وائل قنديل

"المفاجأة بكل صدق وتواضع أن التجربة خلال السبع سنوات الماضية أثبتت أننا (وأنا أتكلم عن نفسي) لم نفهم طبيعة المصريين والله والله والله".
هذا ما توصل إليه عبد الفتاح السيسي أمس في جلسة افتتاح مؤتمر اقتصادي مفاجئ، لم يذكُر فيه الاقتصاد كثيرًا، وإنما كان كل تركيزه على هواجسه الأمنية ومخاوفه من دعوات إلى التظاهر في الشهر المقبل.
الرجل الذي ظل، طوال عشر سنوات، يؤكد أنه يعلم كل كبيرة وصغيرة عن مصر والمصريين منذ خمسين عامًا، ويكرّر أنه يمتلك العلم الإلهي والوضعي بمشكلاتها وحلول مشكلاتها وخرائط شعبها النفسية والاجتماعية، يأتي الآن باعترافه المثير، والذي يطرحه على الجمهور بطريقة درامية جذّابة: الآن مع المفاجأة .. نحن لا نفهم طبيعة المصريين.
لا تجهد نفسك في البحث عن عدد المرّات التي أقسم فيها أنه لم ينتزع الحكم بالقوة إلا بعد تيقّنه من أنه الأعرف بالمصريين والأجدر والأقدر على إدارة شؤون حياتهم على النحو الذي يحقق لهم السعادة والرفاه، لأن المفاجأة الكبرى ليست في تراجعه عن هذا الادّعاء بالمعرفة العملية والعلم الديني الذي تلقّاه من الله مباشرة، بوصفه الحكيم الفيلسوف العارف.
المفاجأة هذه المرّة أنه يضع ثورة يناير (2011) والثورة المضادة في يونيو 2013 على درجة واحدة من التلمظ والتربص، وعلى لائحة واحدة من الاتهام بالمسؤولية عن التعثّر والفشل الذي تتخبّط فيه البلاد، على الرغم من أنه كثيرًا ما كان يعتبر نفسه قائدًا ومخطّطًا ومنفذًا لما جرى في العام 2013، والذي أوصله إلى الحكم، بعد انقلاب عسكري مكتمل الأركان، بشهادة العقلاء الموضوعيين فيما كان هو يعتبره ثورته.
نحن الآن بصدد لحظة نادرة يبدو فيها الجنرال كأنه ينفي صلته تمامًا بما يسمّيها أحداث 2013 من دون تحديد المقصود، هل هو مظاهرات الثلاثين من يونيو التي تبنّاها وحشد لها ودعمها، أم لحظة الثالث من يوليو التي أعلن فيها الانقضاض على الحكم، مسقطًا أكبر منجزٍ لثورة المصريين في 2011، وهو الانتخابات الديمقراطية للمرّة الأولى في تاريخهم؟
الأرجح هنا، والأقرب إلى العقل والمنطق، أن الرجل في لحظة قلق وجودي يدفعه إلى اتخاذ موقف سلبي من أي تجمع جماهيري حاشد، إن في ثورة شعبية خالصة كما في 2011 أو في ثورة مضادّة، ممهدة لانقلاب عسكري كما في 2013، ومن ثم فكل دعوات إلى الحشد والتظاهر في ظنه هي الخراب بعينه.
هذه الكراهية للتظاهر ولحركة الجماهير لا تقتصر على المصريين فقط، بل يتجاوزها إلى لبنان والشعب اللبناني، من دون أن يسميه صراحة، فيقول إن التظاهر قضى على دولةٍ وأضاع ودائع المواطنين في البنوك، بعد أن قتلت الثورة والحلم بالتغيير العملة الوطنية.
هكذا، بمنتهى البساطة والاختزال المخلّ، يريد أن يؤسّس لمعادلة تقول إن في الثورات موتًا للدول وضياعًا للشعوب، على الرغم من أنه في ديباجة دستور السيسي 2014، وتعديلاته عليه في 2019، تجد النص على ثورة يناير (2011) بوصفها عملًا عظيمًا من إبداعات الشعب المصري، حيث ورد في الديباجة: "جاهدنا، نحن المصريين، للحاق بركب التقدّم، وقدّمنا الشهداء والتضحيات، في العديد من الهبات والانتفاضات والثورات، حتى انتصر جيشنا الوطني للإرادة الشعبية الجارفة في ثورة "25 يناير – 30 يونية" التي دعت إلى العيش بحرية وكرامة إنسانية تحت ظلال العدالة الاجتماعية، واستعادت للوطن إرادته المستقلة". وفي موضع آخر، قالت ديباجة الدستور إن "ثورة 25 يناير- 30 يونيو، فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التي قدرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق".
الآن، يُظهر الجنرال كراهيته لكل أنواع التحرّكات الشعبية، وكأن شخصًا آخر غيره هو الذي رعى ثورة مضادّة حتى كبرت وتضخّمت واتسعت، فقفز فوقها ليصنع انقلابًا عسكريًا صريحًا، لا يتورّع عن القول إنه جاء استجابة لإرادة شعبية، وتنفيذًا لقرار إلهي، اختاره دونا عن غيره لتنفيذه، ليكون الحاكم بأمر الله.