تحقيق- تسنيم محمد

جميل أن يكرِّس الإنسان جزءًا من وقته لمساعدة الآخرين؛ حيث يقوم بدور إيجابي ودون مقابل مادي ابتغاء مرضاة الله ونَيل ثوابه، وهذا من شأنه أن يعطي للمتطوع ثقةً بالنفس وحبًّا للآخرين وإحساسًا بالمسئولية وملئًا لوقت فراغه بما ينفع ولا يضرّ، ولعل تقديم العون والمساعدة للفئات الأشدّ ضعفًا له الأجرُ الكبيرُ عند الله، وقد قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إن لله عبادًا خلقهم لحوائج الناس فقضَى حوائج الناس على أيديهم أولئك آمنون من فزع يوم القيامة" (ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج عن الحسن مرسلاً) فما أهمية التطوع بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم؟! وكيف يمكن تقديم العون والمساندة للأم؟! وما الفائدة التي تعود على المتطوع نفسه؟!

 

نماذج مشرفة

تقول هبة حسن (25 سنة) بكالوريوس خدمة اجتماعية: اشتركت في أحد النوادي التي تقدم المساعدة والدعم لذوي الاحتياجات الخاصة، ومن خلال تعاملي مع هذه الفئة اكتسبت خبراتٍ كبيرةً في هذا المجال؛ حيث تعلمت أن الحبَّ هو أقصر الطرق للتفاهم والتواصل معهم، وهذا الحب المتبادل بيني وبينهم جعلني أشعر أنني أعيش مع ملائكة، فهم لا يعرفون الكذب أو النفاق، فهم في منتهى التلقائية، وقد منحتني إدارة النادي شهادة تقدير وخبرة للعمل في هذا المجال.

 

سلوى فاروق (40 سنة) ربة منزل ومتطوعة بإحدى الجمعيات: تقوم بتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة القراءةَ والكتابةَ والأشغالَ اليدويةَ، ومن جانب آخر تقوم بتنظم برنامج خاص لتحفيظهم القرآنَ الكريمَ وتقديم الجوائز الرمزية لهم ولأولياء أمورهم.

 

حنان محمود (32 سنة) موظفة: تقول إنها تشارك ذوي الاحتياجات الخاصة في الرحلات وممارسة الألعاب الرياضية إلى جانب الفنون المختلفة، كالرسم، والغناء، كما تقوم بتنظيم المسابقات خلال العام الدراسي وبصفة خاصة خلال فترة الإجازة الصيفية؛ حيث تزداد هذه الأنشطة.

 

عماد محمد (20 سنة) بكالوريوس تربية رياضية: له أخ من ذوي الاحتياجات الخاصة يقول: في البداية كنت أشارك أمي الاهتمامَ بأخي الصغير، ومع مرور الوقت تعلمت أن هذا واجبي ليس نحو أخي فقط بل نحو كل طفل ذي احتياجات خاصة؛ ولهذا أستقطع من وقتي يومًا في الأسبوع أُساهم في تعليم أبناء الجمعية الرياضات المختلفة وخاصةً السباحة التي يتفوق فيها الكثير منهم.

 

أما عبد الحليم سعد (19 سنة) الطالب بكلية الآداب: فيشعر بمتعة عندما يقوم بهذا العمل، وقد تعرَّف على هذا الطريق من صديقٍ له كان يعمل في مجال التطوع منذ عام ونصف، ولظروف دراسته فهو ينتهز فرصةَ الإجازة لمشاركتهم في المعسكرات الصيفية التي تقوم بها إدارة الجمعية.

 

دور إنساني

وينبِّه الدكتور فكري عبد العزيز- استشاري الصحة النفسية ورئيس الجمعية المصرية للمعاقين- إلى أهمية الدور الذي تقوم به الجمعيات غير الحكومية في مجال التنمية والمشاركة المجتمعية مع هذه الفئة، من خلال مجموعة المتطوعين الذين يساهمون بشكل كبير في عودة هذه الفئة إلى الأمان الاجتماعي النفسي الصحي.

 

ويضيف أن عملية التطوع هي رسالة إنسانية يقدمها المتطوع، وهي تنميةٌ اجتماعيةٌ يصاحبها جهدٌ لا يثقل على الإنسان في قدراته أو إمكاناته ولكنها مساعدة دون هدف شخصي.

 

ومن صور التطوع التي يشير إليها جمع المال لشراء الأجهزة التعويضية لهذه الفئة أو التبرع بطبع بعض الكتيبات التي تساعد على تنمية العقل، وكذلك المساهمة في تنمية قدرات الأُسَر ومساعدتهم للأخذ بيد أبنائهم، وهذا أسلوبٌ جديدٌ تقوم به المؤسسات غير الحكومية.

 

زيادة الوعي

وترى الدكتورة نادية رجب- الأستاذ بمركز معوقات الطفولة بجامعة الأزهر- أن نظرة الناس لذوي الاحتياجات الخاصة قد تغيَّرت، فقد أصبح لدى الناس وعيٌ أفضل بهذه الفئة؛ حيث يقبل الناسُ على تعليم هذه الفئة حرفةً معينةً ومحاولة إيجاد وسائل تؤهِّلهم للعَيش بصورة طبيعية كالأشخاص الأسوياء.

 

وتضيف أن الشباب لديه وقتُ فراغٍ كبيرٌ خلال فترة الإجازة الصيفية، فلماذا لا يستثمره في عمل تطوعي مثل هذا؟! وهناك العديد من الأشخاص الذين يحصلون على دوراتٍ تدريبيةٍ في تخصصات الإعاقة المختلفة؛ استعدادًا منهم ورغبةً في العمل مع هذه الفئة.

 

وجديرٌ بالذكر أن هناك دراسةً ميدانيةً عن "التطوع في العالم العربي" قامت بها الشبكة العربية للمنظمات الأهلية أظهرت أن الشباب من سنّ 15 حتى 30 عامًا هم أقل فئة مهتمة بالتطوع، برغم إمكانات وقدرة الشباب في هذا السنّ للقيام بأعمال تخدم المجتمع بصورة فائقة.

 

ويرجع إحجام الشباب في العالم العربي عن التطوع إلى عدة أسباب، منها التنشئة الأسرية التي أصبحت تهتم فقط بالتعليم دون زرع روح التطوع وبثّ الانتماء ومساعدة الآخرين، كما أن مناهج وأنشطة المدارس والجامعات تكاد تكون خاليةً من كل ما يشجِّع على العمل التطوعي، هذا إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها معظم الشباب من الأسباب التي تدفع البعض للبحث عن عمل والانخراط به، وبالتالي عدم وجود وقتٍ كافٍ للتطوع.

 

الحساسية

سميرة عبد العزيز- أخصائية التأهيل المرتكز على المجتمع ومدير إحدى جمعيات رعاية المعاقين- ترى أن الشباب بفطرته يحب التطوع ولكنه يحتاج للتوجيه، وتضيف: المتطوع عندما يأتي للجمعية نقوم بتدريبه على كيفية التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة؛ لأن هذه الفئة تَفهم وتَشعر بمَن حولها وهم شديدو الحساسية أكثر من الأشخاص الأسوياء، ويفرِّقون بين المعاملة العادية والمعاملة المليئة بالحب؛ مما يجعلهم يتعلقون بهذا الشخص الذي يحبهم بصدق.

 

وتؤكد أن الأم التي لديها طفلٌ معاقٌ تحتاج للمساندة والدعم، ومَن يأخذ بيدها، خصوصًا في البداية، ولن يقدم هذا العون إلا أمٌّ أخرى مرَّت بنفس الظروف ونفس التجربة، وهنا يأتي دورُ كثيرٍ من الأمهات الذي يأتي مساندةً للأم الأخرى، فتنقل لها خبراتها في التعامل مع الأبناء.

 

وتوضح سميرة عبد العزيز أن للتطوع صورًا مختلفةً تبدأ من التبرع بالمال، ومن صور النطوع مثلاً في الفترة الصباحية عمل الأشغال اليدوية وتعليم القراءة والكتابة، كما أن هناك ناديًا أسبوعيًّا للأولاد، وهناك متطوعون رياضيون يشاركون في النشاط الرياضي، وهناك من المتطوعين من يأتي مرةً في العام للمشاركة في المعسكر الصيفي؛ حيث يوجد مثلاً أولادٌ على كراسي متحركة، يحتاجون معها لمتطوعين من الشباب لحَملهم ونقلهم.