تزايدت مخاوف سكان الضاحية الجنوبية في العاصمة اللبنانية بيروت من الإنذارات التي وجّهها جيش الاحتلال الصهيوني بإخلاء عدد من أحيائها المكتظة بالسكان، حيث تجري تحضيرات عسكرية، لتفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً في المواجهة على الساحة اللبنانية.
ويأتي ذلك في ظل توسع قوات الاحتلال في عدوانها على لبنان واشتعال الجبهة الشمالية، ما يدفع محللين إلى قراءة هذه الإجراءات بوصفها مؤشرات على سيناريوهات ميدانية قد تحمل تداعيات كبيرة على العاصمة اللبنانية ومحيطها.
دلالات عسكرية وسياسية
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة إن طلب الاحتلال من سكان أربعة أحياء كبرى في الضاحية الجنوبية إخلاء منازلهم والتوجّه شرقاً نحو طريق بيروت–دمشق، وشمالاً نحو طريق بيروت–طرابلس القريب من الحدود السورية، يحمل دلالات عسكرية وسياسية لافتة.
وأوضح الحيلة أن أولى هذه الدلالات تتمثل في احتمال وجود نية لدى الاحتلال لتدمير الضاحية الجنوبية بشكل واسع، على غرار ما حدث في قطاع غزة، بهدف تفريغ المنطقة من سكانها وضرب الحاضنة الشعبية لـ حزب الله.
وأضاف أن هذا السيناريو، في حال تنفيذه، قد يؤدي إلى تغيير كبير في الواقع الميداني داخل الضاحية الجنوبية، عبر تدمير بنيتها العمرانية وإفراغها من السكان، بما يتيح للصهاينة فرض معادلات جديدة في المواجهة مع الحزب.
وأشار الحيلة إلى احتمال آخر يتمثل في أن تكون عمليات الإخلاء تمهيداً لخطوة عسكرية لاحقة، قد تشمل تنفيذ عمليات إنزال في المنطقة بعد تدميرها، بهدف التموضع العسكري جنوب بيروت وبسط السيطرة على محيط مطار رفيق الحريري الدولي، الذي يقع بمحاذاة الضاحية الجنوبية ويُعد أحد أهم المرافق الحيوية والاستراتيجية في لبنان.
ونبه إلى أن السيطرة على هذه المنطقة أو التحكم بها ميدانياً قد يمنح الاحتلال الصهيوني موقعاً متقدماً على مشارف العاصمة اللبنانية، ما يتيح لها التأثير بشكل مباشر في المعادلات الأمنية داخل بيروت.
كما حذّر الحيلة من أن نجاح هذه الخطوة قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التمدد العسكري داخل العاصمة، إذ قد يمتد المخطط – وفق تقديره – إلى تفريغ أحياء أخرى في بيروت والتمدد جغرافياً داخلها.
وأوضح أن تحقق مثل هذا السيناريو سيعني، في حال وقوعه، أول احتلال مباشر لعاصمة عربية في سياق ما يُعرف بمشروع "إسرائيل الكبرى”.
وفي هذا السياق، أشار الحيلة إلى أن جيش الاحتلال كان قد أفرغ نحو 170 قرية وبلدة تقع جنوب نهر الليطاني وحتى الحدود مع فلسطين، وهي منطقة تعادل قرابة 10% من مساحة لبنان، معتبراً أن ذلك قد يكون تمهيداً لعملية اجتياح بري واحتلال تلك المناطق.
رفع الكلفة على الحاضنة الشعبية
من جهته، قال المحلل السياسي اللبناني خليل نصرالله إن طلب إخلاء مناطق واسعة في الضاحية الجنوبية تمهيداً لشن غارات جوية يحمل هدفاً أساسياً يتمثل في رفع الكلفة على الحاضنة الشعبية للمقاومة.
وأوضح نصرالله أن استهداف المناطق المدنية والضغط على السكان عبر أوامر الإخلاء والقصف الواسع يعكس محاولة صهيونية للضغط غير المباشر على حزب الله، من خلال استنزاف البيئة الاجتماعية التي تحتضنه.
وأضاف أن هذه السياسة تعكس في الوقت ذاته محدودية قدرة الاحتلال على إلحاق ضرر حاسم بالبنية القيادية والعسكرية للحزب، الأمر الذي يدفع الاحتلال – بحسب تقديره – إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل الأحياء السكنية والبنية المدنية في مناطق نفوذ الحزب.
وأشار إلى أن مثل هذه الاستراتيجية تهدف إلى خلق ضغط شعبي داخلي على المقاومة، عبر تحميل المجتمع المحلي كلفة المواجهة العسكرية، في محاولة للتأثير في معادلات الصراع الجارية على الجبهة اللبنانية.
وأكد نصرالله أن استهداف الحاضنة الشعبية للمقاومة عبر الغارات والتهديدات بالإخلاء يعكس طبيعة المعركة الدائرة حالياً، والتي لا تقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل تمتد أيضاً إلى محاولة كسر البيئة الاجتماعية والسياسية التي تشكل العمق الشعبي للمقاومة في لبنان.