مسئوليتنا نحن تلامذة الإمام القرضاوي بعد وفاة الإمام المجتهد المجدد لهذا العصر

سلمان الحسيني الندوي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد!

فإن وفاة العالم الجليل الداعية المجتهد المجدد، لم تكن خسارة بلد أو طبقة، أو مؤسسة، إنها خسارة الأمة الإسلامية، وهي أحوج ما تكون إلى هؤلاء الرجال العمالقة في الفكر والفقه والدعوة والإصلاح، إننا فقدنا رجلا كان أمة، وكان بحق قائدًا ومرشدًا للأمة الإسلامية كلها في أحلك أزمانها، وأشد ظروفها وأقسى أوضاعها .

إنه كان – والحق أحق أن يقال ويعترف به – عالمًا ربانياً، مجاهدًا بالنفس والنفيس والغالي والثمين، ضحى في سبيل نصرة الإسلام بجاهه، وصيته، ونفسه وماله، وراحته وعافيته، وزأر زئير الأسود في وجوه الطواغيت والجبابرة، والعتاة الطغاة، إنه خاض معركة مصيرية بقلمه ولسانه، وحله وترحاله، وزمجرته، ودك حصون الباطل وقلاعه في آخر سنوات حياته، فكانت له مع الشعوب المسلمة الفتوح والانتصارات في العالم العربي والإنساني، وكان الخزي والعار والشنار لمعارضيه، وكارهيه، وشانئيه، والطاعنين فيه، لقد خابوا وخسروا، وسقطوا، وذلوا، فلم يبق لمن بقي منهم أي اعتبار، وأي شأن .

إننا فقدنا العالم المفسر المحدث الفقيه الأصولي النظار المفكر الأديب الخطيب الشاعر، المتكلم الموفق في العقائد جامعًا غير مفرق، مؤلفاً غير مشتت، مقربا غير مباعد، داعيا غير مفت فحسب وقاض، فقدنا المجتهد في الفقه الإسلامي، في أصول الشريعة الإسلامية وفروعها مقعدًا غير مميع، ضابطا غير مسيب، مقصدياً غير مجزئ ومتجزئ، اجتماعيًا غير متفرد، منعزل ولا مفرد، عازل وفاصل، اقتصاديا رفيقا حكيما جامعًا، غير رأسمالي ولا اشتراكي، غير مسرف ولا مرابٍ، ولا مشدد ولا متنطع، سياسيا منفتحا، يعترف بالتنوع والتعدد، والرأي والرأي الآخر، والموافق والمعارض، ويرفع راية العدل والنصفة، والتسامح والنظام الإسلامي الخيري المحافظ على الحقوق . إننا فقدنا رجلاً كان أمة، قائدًا سائدًا رائدًا لرجال الأمة الأحرار، وأبطال العلماء الأخيار .

لقد كتب عن الإمام الفقيد في أيام حياته فطاحل العلماء وجهابذة الفقهاء، وكبار الدعاة، ومشاهير الكتاب والأدباء والشعراء، ونشر له وعنه الكثير والكثير، وسوف تفرد في حياته وأعماله ومنجزاته كتب ومجلدات، وستصدر دراسات، ورسائل ماجستير ودكتوراه ووثائقيات، ولكن أهم ما ينبغي عمله، تعريف الشباب المسلم، والنشء الإسلامي بهذه الشخصية الجامعة الفريدة، وبمنهجه الوسط بين التشدد والتسيب، والانغلاق والتميع، والظاهرية الحرفية، والانفلات والافتئات، لا بد من تعريف طلاب العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية بصورة خاصة بهذا المنهج المتميز الفريد الذي يحتاج إليه جيلنا المعاصر، حاجة أكيدة شديدة، فقد توزع الناس وتفرقوا، ولا يعرفون كيف يجتمعون، ويتحدون ويتراصون، وأنهم – وأنا على يقين – لو درسوا منهج القرضاوي بجد ودقة وصبر وفهم لاستطاعوا رص صفوفهم، وتقارب وجوههم وقلوبهم، لذلك أرى أن تبرز هذه الجوانب من فكره وفقهه، وحكمته ودعوته، وإننا بذلك إن شاء الله نخدم شخصيته، ونمد ظلاله وآثاره، ونقوم بأداء بعض حقوقه علينا وعلى الأمة المسلمة كلها.

إنه يسرنا أن أمير قطر كان يقدره ويجله، وأنه أمر بإصدار تراثه وموسوعته في مائة مجلد، فهنيئاً له، وهنيئا لدولة قطر شعبا وحكومة، إذ كانت مقره، ومركزه، ومكان إشعاعه، ومجمع جهوده، ومساعيه واتحاده .

وإننا لعلاقة الإمام القرضاوي بسيدنا وجدنا الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي – رحمه الله –، وبجامعة الإمام الشهيد – بصفة خاصة – نبشر أصحابه وتلامذته بإقامة مركز للإمام القرضاوي، ومعهد للدراسات العليا لكتاباته وفقهه وأفكاره، ونلتمس من أمير قطر أن يقيم معهدًا عالياً للدراسات القرضاوية، كما نلتمس من الدكتور محمد الريسوني خليفته عن جدارة أن يقيم معهد الإمام القرضاوي للدراسات الإسلامية في المغرب، ويسرني أن ألتمس من الرئيس الحالي الأستاذ الدكتور حبيب سالم السقاف الحسيني أن يقيم على أرض إندونيسيا مركزًا للبحث والتحقيق والدراسات العليا باسم الإمام القرضاوي – رحمه الله تعالى –.

وألتمس أخيرًا من الدكتور السيد الشريف علي محي الدين قرة داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن يهتم بإقامة ندوات علمية فقهية دعوية في عدد من بلدان العالم الإسلامي وفي أوربا، وإفريقيا، وأمريكا بصورة خاصة تعريفًا بإمام هذا العصر، ومجتهده ومجدده . فذلك أدنى ما نقدمه للفقيد من تحفة وهدية، في عالم يستبشر فيه صاحبه بهذه الهدايا العلمية والدعوية والتربوية والإصلاحية .

اللهم ارحم الفقيد واغفر له، وارفع درجاته في أعلى عليين، وألهم خلفه وصحبه وتلامذته ومحبيه ومقدريه كل ما فيه الخير في الدنيا والآخرة، يا أرحم الراحمين .

وصلى الله وسلم وبارك على النبي الأمي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين .