بأبنائها الذين تخرَّجوا فيها وشغلوا المواقع العلمية والأدبية والسياسية والثقافية، وقد تقدَّم ترتيب الجامعة إلى الـ400 على مستوى العالم؛ لأن من أبنائها نجيب محفوظ وياسر عرفات والبرادعي الذين حصدوا جائزة نوبل للسلام.

 

ويتساءل: هل يخشى الأمن طلبة جامعة القاهرة؟!، مؤكدًا أن منع الطلبة من حضور الاحتفال يمثل سهمًا في قلب الانتماء، ومنع الأساتذة يمثِّل إهانةً كبيرةً لهم، ولا ننسى أنهم أفنَوا عمرهم في خدمة هذه الجامعة.

 

ويطالب بإقامة احتفال آخر بمئوية جامعة القاهرة غير رسمي عام يحضره كل من درس في هذه الجامعة العريقة واستنشق نسيم العلم بها؛ يلتقون جميعًا في هذا اليوم على أرض هذه الجامعة العريقة؛ وذلك لأن جامعة القاهرة ملكٌ للجميع، وليست حكرًا على الإدارات القائمة.