- الاعتداءات طالت عين شمس والفيوم وبور سعيد وقناة السويس والزقازيق

- الطلاب: الأمن يقمع أي أصوات تنادي بالحرية.. ودعم كامل لضربنا

- د. البلتاجي: مسئولو الكليات اعتبروا أنفسهم جزءًا من النظام الحزبي

- تاج الدين: الجامعات تحوَّلت لساحات حرب وقمع وتكميم أفواه

 

تحقيق- إسلام توفيق ومحمد عبد الجواد:

"عام من البلطجة في الجامعات" هكذا يمكن وصف العام الدراسي الحالي الذي شهد أكثر من عشر حالات للبلطجة في مختلف الجامعات المصرية أدَّى إلى وقوع العشرات من الضحايا والمصابين؛ ليثبت أن البلطجة في الجامعات باتت ممنهجةً وسياسة متبعة للحكومة ينفِّذها رؤساء الجامعات وعمداء الكليات بالتعاون مع الحرس الجامعي وضباط أمن الدولة.

 

عين شمس

 الصورة غير متاحة

 البلطجة في جامعة عين شمس مشهد متكرر كل عام

   وقد شهدت جامعة عين شمس هذا العام أشكالاً عديدةً من البلطجة، كما كان لها نصيب الأسد من البلطجة الممنهجة ضد الطلاب؛ حيث بدأت الاعتداءات مع بداية الفصل الدراسي الأول على عدد من طلاب الإخوان بكلية التربية أثناء استقبالهم لزملائهم الجدد بالكلية والترحيب بهم، تبعها التجاوز ضد طالبتين من طالبات الإخوان في أول العام الدراسي في كلية الهندسة، والأخرى في كلية العلوم.

 

وفي الرابع من نوفمبر الماضي تم احتجاز 2 من طلاب الإخوان، وطالبة من كلية حقوق أثناء قيامهم بقوافل للخير داخل الكلية، وتم اقتيادهم إلى مكتب الحرس؛ ليتطور الأمر بعد ذلك إلى اعتداء أمين الاتحاد المعين بالجامعة بصحبة مجموعة من البلطجية لاعتراض احتفال الطلاب بتدشين حملة "الصح"، ثم مشادات مع الأمن باليوم التالي، نتيجة تضييق تعرضت له إحدى الأخوات على البوابة.

 

وتواصلت الاعتداءات بقيام المقدم محمد منير قائد حرس كلية الطب باقتياد طالب إلى وكيل الكلية على خلفية توزيع نشرة لحملة "الصح"؛ ليذهب 3 من زملائه لوكيل الكلية؛ لكنهم لم يجدوه بغرفته وتم احتجازهم جميعًا في غرفة الوكيل، وأصرَّ على اعتقالهم، وقام باستدعاء كل ضباط الحرس، واستدعاء أمن الدولة إلى أن حدث اشتباك بين الطلبة وقائد الحرس، وتمكنوا من الخروج، وأخذ الحرس يطاردونهم في الكلية حتى خرجوا منها.

 

وفي شهر مارس اعتدى الأمن والبلطجية على طلاب الإخوان بكلية التجارة وكلية الحقوق على خلفية حملة "الصح"، وتم احتجاز طالب بمكتب الأمن لمدة ساعة، كما تم الاعتداء على الطلاب بعدها بـ5 أيام بالضرب والسب، وعندما ذهب الطلاب لوكيل الكلية ردَّ قائلاً: "هي دي السياسة، ومش هنغيَّرها"، وذلك أثناء قيام الطلاب بعمل معرض متحرك لإحياء ذكرى استشهاد الشيخ أحمد ياسين.

 

وفي ختام شهر مارس وأثناء إلقاء أحد الطلاب كلمة عن حملة "الصح" بمدرج كلية الآداب اعتدى طلاب الاتحاد على الطالب، وقام أحدهم برفع كرسي على الطالب وضربه به، وفي اليوم التالي اعتدى البلطجية على طلاب الإخوان، وبعض أعضاء هيئات التدريس بكلية الطب.

 

واختتمت أحداث البلطجة بجامعة عين شمس يوم 6 أبريل الماضي؛ حيث تمَّ الاعتداء على الطلاب المشاركين في مظاهرة يوم الغضب، وقامت قوات الأمن باعتقال ستة طلاب "3 منهم من طلاب الإخوان، و3 من شباب حركة 6 أبريل"، كما قامت قوات الأمن المركزي بضرب الطلاب والصحفيين وسحلهم أمام كلية التربية.

 

قناة السويس

 الصورة غير متاحة

 الطلاب أعلنوا رفضهم للبلطجة في الجامعات

   ولم تسلم باقي الجامعات من سياسية البلطجة والضرب، فقد شهدت جامعة قناة السويس قسطًا من البلطجة؛ حيث تحولت الجامعة إلى ساحة حرب يوم 8 أبريل، بعد أن حاول طلاب الاتحاد بمعاونة بعض البلطجية ورجال الأمن فضَّ مهرجان الفن الإسلامي السادس الذي ينظِّمه طلاب الإخوان بالجامعة كل عام؛ حيث بدأت الاحتكاكات منذ ساعة مبكرة، وقام موظَّفو رعاية الشباب برفقة رجال الأمن بالتعرض لفريق العمل بالمهرجان أثناء إعدادهم له، كما أحضروا معهم أجهزة "دي جي" للتشويش على الحفل الفني، وعقب صلاة الظهر مباشرةً موعد بدء المهرجان، فوجئ الطلاب بأحد موظفي الرعاية يتوجه إلى لجنة النظام بالحفل وخلفه مجموعة من رجال المباحث، وبدأت مشادَّاتٌ عنيفةٌ بينهم وبين الطلاب.

 

كما استغلَّ بعض المخبرين المشادَّات، فقاموا بتمزيق جميع اللوحات التي علَّقها الطلاب، والتي كانت تتناول آيات قرآنية وأحاديث نبوية عن الأخلاق والحجاب، كما فوجئ الطلاب بقيام مجموعة من طلاب اتحاد الجامعة ترافقها مجموعة من البلطجية يحملون العصيَّ والحجارة- في سابقة هي الأولى من نوعها داخل حرم جامعة قناة السويس!!-، ودارت بينهم وبين طلاب الإخوان اشتباكاتٌ عنيفة استمرت أكثر من ساعتين، وسط مشاركة وتواطؤ واضحَيْن من حرس الجامعة لصالح البلطجية.

 

بور سعيد

وفي كلية الهندسة بجامعة قناة السويس فرع بور سعيد فُوجئ بعض الطلاب أثناء دخولهم الكلية بموظفي رعاية الشباب وحشد كبير من ضباط ومخبري أمن الدولة يقفون أمام بوابة الحرم الجامعي ويمنعونهم من الدخول، كما أخبروهم بإحالتهم إلى التحقيق، وحاول مخبرو أمن الدولة اعتقال أحد الطلاب، ومصادرة الهاتف المحمول الخاص به، إلا أن باقي الطلاب قاموا بجذبه من بين أيديهم، بالإضافةِ إلى أن أحد المخبرين قام بالاعتداء على الطلاب الآخرين.

 

الفيوم

 الصورة غير متاحة

أحد طلاب جامعة الفيوم يروي مأساة أحداث بلطجة الجامعة

   وفي جامعة الفيوم اعتدى أكثر من 150 بلطجيًّا- في الثامن من أبريل الماضي تحت حماية حرس كلية التربية- على طلاب الإخوان بالكلية، واختطفوا 3 منهم وأصابوا العشرات، وتمَّ نقل 4 منهم إلى مستشفى الفيوم العام؛ حيث كان يعاني 3 منهم بكسر في القدم واليد، وآخر بكسر في العمود الفقري، وواحد بارتجاج في المخ نتيجة إصابته بعصا على رأسه من أحد البلطجية، كما نُقِل 4 آخرين إلى مستشفى الجامعة الذين تم القبض عليهم أيضًا أثناء إصابتهم بجروح خطيرة، وهم حتى الآن رهن الاعتقال.

 

الزقازيق

ولمْ تَسْلَمْ جامعة الزقازيق من البلطجية؛ حيث اعتدى مجموعة منهم في الثاني من أبريل الجاري بالتعاون مع طلاب الاتحاد المعيَّن بالضرب على الطلاب المشاركين في مهرجان حملة "راقي بأخلاقي" التي دشَّنها طلاب الإخوان المسلمين، واستخدم البلطجية في اعتدائهم الأحزمة الجلدية والعِصيّ الخشبية والمشارط الحادة؛ مما أسفر عن إصابة نحو 15 طالبًا.

 

وجاءت محاولات التهدئة من قِبَل طلاب الإخوان المسلمين المشاركين في الحملة ومناداتهم بتطبيق شعار الحملة ودعوتهم للالتزام بالأخلاق الراقية، إلا أن بعض الطلاب سمعوا أحد البلطجية يتحدَّث في الهاتف المحمول، ويقول: "حنخليها دم النهارده"، ثم تَبِع ذلك تجمع البلطجية وإعادة محاولتهم الاعتداء مرةً أخرى على الطلاب والطالبات، كما تعرَّف بعض الطلاب على عناصر من أمن الدولة يرتدون الزي المدني، وهم يتبادلون الحديث مع طلاب الاتحاد والبلطجية.

 

أحمد زكي بدر

 الصورة غير متاحة

د. أحمد زكي بدر يتابع اعتداء البلطجية على الطلاب!!

   طلاب عين شمس أكَّدوا أن سياسة البلطجة والاعتداء على طلاب الإخوان بدأت مباشرةً منذ تولي د. أحمد زكي بدر رئاسة الجامعة، ويضيف شريف أيمن الطالب بكلية التجارة أنه من خلال تعاملهم مع الأمن خلال العامين الماضيين وجدوا أن الأمن يحاول الاصطدام بهم؛ بل ويبتكر الوسائل الممنهجة والمنظمة لمحاولة إقصائهم عن الأنشطة الطلابية.

 

وكشف أيمن عن تصريح لأحد ضباط الأمن بالجامعة بأنهم يبحثون عن تلفيق محاكمة عسكرية جديدة للإخوان، مشيرًا إلى أن هذا دليل على أن لديهم خطة للاعتداء على طلاب الإخوان بالجامعات، مشيرًا إلى أن الحال وصل بالحرس الجامعي لعدم السيطرة على البلطجية، خاصةً بعد الانقلاب داخل صفوف اتحاد الطلاب بكلية التجارة، بسبب تصفية وتقسيم بعض الحسابات المادية بينهم، ثم بعد تلك المشاجرة التي أصيب فيها عدد كبير منهم بعد فشل حرس الجامعة السيطرة على البلطجية، تمَّ تشميع المكتب الفني للاتحاد بسبب اختلاسات مبالغ مادية ضخمة.

 

وأضاف أن مثل هذه الممارسات دليل على أن عمليات الاعتداء وببلطجة ممنهجة ومنظمة، واستخدامها على مستوى الجامعات جاء بعد فشلهم في استخدام وسيلة الفصل والتحقيقات التي لم تأتِ بالنتائج المرجوة لهم، وعلى الرغم من كل الصعوبات التي نواجهها في سبيل القيام بأنشطتنا الطلابية التي تخدم زملاءنا الطلاب لن نتنازل عن هذا الدور؛ مهما تعرضنا للاعتداءات والبلطجة والاعتقالات.

 

وتساءل عن دور مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان من كل هذه الاعتداءات الذين لا يتحركون إلا في حالة حدوث كارثة فقط، مع أنهم يوميًّا يتعرضون للاعتداءات، وتعجَّب من موقف بعض المنظمات الذين يتراجعون عن القضايا التي تخص طلاب الإخوان.

 

قمع حرية

ويؤكد محمد مكي المتحدث باسم طلاب الإخوان المسلمين بجامعة عين شمس أن أحداث البلطجة طوال العام كانت محاولات للحدِّ من الأنشطة الطلابية، ومحاولة لتكميم أفواه الطلاب وقمع حرية التعبير عن الرأي في الوسط الطلابي الذي هو نبض المجتمع.

 

وشدَّد على أن أحداث البلطجة ليست عشوائيةً ولا هوجائية؛ ولكنها أعمال منظمة، ولها خطة واضحة، وضعها الأمن بالاشتراك مع طلاب الاتحاد، بدليل أن نفس الأشخاص من ضباط الأمن والطلاب البلطجية هم الذين يتصدون لنا أثناء القيام بأنشطتنا.

 

سياسة غوغائية

 الصورة غير متاحة

د. محمد البلتاجي

   من جانبه يؤكِّد الدكتور محمد البلتاجي الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب والأستاذ بكلية الطب جامعة الأزهر أن تفشي ظاهرة البلطجة في الجامعات المصرية أمرٌ طبيعي في ظل السياسة التي تتبعها، وتعتمد عليها الحكومة في حلِّ خلافاتها مع معارضيها.

 

ويشير إلى ما ذكره الجهاز المركزي للمحاسبات في تقريره السنوي عن أداء الحكومة بأن السياسةَ العامةَ للحكومة باتت أمنيةً إلى حدٍّ كبيرٍ، موضحًا أن اعتمادَ النظام على البلطجية كآلية لتحقيق ما تريد ليس فقط في الجامعات، وإنما ضد كل معارضٍ يمكن أن يرتفع صوته بالحق ضد النظام.

 

وأضاف: "بما أن الجامعات المصرية بؤرة للنشاط الطلابي والسياسي، فإنها تنال الجزء الأكبر من هذه السياسة الغوغائية، خاصةً بعد فشل كل المحاولات الاجتماعية للوقيعة بين طلاب الأنشطة والطلاب العاديين، ولم يعد أمامهم سوى البلطجية فقط".

 

وحمَّل البلتاجي الإدارات الجامعية جانبًا كبيرًا في هذه السياسة بعد أن اعتبرَ رؤساء الجامعات وعمداء الكليات أماكنهم جزءًا من النظام الحزبي، وليس من هيكل الدولة، وبعد أن تآكل الهيكل الإداري التعليمي في مصر، وأصبح إرضاءَ الأمن والولاء له أساسًا وعربونًا للاستمرار في المنصب، مشيرًا إلى أنهم كنوابٍ واجهوا الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي في مجلس الشعب بمثل هذه الممارسات، ولم يجدوا أي سبب أو مبرر لها، خاصةً أن المشكلةَ لم تُصبح فقط في حرس الجامعة، ولكن في ضابط أمن الدولة الذي يسبق توقيعه توقيع رؤساء الجامعات وعمداء الكليات، وأصبحت مكاتبهم داخل مكاتب المناصب القيادية في الجامعة.

 

تكاتف

 الصورة غير متاحة

جمال تاج الدين

   ويضيف جمال تاج الدين عضو مجلس نقابة المحامين السابق، وأحد المحامين المهتمين بالقضايا الطلابية أن الاعتداء على طلاب الإخوان المسلمين في الجامعات مظهر من مظاهر الاستبداد السياسي، وأحد مظاهر تغلغل الفساد في ربوع الوطن حتى تحوَّل قطاع التعليم لجهاز منع الأنشطة الطلابية من خلال تعيين رؤساء للجامعات موالين للأمن.

 

وشدَّد على أهمية الحركة الطلابية التي كانت لها دور مؤثر ومحرك لجميع شئون الوطن قبل ثورة يوليو، مشيرًا إلى أنه بعد الثورة بدأت تُوضع الخطط المنظمة لقمع الحركة الطلابية إلى أن وصلنا لهذه المرحلة، وتحوَّلت ساحات الجامعات لساحاتٍ للحرب وقمع وتكميم أفواه، إلى الحد الذي وصل إلى اعتداء البلطجية على أحد أعضاء هيئة التدريس بطب عين شمس، مؤكدًا أنه لا بد أن تكون هناك جبهة موحدة للمقاومة القانونية للدفاع عن الطلاب، وعلى الطلاب التحرك السريع بتقدم الشكاوى، وتحرير المحاضر عندما يتعرضون لأي اعتداء.

 

وطالب بتفعيل دور أكبر لمنظمات المجتمع المدني في الدفاع عن حقوق هؤلاء الطلاب بعد أن أصبحت الاعتداءات يومية، وفي كل الجامعات، وأنه على منظمات المجتمع المدني والقانونيين التكاتف للدفاع عن الطلاب؛ مهما تكن انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية.

 

تواطؤ أمني

ويشير جمال عيد المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إلى أن العنفَ في الجامعات أصبح ممنهجًا؛ نظرًا لصوت الطالب القوي المعارض ضد سياسات النظام وقدرتهم على التأثير في قدرٍ كبيرٍ من المجتمع بوسائلهم وأسلوبهم، مشيرًا إلى أن أحدَ أسباب هذا العنف وهذه البلطجة أن كثيرًا من هؤلاء الطلاب ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين.

 

وشدَّد على أن هناك حالةً من التواطؤ بالصمت على الجرائم التي تُرتكب ضد الطلاب سواء بالصمت أو التجاهل أو التعتيم، مشيرًا إلى أن ما حدث في جامعة الفيوم خير دليل؛ حيث لم تتحرك له المؤسسات الحقوقية في مصر.

 

وأضاف أن نظرية المؤامرة لا يمكن إغفالها فيما يحدث ضد الطلاب، خاصةًَ أنهم في محافظة بعيدة، ويمكن السيطرة الإعلامية عليهم وإخراسهم، على عكس جامعة القاهرة التي يُسلط الإعلام عليها الضوء.