تقرير- أحمد التلاوي

بدأ العاهل المغربي الملك محمد السادس أمس الإثنين 20 مارس 2006م زيارةً هي الثانية من نوعها له منذ توليه مسئوليات الحكم في المغرب إلى منطقة الصحراء الغربية وعاصمتها مدينة العيون، وتستمر الزيارة مدة خمسة أيام مثيرةً حولها الكثيرَ من الجدال السياسي والمناقشات الإعلامية، لا سيما بعدما اعتبرت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (المعروفة باسم البوليساريو) أنَّ هذه الزيارة "تشكِّل تصعيدًا خطيرًا" و"مبادرةً عدوانيةً تهدد الأمن الإقليمي".

 

وقد أصدرت الجبهة بيانًا حول الزيارةِ وَضُح منه أنها تَعتبرها انتهاكًا لعدد من الاعتبارات السياسية والقانونية المتعلِّقة بأزمة الإقليم، ومِن بين هذه الاعتبارات ما يتصل بالجانب الأمني للأزمة، فاعتبرت البوليساريو أنَّ الزيارةَ تشكِّل انتهاكًا لوقف إطلاق النار الذي أُعلِن بين الجانبين في العام 1991م، وتهدِّد بالعودة إلى الحرب بين الحكومة المغربية والجبهة ما دامت الحكومة المغربية "تتحدى الشرعية الدولية وتزيد من الاستفزازات بدلاً من الامتثال لقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة" حول أزمة الصحراء الغربية.

 

ويرى مجموعةٌ من المراقبين أن هذه الزيارة تجيء ردًّا على خطوةٍ اعتبرتها الرباطُ "استفزازيةً" من جانب البوليساريو، وهي احتفال الجبهة في مطلع مارس الحالي بالذكرى الثلاثين لإعلان قيام الجمهورية الصحراوية، وهو ما دعا الحكومةَ المغربيةَ لبدء مشاوراتٍ مبكِّرةٍ نسبيًّا بين الحكومة والأحزاب السياسية المغربية حول مشروع الحكم الذاتي للصحراء الغربية الذي أعلنه الملك محمد السادس في نوفمبر الماضي.

 

كل هذه التطورات قد تدفع باتجاه تصعيد سياسي- وربما أمني- واسعِ النطاق للأزمةِ الصحراويةِ، لا سيما مع مراوحة الأزمة المغاربية محلها منذ سنوات ثلاث، منذ أن فشلت الخطة التي طرحها المبعوث الخاص السابق للأمم المتحدة في صدد أزمة الصحراء جيمس بيكر- وهو وزير خارجية أمريكي أسبق- في العام 2003م لتسوية الأزمة تقول بأن تكون هناك فترةُ حكم ذاتي تمتد خمسة أعوام في هذا الإقليم المشتعل يتبعها استفتاءٌ حول الوضع النهائي للصحراء الغربية، وهو حلٌّ قديمٌ يعود إلى منتصف الثمانينيات الماضية، وبالطبع ترفضه الحكومة المغربية؛ باعتبار أن الحل الأوفق من وجهة نظرها للأزمة هو اندماج الصحراء تحت السيادة المغربية في ظل حكم ذاتي.

 

أزمة متشابكة

تُعتبر أزمة الصحراء الغربية واحدةً من أكثر الأزمات السياسية في القارة السمراء تشابكًا، سواءٌ فيما يتعلق بأطرافها أو اعتباراتها ومسبباتها، كما أنها تُعتبر النموذج الأبرز على دور الاستعمار الغربي في تطوير أزمات ومشاكل القارة الأفريقية حتى بعد خروجه منها، بالإضافة إلى ذلك فإن الأزمة لا تتعلَّق فحسب بإقليم الصحراء، بل تتعلق بأزمةٍ أكثر عمقًا وتعددًا بالذات بالنسبة للمغرب وللعلاقات الإقليمية في المنطقة المغاربية.

 

فالرباط خرجت من مرحلة الاستعمار الفرنسي- الأسباني في منتصف السبعينيات الماضية وهي تعالج مجموعةً من الهزائم على مستوى الأرض والحدود الإقليمية بشكل مسَّ صميمَ الأمن القومي المغربي، ومن بين هذه الهزائم- كما تعتبرها الرباط-:

 

1- انتزاع "واحة تندوف" منها وضمها إلى الجزائر؛ مما أدى إلى نشوب معارك حرب الرمال على السيادة في هذه المنطقة- تندوف- بعد استقلال الجزائر بعامٍ واحدٍ أي في العام 1963م.

 

2- وعندما خرجت أسبانيا من المغرب ومستعمراتها الأخرى في أفريقيا الشمالية- ومن قبلها فرنسا- فإن المغرب اعتبرت استقلالَ موريتانيا بمثابةِ انتزاعٍ لأراضٍ إقليميةٍ تابعةٍ لها، ثم جاء الدور على الصحراء الغربية لتعلن استقلالها في العام 1976م بعد الانسحاب الأسباني من الصحراء.

 

3- احتفاظ الاستعمار الأسباني بمدينتي "سبتة ومليلة" في الشمال المغربي إلى الآن، تابعتين للإدارة المحلية الأسبانية.

 

وفي هذا الإطار فإن هذه المناطق اعتبرتها المغرب انتزاعًا أولاً من سيادتها الإقليمية، وكذلك انتزاعًا لمناطق من أغنى مناطق أفريقيا والعالم العربي بالثروات الطبيعية، لا سيما الثروات السَّمَكية (سواحل موريتانيا وحدها تبلغ نحو 600 كيلو متر، وهي من أكثر السواحل غنى بالثروة السمكية في العالم) والثروات المعدنية لا سيما الفوسفات- حيث احتياطيات هذه المناطق من الفوسفات هي الأكبر في العالم- والذهب بل والغاز والنفط أيضًا.

 

وعندما انسحبت أسبانيا من الصحراء الغربية قامت بتجزئتها إلى قسمين: ثلثان للمغرب وهو إقليم يُسمى بإقليم (الساقية الحمراء)، وثلثٌ لموريتانيا وهو إقليم (وادي الذهب) ثم لم تلبث موريتانيا أن تخلَّت في العام 1979م عن القسم الخاص بها، تاركةً الحربَ سجالاً بين جبهة البوليساريو- التي أُعلنت في العام 1973م- وبين الحكومة المغربية والتي أدَّت إلى لجوء نصف سكان الصحراء إلى الجزائر؛ حيث تمت إقامة مخيمات اللجوء الصحراوية المعروفة وكذلك حكومة ما يُعرف باسم "الجمهورية العربية الصحراوية" في المنفى بقيادة الزعيم الصحراوي محمد بن عبد العزيز، حتى تمَّ التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الجانبين في العام 1991م.

 

وقد كان تخلِّي موريتانيا عن الجزء الخاص بها من الصحراء يعود إلى الانتصارات العسكرية التي حققتها جبهة البوليساريو في السبعينيات على الاستعمار الأإسباني قبل خروجه على الجيش الموريتاني من بعد 1976م؛ مما أدى إلى قيامه بانقلابٍ عسكريٍّ على حكم الرئيس الموريتاني السابق المختار ولد داده؛ احتجاجًا على استمرار الصراع المسلَّح في الإقليم الصحراوي؛ حيث قامت القيادات العسكرية بتوقيع اتفاق في الجزائر مع جبهة البوليساريو في الخامس من أغسطس من العام 1979م تنازلت موريتانيا به عن إقليم وادي الذهب الصحراوي.

 

وحتى العام 1988م خاضت جبهة البوليساريو مجموعةً من المعارك المهمة مع الجيشين الموريتاني والمغربي، وهي أولاً مع الموريتانيين إنال والعرقوب وبنشاب وآوسرد ونواكشوط، أما مع الجيش المغربي فقد خاضت البوليساريو معاركَ السمارة وبيرنزران وطانطان وبوكراع، وكان القسم الموريتاني من الصحراء الغربية هو الأكثر عرضةً للعملياتِ العسكريةِ؛ وذلك لأن المغرب- وفي العام 1980م- سارعت ببناءِ حائطٍ واقٍ حول ما يسمى بـ"المثلث المفيد" (السمارة- العيون- بوجدور) وضمَّ المناطق الصحراوية الغنية بالفوسفات والمدن الصحراوية الأساسية؛ حيث جعل هذا السور أهم أراضي الإقليم الصحراوي بعيدًا عن هجمات الجبهة.

 

وقد لعبت مجموعةٌ من العوامل دورًا في تهدئة حدَّة الصراع المسلَّح في صدد الأزمة الصحراوية منذ منتصف الثمانينيات الماضية: أولها توقيع ليبيا على اتفاقية وجدة في العام 1984م، وبمقتضاها سحبت ليبيا تمويلَها لجبهةِ البوليساريو، ثم بدأت الجزائر في دخول أزمتها السياسية الداخلية التي عصفت بها في ذروة تحولات ما بعد المرحلة "البومدينية"- نسبةً إلى الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين- والتي بلغت أوجها في الفترة ما بين عامي 1988م (انتفاضة أكتوبر الدموية) و1991م، حينما تمَّ إلغاء نتائج الانتخابات البلدية والمرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية، والتي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية، كما كان لاتجاه الاتحاد السوفيتي السابق في عهد ميخائيل جورباتشوف إلى الكمون ومن ثم التفتت دورٌ في إنهاء النزاع المسلح في الصحراء.

 

وتعتبر الأزمة الصحراوية- التي لا تزال بلا حل إلى الآن- واحدةً من أهم عوامل تعطل عمليات التنمية في شمال أفريقيا وكذلك في زعزعة روابط العلاقات ما بين بلدان شمال القارة العربية (وهي تحديدًا ليبيا والجزائر وموريتانيا والمغرب) مع إخراج تونس نفسها إلى حدٍّ كبير من هذه اللعبة.

 

أين الجامعة العربية؟!

للباحثة الموريتانية فاطمة بنت عبد الوهاب دراسةٌ مُحكَمةٌ عن أزمة الإقليم الصحراوي بعنوان "الخلفية التاريخية للنزاع في الصحراء الغربية" وفيها تحدثت عن الأصول التاريخية للأزمة وجذورها الجغرافية والسياسية، بل والإثنية أيضًا، والتي تعود إلى مؤتمر برلين للدول الأوروبية الكبرى في الفترة ما بين 1884م- 1885م، والذي أقرَّ بالسيادة الاستعمارية الأسبانية على الصحراء وأجزاء أخرى من المغرب.

 

وحتى العام 1975م، حينما تفاعلت الأزمة في مدريد والأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية التي أصدرت في أكتوبر من ذلك العام رأيًا استشاريًّا في الأزمة؛ بناءً على مطالب من الرباطِ لم يرِدْ ذكر جامعة الدول العربية بالمرة في هذه الأزمة، رغم كافة ادعاءات النظم "الثورية" العربية الحاكمة في تلك العقود بأن "الوحدة العربية" ومصالح الأمة هما "أولى أولوياتها" ولكنها تفرَّغت لقضايا أبعد ما تكون عن مصالح الأمة، تاركةً وراءَها العربَ يتقاتلون في الصحراء الغربية وفي الأردن وغيرها من بقاع الأمة العربية.

 

وحتى عندما وقعت الانقلابات المتعاقبة في موريتانيا والأزمة الجزائرية ومن قبل الحرب ما بين المغرب والجزائر لم يكن هناك ذكرٌ تقريبًا لأي دور لعبته جامعة الدول العربية في هذا الصدد، رغم أن الجامعة كانت على رأس الفاعلين الإقليميين والدوليين في أزمة الكويت في العام 1990م؛ مما يؤشر بكل تأكيد إلى ارتهان الجامعة العربية- كأكبر رمز للنظام الإقليمي العربي- إلى قراراتِ القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.

 

وذلك على العكس من الأمم المتحدة التي انغمست في أزمة الصحراء الغربية منذ العام 1956م وحتى العام 1975م بمجموعة من القرارات التي أجبرت أسبانيا بالفعل بجانب المجهود العسكري لسكان الصحراء حتى من قبل البوليساريو- منذ انتفاضة الزملة في العام 1970م- على الانسحاب من الصحراء وغالبية مستعمراتها في الشمال الأفريقي والمغرب العربي والأفريقي.

 

حتى بعد ذلك ومنذ مطلع الثمانينيات شرعت الأمم المتحدة في محاولاتٍ عديدةٍ لحلِّ الأزمةِ المغاربيةِ- وفي القلب منها أزمة الإقليم الصحراوي- ومنذ التسعينيات الماضية وبعد إعلان وقف إطلاق النار بين الرباط والجبهة شرعت الأمم المتحدة في طرح مجموعةٍ من مخططاتِ تسويةِ الأزمةِ اعتمادًا على خيارِ تقريرِ مصيرِ سكَّان الصحراء.

 

ويمكن القول بأنها وفي عهد ثلاثة من أُمنائها العموم- وهم على التوالي: بيريز دي كويلار، وبطرس بطرس غالي، والأمين العام الحالي كوفي عنان- كانت الأمم المتحدة تحاول في الحدِّ الأدنى من نشاطها تنفيذَ القرارات التي تمدد عهدة المينورسو الأممية التي تنظم أوضاع الإقليم الصحراوي بشكل مؤقَّت لمدة 3 أو 6 أشهر وطلب تعاون مختلف الأطراف المعنية في هذا الصدد.

 

ومع عجز جامعة الدول العربية عن الحركة في الكثير من الأزمات والملفات في الآونة الأخيرة- وذلك الوضع مستمرٌّ منذ عقود- سواءٌ في الجنوب السوداني أو في دارفور أو فيما يتعلق بالأزمة العراقية أو في صدد أزمة سوريا في لبنان ومع الولايات المتحدة وفرنسا وبالطبع أزمة "لقمة العيش" في فلسطين المحتلة (وكلها أزماتٌ سالت فيها دماءُ ملايين من العرب والمسلمين دون أن نرى تحركًا يُذكَر من جانب جامعة الدول العربية) فإن جدوى استمرار الجامعة ذاته وليس مسألة الأمانة العامة لها وجنسية القائم عليها بات محلَّ تساؤل!!