- ندوة بالجامعة العربية تؤكد أن أمراض شباب العرب أساسها الاستبداد السياسي

- توافر الإرادة السياسية وتضامن الجهود بين الحكومات والمجتمع المدني أهم مداخل الحل

 

تقرير- أحمد التلاوي

حذَّرت ندوة مشتركة بين جامعة الدول العربية والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة من ثالوث يهدِّد الشباب العربي، وهو ثالوث البطالة والعنوسة والإيذر، حيث أجمع المشاركون في الندوة التي خُصصت على مدار اليومين الماضيين- الأربعاء والخميس 28 و29 يونيو 2006م- لمناقشة تقريرين أحدهما للبرنامج الإنمائي الذي حمل عنوان "الشباب العربي يخططون للأهداف الإنمائية للألفية"، والثاني للجامعة العربية، وحمل عنوان "الحالة المعرفية للمنتج البحثي حول الشباب العربي".

 

والتقرير الأول هو تقريرٌ مهم أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بالتعاون مع دائرة الشئون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة (UNDESA)، أمَّا التقرير الثاني فهو التقرير الذي أعدته جامعة الدول العربية عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذلك المعرفية العامة للشباب العربي، وهو التقرير السنوي الأول من نوعه للجامعة العربية حول هذه المسألة، على أن يكون إصدارًا سنويًّا تقليديًّا للجامعة، على اعتبار أن النغمة الأعلى حاليًا في برامج التنمية الدولية هي تلك المتعلِّقة بحديث التنمية المستدامة التي تعتمد معايير البيئة والتنمية البشرية مقياسًا مهمًّا لها.

 

محور مهم للتنمية

وطبقًا للمناقشات العامة التي سادت الندوة التي شهدت حضورًا دبلوماسيًّا وإعلاميًّا لا بأس به، فإن الاهتمام بمسألة تطوير الأوضاع التنموية والعامة للشباب العربي يجب أن يحتل مكانة مُهِمَّة في سياق الخطط الموضوعة من جانب الحكومات العربية للتنمية البشرية والاقتصادية الشاملة في بلدان العالم العربي.

 

وتعود تلك الأهمية إلى أن المنطقة العربية هي الأكثر شبابًا باعتبار أن الشباب هم المُكَوِّن الرئيس لهرمها السكاني على مستوى العالم، حيث يمثل الشباب ما بين 15 إلى 24 عامًا نسبة 20% من إجمالي تعداد سكان العالم العربي الذين يزيدون عن الثلاثمائة مليون نسمة، وإذا ما وُضِعَ الشباب في المرحلة العمرية حتى سن الـ39 عامًا تكون أمامنا نسبةٌ كبيرة للغاية لمورد تنموي مهم؛ وهو المورد البشري، ولكنها موارد مهملة غير مُسْتَغَلَّة.

 

وطبقًا لما كشفته الدكتورة عزة كرم- مستشارة البرامج بالمكتب الإقليمي للعالم العربي ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي- فإن قضية التنمية البشرية في العالم العربي يجب أن تأخذَ الحيز الملائم لها من التخطيط والبرامج التنفيذية، على اعتبار أنهم القوة الأهم في صناعة التنمية، وبالذات على المستوى المعرفي، في ظل حالة الانفتاح الإعلامي والمعلوماتي القائم في ظل العولمة الراهنة التي يجب أخذ فوائدها، دون سلبياتها.

 

وقالت كرم: إن تقرير "الشباب العربي يخططون للأهداف الإنمائية للألفية" قد تمَّ إعداده بناءً على ورش عمل وندوات ولقاءات مع كمٍّ كبير من الشباب العربي جرت طيلة العام 2005م، في البحرين واليمن والمغرب، وضمَّت المجموعات التي تمَّ اختيارها لمناقشة مشكلات الشباب العربي نحو 100 شاب من الجنسين من 16 دولة عربية.

 

وفي ظل الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السلبية التي تمر بها المنطقة العربية ومجتمعاتها، فقد باتت أزمات الشباب أكثر عمقًا وتأثيرًا، بما يتطلب البدء الفوري لعلاجها.

 

العولمة وأزمة المعرفة

وطبقًا لمحررة التقرير الأممي الدكتورة جيهان أبو زيد فقد فرضت العولمة في جوانبها المعرفية العديد من التحديات على الشباب العربي، لا سيما في المجال الإعلامي والمعلوماتي، على اعتبار أن هذا المجال هو الأكثر جاذبيةً حاليًا بالنسبة للشباب العربي، وفي هذا الإطار فإن كلَّ ما يَفِدُ عبرَ الفضائيات وشبكة الإنترنت- طبقًا لأبو زيد- ليس خيرًا مُطلقًا أو شرًّا مُطلقًا، ولكنْ من الواجب التدقيق فيما يتم أخذه من سيل المعلومات والصور والقيم- أيضًا- المنهمر عبر الشاشات الفضائية والافتراضية- أي السيبرية عبر النت.

 

ومن هذا الحديث فإن قضية الإعلام باتت تحتل مكانةً مهمةً في أي تفكير رشيد للحكم والتنمية، مع ما تمثله العولمة والجانب الإعلامي منها من "فرصة" بالنسبة للشباب العربي في ظل حالة الحصار السياسي والاجتماعي التي يعاني منها في مجتمعاتٍ متراجعة على سلم التقدم الإنساني العالمي.

 

وطبقًا للخطط التي وضعتها الأمم المتحدة للتنمية البشرية في العالم حتى الفترة الممتدة ما بين عامي 2015م و2020م فإن الأهداف التنموية للألفية الجديدة تفرض على كلٍّ من الأجهزة التنفيذية للحكومات العربية- والعالمية في واقع الأمر- وكذلك القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني التواصل والتوصل إلى رؤى محددة وواضحة لمشكلات الشباب العربي، وسبل علاجها قبل الحديث عن أية تنمية ناجحة، في إطار من التعاون الإقليمي والدولي "الواجب" في هذه المرحلة، ولكم يكن هاجس العولمة والمعرفة قاصرًا على التقرير الأممي، بل كان موضع اهتمام كبير في التقرير السنوي الأول للجامعة العربية عن الشباب العربي.

 

 مشكلات ومشكلات

التقرير السنوي الأول للشباب لجامعة الدول العربية- عن عام 2005م- صدر ضمن سلسلة دراسات وتقارير حول السكان والتنمية في العالم العربي، وركَّز ضمن ما ركز عليه- كما أكد خالد الوحيشي رئيس إدارة السياسات السكانية والهجرة بالجامعة العربية- على قضية اعتبرها ذات أولوية مُطلقة في المرحلة الراهنة، وهي قضية التمكين الاجتماعي والسياسي للشباب العربي، أي تسهيل عملية مشاركة الشباب العربي في الإصلاح السياسي والتنمية الاجتماعية، وفي هموم بلاده بوجه عام.

 

وفي سياق المناقشات التي جرت في أروقة الندوة- والتي ترأستها السفيرة نانسي باكير الأمين العام المساعد للقطاع الاجتماعي بجامعة الدول العربية - أكَّد مُعِدُّو التقرير ومسئولو الأمم المتحدة أن غالبية الشهادات التي حصلوا عليها من الشباب العرب الذين أُجري عليهم الاستبيان خلال إعداد التقريرين أجمعوا على أن السبب الرئيس لمشكلاتهم هو حالة "التغييب" التي يعانونها من جانب الحكومات العربية بالنسبة للمشاركة السياسية والاجتماعية وعن العمل العام.

 

وفي ظل أوضاع سياسية واجتماعية سيئة في غالبية البلدان العربية بات هناك مجموعةٌ من المشكلات العامة التي يعانيها الشباب العربي، ولا يختلف في ذلك شباب المدن والعواصم عن شباب الريف والأقاليم الفرعية للبلاد العربية، وكانت أبرز مشكلة ركزت عليها مداخلات المشاركين:

 

 1- البطالة التي وصلت إلى مستويات خرافية في الدول العربية- 29% في مصر مثلاًَ- وإن أثنى بعض مسئولي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تجربة بعض الدول الخليجية في مجال محاربة البطالة وتوطين الوظائف.

2-   العنوسة، وتأخر سن الزواج كنتيجة مباشرة للبطالة والفقر في المجتمعات العربية.

3-   جرائم الشرف والختان كمشكلات ذات خصوصية بالنسبة للفتاة العربية، وبالذات في المجتمع الأردني.

4- مشكلة مرض الإيدز، وهي مشكلة ذات طابع خَطِر، حيث أثبتت بعض الدراسات أن هناك دولةً عربيةً تعاني من نسبة تزايد سنويًّا لمصابي مرض الإيدز تبلغ نحو 4%.

 

مجتمعات مأزومة!!

ظهرت بطبيعة الحال مشكلاتٌ أخرى ذات طابع خاص أمام الشباب العربي في المجتمعات العربية التي تعاني من أزمات مثل العراق وفلسطين، حيث لا يعاني الشاب العربي أو الفتاة العربية من القهر السياسي أو الاجتماعي، وعدم التمكين فحسب، بل يُضاف إلى ذلك المشكلات التي تنشأ عن الانتهاكات الحقوقية وجرائم الحرب التي ترتكبها قوات الاحتلال، وعلى رأسها سياسات الحصار والتجويع كما في فلسطين، أو إثارة المشكلات الطائفية كما في العراق.

 

وكانت السودان- بجانب العراق وفلسطين- هي النموذج الأبرز الذي تم تناوله في جلسة استماع لعدد من ممثلي الشباب العربي من البلدان الثلاثة، وكان يترأس هذه الجلسة- على أهميتها- أوليج سرزهن رئيس دائرة الشئون الاجتماعية والاقتصادية بالأمم المتحدة، وقد عرض الشباب المشارك نماذج لحالات مهمة وصور عديدة حول ما يعانونه من مشكلات في بلدانهم من تدهور في البنية التحتية والأوضاع الإنسانية، بحيث يصبح الحديث عن التمكين الاجتماعي أو السياسي ترفًا كبيرًا!!

 

وعلى ظلام الصورة التي نقلها الشباب الذي شارك في هذه الجلسة، إلا أنه كانت هناك مجموعة من الأفكار التي بدأتها المجتمعات المدنية في هذه البلدان- بالذات في فلسطين والسودان- للالتفاف على آثار أزمات سياسية بلغت درجة من العنف غير المسبوق في التاريخ العربي.

 

غياب المعلومات وآليات التنفيذ

وفي إحدى جلسات الندوة أثار الدكتور عبد الباسط عبد المعطي- وهو أكاديمي يمثل المرصد العربي للشباب- وكذلك خالد الوحيشي من جامعة الدول العربية، مشكلةً مهمةً في صدد مشكلات الشباب في البلدان العربية، وعلى رأسها مشكلة البطالة (الطابع السياسي لها) وهي مشكلة غياب المعلومات، وعن البطالة بالذات، ولذلك فإن غالبية البحوث التي يتم إجراؤها عن هذه المشكلات تكون مبنيةً على غير أساسٍ سليم من معلومات وخطط علاج.

 

ومن هنا تحاول مشروعات مثل المرصد العربي توفير البيانات ووسائل المساعدة الأخرى لعلاج هذه الوضعية، وإن كانت هناك حالةٌ من الغموض الكبير حول مثل هذه المشروعات على ارتباطها بأجهزة البيروقراطية والمعلومات العربية الرسمية التي تعيق الوصول غالبًا لمثل هذه البيانات.

 

وهي مشكلةٌ عامة كانت محور تركيز الصحفيين والإعلاميين الحاضرين في القاعة الأندلسية بجامعة الدول العربية، حيث جرت فعاليات الندوة، حيث كانت مشكلة غياب المعلومات وغياب آليات التنفيذ عن البرامج والحلول الطموحة التي قدمها خبراء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والجامعة لهذه المشكلات.

 

وردًّا على سؤال لـ(إخوان أون لاين) للدكتورة عزة كرم حول هذه المسألة، أجابت بأنه بالفعل توجد مشكلاتٌ في آليات توصيل مثل هذه البرامج والحلول وحتى البيانات الخام لصانعي ومتخذي القرار في العالم العربي، أمَّا الدكتورة جيهان أبو زيد فقد طالبت في هذا المؤتمر ردًّا على هذا السؤال وأسئلة أخرى مثيلة له، بأن يتمَّ التماس العذر للعاملين في مثل هذا المجال؛ لأنهم ليسوا من صانعي القرار، ولكنهم مجرد "وسطاء" بين أصحاب المشكلة وصانعي القرار.

 

ومن هنا طالبت السفيرة نانسي باكير الإعلاميين ببذل "أقصى جهد" لإيصال الرسائل المرجوَّة من مثل هذه التقارير إلى الحكومات العربية عبر ما يمتلكه الإعلام من منابرِ عمل وقنوات اتصال.

 

وبوجه عام، ومن خلال المداخلات التي قيلت أو التوصيات وبرامج العمل التي وردت في ثنايا التقريرين محل الندوة، فإن مشكلة الاستبداد السياسي، ومتطلبات الإصلاح والتغيير يجب أن تكون على رأس أية أجندة عمل لإصلاح حال الشباب العربي الذي اكتوى أكثر من غيره بنيران الأوضاع السياسية السيئة في البلدان العربية.

 

وأكد المشاركون في توصياتهم أن تحقيق التواصل بين كافة الأطراف المعنية (الحكومات، القطاع الخاص، منظمات المجتمع المدني بالإضافة إلى المنظمات الإنمائية الدولية) يجب أن يكون على رأس أجندات العمل الشبابي في الفترة القادمة، على اعتبار أن الجهد المطلوب من توعية وعمل لن يكون مُمْكِنًا له أن يؤتيَ ثماره بدون أن يكون هناك تعاونٌ كامل بين كل هذه الأطراف وتَكَامُل إمكانياتها كافة، مع ضرورة توافر الإرادة السياسية للأجهزة التنفيذية في العالم العربي لعلاج هذه المشكلات وعلى رأسها التمكين السياسي والاجتماعي والبطالة.