تقرير- سمير سعيد

جرت مؤخرًا الانتخابات البرلمانية الأوكرانية والتي تنافس فيها 45 حزبًا سياسيًّا على مقاعد البرلمان الأوكراني البالغ عددها 450 مقعدًا، والمعلومات تشير إلى أنه كان من بين هذه الأحزاب السياسية الـ45 توجد ثلاثة أحزاب قوية هي حزب "المناطق"- أو "الأقاليم"- الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق فيكتور يانوكوفيتش وحزب الرئيس الحالي فيكتور يوتشينكو "أوكرانيا بلادنا" وحزب رئيسة الوزراء السابقة تيموشينكو- أوكراين ما- اللذان حصلا على حوالي 20% من الأصوات.

 

وقد بلغت نسبة المشاركة 67% أي ما يُقارب 28 مليون ناخب أوكراني، وأظهرت النتائج الأولية التي أعلنت مؤشراتها حتى الآن تقدم حزب الأقاليم برئاسة فيكتور يانوكوفيتش بنسبة 26.6%، ومن ثَمَّ حزب رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة جوليا تيموشينكو بنسبة 23.44%، أما حزب أوكرانيا لنا التابع للرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو فقد حلَّ ثالثًا بنسبة 17%، والحزب الشيوعي 3.5%، وبالتالي فإنه حتى الآن استطاعت فقط خمسة أحزاب اختراق حاجز 3%، ومن المتوقع إلا يتم إعلان النتائج النهائية إلا بعد 20 يومًا من الانتخابات، وذلك للنظرِ في الشكاوى والمخالفات.

 

سحر تيموشينكو

هذه النتائج جعلت الرئيس يوتشينكو في حالة دوار، ويبدو أنَّ وجه الخطأ فيما فعله ذلك الزعيم "البرتقالي" هو عجزه عن تحقيق الطفرة الاقتصادية الأولى، والمعارك المريرة بينه وبين الرؤوس الأخرى المدبرة للثورة "البرتقالية" إضافةً إلى أزمةِ الغاز مع روسيا التي تضرر منها يوتشينكو إلى حدٍّ كبيرٍ وأوقعت تصدعات كبيرة وعديدة في جدارِ الثورة "البرتقالية".

 

ومما يُعتبر شوكة أخرى في جنبِ الحكومة الحالية افتقاد الاستثمارات الأجنبية والتي لا بد أن يوتشينكو كان يأمل في الحصولِ عليها في أعقابِ أحداث 2004م، التي شهدها العالم بأسره وهو ما فشل فيه، من ناحية أخرى كان مما سحر الناخبين شخصية جوليا تيموشينكو، ووعدها بإلغاء الصفقة مع روسيا التي أثارت الخلافات والتي كان قد تمَّ التوقيع عليها  في أوائل العام الحالي، وقد رفعت أسعار الغاز المستورد ورفعت معها أسعار كل شيء في كييف وسببت أزمة معيشية للمواطن الأوكراني.

 

نهاية بطل!

وعلى خلفية هذه النتائج يبدو أن بطل الثورة "البرتقالية" الأوكراني فيكتور يوتشينكو سيضطر لقبول المركز الثالث في الانتخابات البرلمانية، وذلك بعد حصول يانوكوفيتش وحزبه المعبر عن المناطق الموالية للروس على مكاسب كبيرة.

 

وحسب مشروع الدستور الأوكراني المعدل فإنَّ الأحزابَ السياسيةَ التي تحصل على أغلبيةِ مقاعد في البرلمان لها الحق في تقديمِ أسماء المرشحين لرئيس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة، وخلافًا للاستطلاعاتِ فإنَّ النتائجَ الحالية لفرزِ الأصوات أظهرت أنه حتى الآن لا يوجد حزب واحد قد حصل على أكثرِ من نصف عددِ الأصوات؛ لذلك فالاحتمال الأكبر حتى الآن أن تكون هناك حكومة جديدة ائتلافية.

 

وقد صرَّح الرئيس الأوكراني يوتشينكو بعد إدلائه بصوته أنه سيُجرى ابتداءً من اليومِ مفاوضات مع حزبِ رئيسة الوزراء السابقة تيموشينكو لتشكيل حكومة جديدة، وهذا يعني استبعاد إمكانية تشكيل الحكومة مع حزب المناطق الذي يتزعمه يانوكوفيتش.

 

وفور ظهور النتائج الأولية قام الرئيس الأوكراني فيكتور يوتشينكو بتكليف رئيس وزرائه ببدء المفاوضات لتشكيل ائتلاف مع الأحزاب الفائزة داخل البرلمان، وذلك لضمان منصب رئيس الوزراء لحزبه، رغم أن حزبه ليس الفائز في الانتخابات، فيما أعلن فيكتور يانوكوفيتش عن استعدادِ حزبه للدخول في ائتلافاتٍ مع الأحزاب الأخرى، ولكن ليس قبل إعلان النتائج النهائية للانتخابات.

 

قد يكون على الرئيس يوتشينكو- الآن- تسوية خلافاته مع رئيسة وزرائه وحليفته السابقة جوليا تيموشينكو التي حصل حزبها حاليًا على المركز الثاني، حتى يستطيع إحكام سيطرته على البرلمان.

 

من جانبها ذكرت جوليا تيموشينكو للصحفيين أنها راغبة في استرجاع منصب رئيسة الوزراء مرة ثانية؛ وذلك كتلميح لاشتراطها منصب رئاسة الوزراء مقابل التحالف مع الرئيس بضمانات لا تكرر ما حدث في السابق، حيث كان الرئيس يوتشينكو قد أقال جوليا تيموشينكو في سبتمبر الماضي، بعد نشوب خلاف بينهما، وسط صراع داخلي شديد بين زعماء الثورة "البرتقالية"، ومزاعم حول الفساد.

 

ومن المؤكد، إذا أصبحت هذه النتيجة نهائية، أن تتبوأ تيموشينكو مقعد القيادة، مع قدرة حزبها باعتباره في مركز القوة على تشكيل ائتلاف مع أعضاء البرلمان التابعين لـيوتشينكو، وصرَّحت تيموشينكو، بأن تشكيل ائتلاف بين الأحزاب التحررية التي شنَّت الثورة يُعتبر جاهزًا.

 

طبيعة خاصة

وهذه الانتخابات البرلمانية ذات طبيعة خاصة لأن لها ما يُميزها عن سابقتها: أولاً لأنها أول انتخابات تشريعية تتم في أوكرانيا بعد الثورة "البرتقالية"، وبالتالي فإنَّ نتائجها تتحلى بأهمية بالغة بالنسبة لمستقبل الوضع السياسي الأوكراني، ومن ثم فإنها تسترعى اهتمامات المجتمع الأوكراني والدولي، فبعد استقلال أوكرانيا بدأ ينظم فيها أسلوب الرئاسة فوق البرلمان أي أن رئيس الدولة هو القائد الإداري الأعلى والمسئول عن تشكيل الحكومة وله الحق في تنحية رئيس الوزراء.

 

لذلك فقد ظلَّ الجدال بين البرلمان والرئيس محتدمًا ومحتقنًا حول مدى صلاحيته في تلك الدول، وهكذا أدى إلى تغييرات وزارية متواصلة وعدم استقرار الأوضاع السياسية في البلاد، ولكن بدءًا من أول يناير هذا العام تحوَّل النظامُ السياسي في أوكرانيا إلى سيادةِ وعلو البرلمان على الرئاسةِ مغايرًا لما كان من قبل، هذا بالطبع قلل من صلاحيات الرئاسة وزاد من صلاحيات البرلمان، وهذا يعني أنَّ الأحزابَ السياسيةَ التي تشغل أكثر من نصفِ مقاعد البرلمان أصبح لها الحق في تقديم أسماء المرشحين لرئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، ومن ثَمَّ السيطرةَ على سلطة الدولة، وأصبح رئيس الدولة رمزًا للدولة ولا يملك السلطة الحقيقية؛ لذلك فإنَّ هذا التحول في النظامِ السياسي الأوكراني قد جعل هذه الانتخابات التشريعية تستقطب الاهتمام.
ثانيًا تبدو النتيجة المحتملة للانتخابات من فوز واضح للتيار الموالي لروسيا كتحول غريب بعد الشعور بالبهجة الذي صاحب انتخاب حليف الغرب فيكتور يوتشينكو رئيسًا للبلاد في عام 2004م.

 

ثالثًا تأتي تلك الانتخابات في أعقابِ مظاهرات حاشدة شهدتها الشوارع الأوكرانية والتي فرضت إعادة الانتخابات الرئاسية والتي مُني فيها يانوكوفيتش بالهزيمة، وأصبح التغيير السلمي الذي تلا ذلك في السلطة يعرف باسم الثورة "البرتقالية".

 

كما أن هذه الانتخابات التي جرت أخيرًا قد أدَّت أيضًا إلى ضخ حياة جديدة في مسيرة يانوكوفيتش السياسية، رغم الضرر الذي أحدثته الثورة "البرتقالية" فيها، ومن الواضح أنه ما زال يحظى بتأييد كبير في شرق أوكرانيا التي تتحدث الروسية بأكملها تقريبًا، وكذلك يحلق نفوذ الكريملين القوي في خلفية مناطق نفوذ يانوكوفيتش.

 

ومن ضمن العوامل المهمة التي تُعطي لهذه الانتخابات أهميتها هو أنَّ فوزَ يانوكوفيتش يُعتبر عودة النفوذ الروسي في كييف مرةً أخرى بعد هزيمةٍ كبيرةٍ في صراعِ الإرادات بين جهازي المخابرات الروسية والأمريكية فازَ فيها الأخير من خلال تنصيب يوتشينكو رئيسًا للبلاد، وبالتالي فإنَّ الفوزَ الأخيرَ للمعسكرِ الروسي يعتبر فوزًا في إطارِ صراع الإرادات بين كلٍّ من جهازي المخابرات لصالح الجانب الروسي في هذه المعركة.

 

كما أن نتائج هذه الانتخابات الأوكرانية سيكون لها تأثيرات هامة على مستقبل السياسة الخارجية الأوكرانية خاصةً السياسات المتعلقة بالغرب وروسيا، الأمر الذي يدعو الأوساط المختلفة في أوكرانيا إلى الاهتمام بمستقبل السياسة الخارجية الأوكرانية، والاهتمام تحديدًا بالإجابة عن سؤالٍ مفاده: هل ستميل إلى الغرب أم إلى روسيا؟!

 

وبلا شكٍ تعد نتائج هذه الانتخابات هزيمة جديدة للأمريكيين في المنطقةِ بعد نجاح الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو الذي يُعدُّ أكبر حليفٍ لروسيا وأكثر حلفاء روسيا ولاءً، في الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخرًا في بيلاروسيا، وكان لوكاشينكو قد عبَّر في حديث لمحطة تلفزيونية روسية عن ارتياحه لنجاحه في إفشال خطط التوسع الأوروبي بفوزه في الانتخابات التي جرت الأحد 19 من مارس 2006م، مشددًا على العلاقات الوثيقة بين كلٍّ من موسكو ومينسك.

 

وقال رئيس بيلاروسيا لمحطة (إن. تي. في) الروسية مساء السبت 25 من مارس 2006م بعد التهديدات الأمريكية والأوروبية بفرض عقوبات على بلاده واتهام بروكسل وواشنطن للوكاشينكو باعتقال معارضيه وتصفية نتيجة الانتخابات من مضمونها الديمقراطي: "إن الأوروبيين يرون أن لوكاشينكو دمر كل خطط التوسع الأوروبي وتوجه إلى الاتحاد مع روسيا"، وقد أدان لوكاشينكو باستمرار دعم الاتحاد الأوروبي لمرشح المعارضة للانتخابات الرئاسية الكسندر ميلينكيفيتش المؤيد لأوروبا والولايات المتحدة (والذي يُعدُّ قائد الثورة "البرتقالية" في مينسك)، معتبرًا أنها محاولة لزعزعة نظام مينسك لإخراج بيلاروسيا من دائرة النفوذ الروسي.

 

وقال لوكاشينكو: هل هناك في العالم مثال لدولتين متقاربتين مثل روسيا وبيلاروسيا؟ لا تبحثوا كثيرًا، ليس هناك مثل هذا الوضع-!!-، وأضاف: نعيش في دولة واحدة فعليًّا، مؤكدًا أنه يضمن علاقات جيدة مع روسيا التي تدعم إلى حدٍّ كبيرٍ الاقتصاد في بيلاروسيا عبر استيراد منتجاتها دون رسوم جمركية ومدها بالغاز بأسعار تفضيلية، وأكد لوكاشينكو أنه إذا واجهت روسيا مشكلة وكان علينا مساعدتها فستقدم لها كل ما نستطيع.

 

تيموشينكو بين معسكرين

الحديث الآن في كييف يدور حول توقعات ائتلاف بين حزبي يوتشينكو وشريكته بالثورة تيموشينكو ليعود "البرتقاليون" ليشكلوا أغلبية في البرلمان وهو ما سيقوي يوتشينكو بشكل خاص و"البرتقاليون" بشكلٍ عام، وهذا ما يخشاه حزب الأقاليم المعارض، وقضية الائتلاف هذه ستكون المحك في الأيام القادمة، وما إذا كان بوسع الصديقين السابقين- اللذين انقلبا إلى خصمين- أن ينحيا خلافاتهما جانبًا من أجلِ صالح الثورة ومستقبلها.

 

ربما تكون احتمالات الائتلاف كبيرة وشبه مؤكدة ولكن أزمة سبتمبر بين فيكتور يوتشينكو وجوليا تيموشينكو ما زالت ماثلة، وربما تتجدد وتحدث خلافات أثناء التفاوض حول شكل وأعضاء الحكومة ورئيستها والسلطات والصلاحيات الممنوحة لها وضمان عدم تكرار ما فعله يوتشينكو في سبتمبر الماضي، وربما تتشكل الحكومة ولكن تعود أزمة سبتمبر للتكرار مرة أخرى، وهذه المرة سيكون مفتاح اللعب في يد يانوكوفيتش، وهنا لن يترك الأخير فرصةً لشق الصف البرتقالي وإضعاف يوتشينكو إلا واغتنمها!

 

وفي حالة عدم تشكيل ائتلاف كهذا فإنَّ الخاسر الأكبر والوحيد سيكون يوتشينكو وحزبه- أوكرانيا بلادنا- لأنه في هذه الحالة من الممكن أن تذهب تيموشينكو إلى المعسكر المقابل لتتحالف مع يانوكوفيتش وحكومة كهذه من المتوقع أن تحظى بترحيب يانوكوفيتش كما صرَّح بترحيبه بالتحالف مع أي حزب لتشكيل الحكومة وربما كان يلمح للتحالف مع تيموشينكو لتطويق يوتشينكو في إطار تصفية الحسابات على خلفية ما جرى أثناء الثورة "البرتقالية" خاصةً أن يانوكوفيتش لن ينسى للأخير سرقة نجاحه في الانتخابات الرئاسية بدعم الأمريكيين والأوروبيين.

 

وإضافةً لهذا فإن تحالفًا كهذا من المتوقعِ أن يحظى أيضًا بدعم موسكو وأخطر ما يمكن أن تقدمه موسكو لكسر شوكة "البرتقاليون" أو بالتحديد يوتشينكو ومن يدعمونه هو تخفيض سعر الغاز لكييف بنسبة كبيرة للالتفاف على ما وعدت به تيموشينكو من إلغاءِ صفقة الغاز التي فشل يوتشينكو في إدارتها ونتج عنها أزمة اقتصادية كبيرة.

 

وتجدر الإشارة إلى أن تيموشينكو ما زالت لديها علاقات طيبة مع موسكو رغم أنها من أقطاب الثورة "البرتقالية"، وهو ما يجعلها الحصان الأسود في هذه الانتخابات والرابح الأكبر والعنصر الأهم والأخطر في تحديد ليس ما نتجت عنه الانتخابات، ولكن في تحديدِ دفة السياسة الأوكرانية أما غربًا وإما شرقًا، وفي وضع كهذا ربما يمكن القول إنَّ الثورة الأوكرانية "البرتقالية" ماتت في مهدها وبعد أقل من عامٍ ونصف العام فقط.

 

بين بوش وبوتين

الثابت أنَّ الثورةَ "البرتقالية" قد مُنيت بهزيمةٍ كبيرةٍ في هذه الانتخاباتِ التي تُعدُّ أهم من الانتخابات الرئاسية ما يعني هزيمة لواشنطن ومعسكرها في أوكرانيا وتبقى مسألة تشكيل الحكومة هي الأهم خلال الأيام القليلة الماضية هل سينجح "البرتقاليون" في تجاوز خلافاتهم ولمِّ الشمل أم سيستمر الانشقاق وبداية التحول للمعسكر الروسي هذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة.

 

نتائج الانتخابات الأوكرانية تضع الكثيرَ من علامات الاستفهام حول مصير الثورة "البرتقالية" الأمريكية في العالم فقد مُنيت هذه الثورة بهزائم كبيرة في بيلاروسيا وأخيرًا في أوكرانيا، بينما يقبع قبل هذا وذاك أيمن نور قائد هذه الثورة في مصر خلف جدران السجون دون أن تفعل واشنطن له شيء على خلفيةِ صفقات مع النظام المصري وكأنَّ شيئًا لم يكن ليكون نور أول ضحايا ثورته يُعاني السجن وانشقاق حزبه.

 

هذا من ناحية ومن ناحيةٍ أخرى يأتي ذلك أيضًا بعد الهزائمِ الكبيرة التي لحقت بحلفاء واشنطن في القارة اللاتينية في الانتخاباتِ الرئاسيةِ الأخيرة في هذه القارة ليُشير بجلاءٍ إلى أنَّ إدارةَ بوش هي إدارةِ الفشل والكوارث على الولاياتِ المتحدة وحلفائها!

 

أما بوتين الذي لم يُعلِّق بكلمةٍ واحدةٍ على ما حدث في كييف وابتسم لما حدث في مينسك يجلس منتصرًا ليتوج بطلاً قوميًّا لروسيا بعد أن أعاد لها بعض من مجدها المفقود ودورها كدولةٍ عظمى!!