تحقيق- أحمد رمضان

لأن الزمن الذي نعيشه تراجعت فيه الثقافة فإنَّ معرضَ القاهرة الدولي للكتاب لم يقتصر على مجرد عرض الكتب وإقامة الندوات الثقافية، ولكنه تحوَّل إلى معرض المهن الشبابية كإفرازٍ لخطر البطالة الذي يهدد المجتمع المصري والذي وصل إلى حوالي 10%، وبالتالي فلا عجبَ إذا وجدنا شبابًا يحملون مؤهلات عليا ويعملون في معرض الكتاب الذي يستمر نحو 15 يومًا بمكافآتٍ تتراوح ما بين 600 جنيه و750 و900، بل هناك مَن يرضى بالعمل بمقابل 100 جنيه فقط بالإضافة إلى عمولةٍ على ما يُباع، وهؤلاء هم الأغلبية، وكان منهم أحد طلاب تربية إنجليزي بجامعة عين شمس الذي ارتضى أن يعمل شهرًا كاملاً (15 يومًا قبل المعرض للتجهيز و15 يومًا أخرى فترة المعرض) مقابل الحصول على حذاء!!.

 

وبمجرد الدخول لمعرض الكتاب ترى سيلاً من الشباب في مهن مختلفة فهذا يعطيك "بوستر" لبعض المنتجات سواء إليكترونية أو ورقية والآخر يهتف (أي كتاب بجنيه)، وثالث ينادي من خلف فاترينة الفيشار والآيس كريم لجلب المارة إلى بضاعته وبجواره شاب يعلن عن الهاتف المحمول لمَن يريد التحدث بمقابل؛ بل سيجد كل مَن سيذهب لمعرض الكتاب أن هناك شبابًا يقومون بتصنيع العطور كهواية التي لم تأتِ إلا بعد فشل كل محاولات العمل في مجال كل شاب منهم.

 

وبالرغم من اختلاف المهن التي يمارسها الشباب في معرض الكتاب، إلا أن هناك قواسم مشتركة بينها جميعًا، وهي أن الشباب الذين يمارسونها يحملون مؤهلات عليا إلا القليل منهم فهربوا من نار البطالة الفاحشة إلى المعرض؛ ظنًّا منهم أنه الجنة أو القشة التي يتعلق بها غريق بحر البطالة في مصر.

 

طلاب وخريجون

البداية كانت من إحدى المكتبات بجوار باب الدخول مباشرة وتقابلنا مع أحد الشباب ويُدعى محمد حسانين طالب بتربية الأزهر من محافظة سوهاج، والذي حدثنا بحذرٍ حتى لا يلاحظ ذلك المشرف على المكتبة فيطرده من (جنة المعرض) يقول محمد إنه عمل بالمعرض مرتين، وإنه حريصٌ على أخذ إجازة طيلة فترة المعرض؛ لأنه يتحصل فيها مبلغًا من المال يساعده في شراء الكتب والمستلزمات الدراسية.

 

وأمام جناح إيطاليا (ضيف الشرف في المعرض) اقترب منا هشام عبد العال- خريج آداب تاريخ- يعطينا "بوستر" لشراء أجهزة إليكترونية وبعد أن عرف أننا نعمل موضوعًا عن المهن الشبابية في المعرض رحَّب بذلك ولسان حاله يطالب بنقل الأوضاع التي يعاني منها أمثاله لدرجة توزيع بوسترات في معرض الكتاب.

 

ويقول هشام: إن هذه هي المرة الأولى للعمل في المعرض، وعن طبيعة عمله يوضح أنه يتدرب على هذا العمل قبل المعرض بعشرةِ أيام ويتمثل المقابل الذي يحصل عليه في نسبة 5.% من أرباح كل جهاز ينجح في استمالةِ أي عميلٍ لشرائه، بالإضافة إلى مرتبٍ ثابتٍ يُغطي نفقات وسائل المواصلات.

 

وأعرب هشام عن عدم ارتياحه للعمل بمجالٍ بعيدٍ عن تخصصه، مشيرًا إلى أنه طرق كل أبواب العمل ولم يجد سوى خوض تجربة معرض الكتاب.

 

ومن أمام محل لتصنيع العطور بالمعرض تحدثنا مع محمد مصطفي- خريج كلية العلوم- والذي أكد أنه حريص على العمل بالمعرض كل عام، مشيرًا إلى أن مردوده المادي جيد إلا أن هذا العام لا يشهد رواجًا رغم وجود خصومات؛ حيث تبدأ زجاجات العطر بعشرة جنيهات، ولفت محمد الانتباه عندما أكد أنه لن يعمل في مجاله الذي تخرَّج فيه لأنه أحب تصنيع العطور وأخذها كهواية قبل أن تكون عملاً بعدما شعر باستحالة العمل في مجاله بسبب الأوضاع السائدة من حوله ويعيشها كل الشباب.

 

"سبوبة حلوة"

ثم استوقفنا أحمد حامد محمد- دبلوم تجارة- قليلاً عن الهتاف لبيع الآيس كريم الذي أكد أنه يأتي كل عام لبيع الآيس كريم في معرض الكتاب؛ نظرًا للرواج الكبير خاصة هذا العام والإقبال على شراء الآيس كريم، مشيرًا إلى أن العائد المادي الذي يتحصل عليه أثناء فترة المعرض يقوم بادخاره للزواج، موضحًا أنه يعمل في غير أوقات المعرض (صنايعي مقصدار) بمحل ملابس قائلاً: (باخد أيام المعرض الـ15 يوم إجازة علشان بطلع بسبوبة حلوة).

 

ثم مررنا بفاترينة فيشار يمتلكها محمد حمدي خريج كلية التجارة بالإضافة إلى تليفون محمول يتحدث فيه المارة بمقابل؛ وأوضح محمد أنه يأتي المعرض لأول مرة ذاكرًا نفس أسباب الشباب الذين سبقوه من عدم وجود فرض عمل وأن (الشغل مقفول بره وبالتالي اخترعت "نظام جديد" للعمل وهو الفيشار والمحمول في معرض الكتاب) على حدِّ قوله، كاشفًا النقاب عن أنه يتعرَّض للعديد من الضغوط من إدارة الحي التي أجرت له مكان بيع الفيشار، مشيرًا إلى أنهم يتعاملون معه كبائع متجول بالرغم منه أنه دفع إيجار المكان، وبالتالي قد تتم إزالة فاترينته أو تكسيرها من قبل شرطة بلدية المعرض.

 

وأخيرًا قال عبد الرحمن- الطالب بكلية العلوم- إنه كان يعمل منذ 5 سنوات في المعرض في أحد محلات بيع أسطوانات الكمبيوتر (CD) إلى أن تفهَّم عملية البيع وتمرَّس عليها فقام بتأجير مكان من أحد الأشخاص بالمعرض كوسيطٍ بينه وبين إدارة المعرض وأجَّر محلاً لبيع هذه الأسطوانات خاصًا به بحيث يتقاسم عبد الرحمن الربحَ مع صاحب المكان بواقع النصف لكل منهما.