تقرير- أحمد التلاوي

في مثل هذا التوقيت من العام 2003م بدأت القوات الجويةُ الأمريكيةُ والبريطانيةُ- بمعاونة قوة جوية أسترالية- مجموعةً من الغارات الجوية على مجموعة من الأهداف العسكرية والمدنية المنتقاة داخل الأراضي العراقية، وتبعتها تحركاتٌ لعدد من الفرق المدرعة الأمريكية والبريطانية داخل الأراضي العراقية انطلاقًا من الحدود الجنوبية للعراق مع الكويت، مدشِّنةً بذلك واحدةً من أسوأ الأزمات السياسية والأمنية التي عصفت بمنطقة المشرق العربي والإسلامي ربما منذ عقود بعيدة.

 

ولعله ليس من قَبيل المبالغة أن الغزو الأنجلو أمريكي للعراق في مارس من العام 2003م يُعتبر في ذات أهمية وتأثير الهزيمةِ العربيةِ في حرب يونيو من العام 1967م أمام الكيان الصهيوني ومن ورائه الولايات المتحدة، على مستوى ما أفرزته كلتا الحربين من تغييرات عميقة في البيئة الأمنية والسياسية وخريطة القوى في الشرق الأوسط، ولكن ما بين استهداف مصر وسوريا في ذلك الوقت واستهداف العراق في هذا الوقت جَرَت مياهٌ كثيرةٌ ودماءٌ عربيةٌ ومسلمةٌ أكثر تحت الجسور، ولكنه لا يكون من قَبيل التخريج السياسي القولُ بأن هناك خيطًا رفيعًا مخفيًّا يجمع ما بين الحربين: الحرب العربية- الصهيونية الثانية في العام 1967م، وحرب الخليج الثالثة في العام 2003م.

 

وهذا الخيط هو في واقع الأمر عبارةٌ عن حبل مفتولٍ مكوَّنٍ من أكثر من خيط اجتمعت كلها معًا لتربط ما بين الحروب العربية- الصهيونية وحروب الخليج الثلاثة، وكلها فيما بينها تمثِّل مكوناتِ صورة أكثر ما ينطبق عليها من مسميات "المشروع الاستعماري الغربي- الصهيوني" في العالم العربي والإسلامي؛ حيث لا يمكن في هذا السياق أن نفصِّل الغزوَ الغربيَّ للعراقِ عن الإطارِ العام لهذا المشروع مهما كانت المبرِّرات المُعلَنة التي قالتها واشنطن وبريطانيا في وقت الغزو.

 

مشروع استعماري واحد

لا يمكن بحالٍ من الأحوال فصل التطورات الأخيرة الراهنة في العراق عن السياقات العامة للحركة الأمريكية- الصهيونية والغربية بوجهٍ عام في العالم العربي والشرق الأوسط ربما منذ ستةِ أو سبعةِ عقودٍ، وتحديدًا منذ بدء تفاعلات المشروع الصهيوني في فلسطين وانتهاء الحرب العالمية الثانية بإعلان قيام "دولة الكيان الصهيوني" على أرض فلسطين التاريخية.

 

فعندما بدأَ يتضح بالنسبة للطُّغُم الحاكمة في واشنطن وباريس ولندن- وغيرها من عواصم الاستعمار الغربي- أن الاستعمارَ التقليديَّ المبنيَّ على الاحتلال العسكري والسياسي المباشر في المناطق العربية والمسلمة وغيرها من بلدان العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لن يصلحَ كشكلٍ من أشكال الهيمنة والسيطرة الدولية في العقود القادمة بدأ البحث عن أدوات هيمنة جديدة على هذه البقاع من العالم، لا سيما في المناطقِ المهمة منها، وعلى رأسها بطبيعة الحال الشرق الأوسط في القلبِ من بلدان الأمة العربية والإسلامية.

 

ومن هنا يمكن فهمُ بعضٍ من الأسباب التي قام لأجلها المشروع الصهيوني في فلسطين واتجاهاته التوسعية جنوبًا وشمالاً، ويمكن فهم أيضًا إصرارُ الولايات المتحدة على التغلغل السياسي في مناطق الخليج العربي وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى وسائر أرجاء العالم العربي والإسلامي ومحاولة ربط بلدان هذه المناطق في شبكة المصالح الأمريكية السياسية والأمنية، وكذلك الاقتصادية الواسعة في العالم؛ حتى لا يمكن لها أن تخرج عن نطاقات الفلك الأمريكي.

 

وهو ما أتى بنتائجه بالفعل؛ حيث باتت دول الخليج العربي ومجموعة أخرى من البلدان العربية موضوعةًَ أو مصنفةً- على سبيل المثال- في خانةِ البلدانِ "العدوة" للمشروع النووي الإيراني والتهديد الأمني والعسكري وكذلك السياسي الذي يمثله هذا المشروع للولايات المتحدة والكيان الصهيوني بعد أن باتت هذه الدول العربية والإسلامية ضمن تحالف واسع ضمنته الولايات المتحدة كل بلدان المنطقة تقريبًا.

 

وعلى هذا النسق يمكن الوصول إلى المزيد من الاستنتاجات التي تتعلق بالأهداف الفعلية أو الغايات الحقيقية التي لأجلها قامت الولايات المتحدة بالتعاون مع شريكها أو تابعها الآخر الأنجلو ساكسوني البريطاني بغزو العراق في مارس 2003م، وهي أن المقصود بالغزو هو أولاً