حوار- روضة عبد الحميد

إحساس عجيب شعرتُ به عندما التقيت بأسرة الدكتور صلاح الدسوقي- الأستاذ بكلية الطب بجامعة الأزهر- والذي تمَّ اعتقاله ضمن حملة الاعتقالات الأخيرة للإخوان مع المهندس خيرت الشاطر؛ وإن كانت مشاعر الحزن قد غلفتني وأنا صاعدة لشقته، بما تحمله هذه المشاعر من مواساةٍ وعطفٍ، وما يمكن أن يحدث في مثل هذه الظروف والمناسبات، إلا أنني عندما جلستُ مع زوجته تغيَّر هذا الإحساس إلى شعورٍ آخر مخالف لما دخلت به شقة الدكتور الدسوقي، وربما السبب في ذلك هو الثقة والثبات الذي وجدت عليه زوجته الدكتورة أميرة أنور حسن- إخصائية النساء والتوليد-، وزوجها الدكتور صلاح من مواليد ميت غمر بالدقهلية وخريج طب الأزهر عام 1984م؛ وله ولد واحد اسمه أحمد يبلغ عمره ثلاث سنوات ونصف السنة.

 

د. صلاح الدسوقي

 

في بداية لقائنا روت لي د. أميرة ملابسات ووقائع لحظات الاعتقال التي عاشتها في الصباح الباكر ليوم الخميس؛ حيث ذهب زوجها لصلاة الفجر ولم يعد إلا بعد الضحى كعادته؛ وجلس يستمع للأخبار مثل أي يوم، وفي حدود الساعة السادسة والربع سمع زوجي ضجيجًا خارج المنزل ثم طرقات عنيفة على باب الشقة فأدركتُ أنه أمن الدولة فارتديتُ نقابي، وفتح لهم الدكتور الباب بكل هدوءٍ ودخل ضباط وعساكر منهم 3 يحملون رشاشات، فضلاً عمَّن ملأوا سلم الصعود والنزول خارج الشقة، وكان عددهم يتراوح من سبعة عشر إلى عشرين.

 

وكانت المكتبة هي أول شيء توجهوا له حينما دخلوا فقاموا بتفتيشها بدقةٍ وأخذوا كتبًا دينيةً عديدةً، فضلاً عن الأسطوانات التي فتشوا الدولاب الموجودة فيه بدقة، وسألوا عن جهاز الكمبيوتر لأنه موجود بغرفةٍ أخرى وأخذوا منه "الهارد"، ولم يتركوا أي حقيبةٍ إلا وفتشوا ما بها من أوراق؛ ولذا استمرَّ تواجدهم داخل البيت قرابة ساعة كاملة؛ بل لم يدعوا دولابًا ولا درجًا إلا وفتشوه بل حتى الحمام والمطبخ لم يسلما!!.

 

أريد أبي

في ذلك الوقت كان الطفل أحمد نائمًا وتؤكد والدته أنها حرصت على عدم إيقاظه أثناء تفتيش الغرفة، وكانت كأنها رحمة من الله عدم استيقاظه بالرغم من الحركة التي كانت حوله؛ وذلك حتى لا يفزع من منظر الرشاشات واختطاف والده الذي هو شديد التعلق به، وبعد أن استيقظ أخبرته أن والده سافر لليبيا (حيث سافر من قبل) في عمل.

 

وتذكر لنا الدكتورة أميرة آخر لقاء بين الأب وابنه، وأنه رغم انشغاله الدائم الذي يقلل من فرص التقائهما، مما يزيد الشوق بينهما إلا أن الليلة السابقه للاعتقال تناولا فيها العشاء معًا وكأنه ترتيبٌ من الله؛ وتؤكد الدكتورة أميرة وعيناها ممتلئة بالدموع أن ابنها دائم التشوق لوالده وعندما يستيقظ في الصباح فإنَّ أول شيء يسأل عنه هو والده؛  حيث كان كثيرًا ما يطلب منه أن يقوم هو بتجهيزه للمدرسة؛ بل إنه كلما رنَّ الهاتف قال إنه أبي ثم يتساءل عن سرِّ غيابه؛ ولماذا لم يعد حتى الآن وهل عدد المرضى كثير فلم ينتهِ من علاجهم!!. وحين يختلف الصغير مع والدته لاعتراضها على فعلٍ يبكي ويتساءل أين أبي؟؛ ولسان حاله يقول يكفيني أني محروم من أبي فأرجوكم لا تضغطوا عليَّ.

 

كان يمثل لأمه سببًا للحياة

أما والدة الدكتور صلاح فهي سيدة مسنة وتبلغ من العمر 72 عامًا أُصيبت قبل اعتقال ابنها بأسابيع بالفشل الكلوي؛ وكان ابنها هو الذي يشرف على علاجها بنفسه وتصادفت ليلة خروجها من العناية المركزة لما تعانيه من مشاكل بالقلب مع ليلةِ اعتقاله؛ وقد أخفوا عنها خبر الاعتقال واكتفوا بإخبار أشقائه ليتابعوا علاجها؛ وعلى الرغم من اقتناعها بأن ابنها سافر ليبيا وتصديقها ذلك إلا أنها كثيرًا ما تبكي وتقول إنها لا تدري هل ستقابله مرةً أخرى أم لا ثم تصمت وتقول لمَن بجوارها: "قلبي ليس مطمئنًا"؛ وتضيف الدكتورة أميرة أن والدة الدكتور صلاح فقدت شهيتها وترفض أخذ العلاج؛ فصلاح كان الإنسان الوحيد الذي يجعلها تهتم بصحتها وتُبدي البهجةَ فقط لإسعادِ ابنها البار بها.

 

وليست أمه فقط مَن أخفوا عنها الخبر وإنما أيضًا والدة زوجته أخفوا عنها خبر اعتقاله؛ لأنها بالإضافةِ لسنها الكبيرة؛ فهي غالبًا ما تبكي بعد أن تستمع للأخبارِ بشكلٍ عام من هول ما تراه؛ ولذا ستفقد آخر إحساس بالأمان حين تشعر بأن الظلم شديد القرب منها؛ فلا داعي أن تعيش في تخوفٍ دائم.

 

الجيران شهدوا الواقعة

ولقد كان الجيران شهودًا على واقعة الاعتقال؛ لأن توقيت الاعتقال كان توقيت الذهاب إلى المدارس، وعندما فتح الجيران أبوابهم كانوا في حالةِ ذهول، وعندما حاولوا سؤال الدكتور ما الذي يحدث له هددتهم قوات الأمن وصرخوا فيهم ليدخلوا منازلهم ويغلقوا الأبواب عليهم، مما دفعهم لتنفيذ الأوامر إلا أنه بعد أن رحلت قوات الأمن ذهبوا إلى زوجة الدكتور صلاح يتساءلون ما الذي يحدث؟ ولم تجد الزوجة ردًّا على استفهاماتِ الجيران، مما دفع البعض إلى التعليق بأنَّ ما حدث خطأ أو اشتباه سينتهي بعد يوم أو اثنين على الأكثر في تأكيدٍ عفوي منهم أن الدكتور فوق مستوى الشبهات، وتضيف الزوجة بنبرةٍ حزينةٍ أنَّ من بين الجيران مَن كان يبكي على زوجها بشدة.

 

وبعد أن غلبها البكاء تقول الدكتورة أميرة إنَّ الزوجَ لا يغني عنه أحدٌ لا أب ولا أخ؛ ففي ظل غياب زوجي أشعر بأني وحيدة في هذه الدنيا، ولا معين على تلك الحياة إلا الله ولا معين بعده وكفى به.

 

أين حماة القانون؟!

وعندما سألتها عن التهم التي وجهتها النيابةُ لزوجها أبدت استنكارها واستياءها مما نُسِبَ إليه من تهم، وأكدت أن المجتمع كله يعرف كيف يتم تلفيق التهم؛ إلا أن الفاجعة أن حماة لقانون هم أول مَن يخالف القانون!!.

 

وترفض الدكتورة أميرة وصف ما حدث لها بأنه محنة، مؤكدةً أنَّ ما حدث منحة من الله تعالي، وأنه وحده القادر على أن يُنجيهم من ذلك الابتلاء؛ مؤكدةً أنه حتى وبعد إطلاق سراح زوجها لن يكون هناك أي تغييرٍ في فكرهم أو منهجهم أو حياتهم، وأرجعت السبب ببساطة إلى أنه لم يفعل شيئًا خطأً يتوجب عليه أن نقف وقفةً مع أنفسنا؛ فنحن على الطريق السليم الصحيح.