د. ليلى محمد بلخير

يزداد شغف النسوية الغربية بإقصاء الدين عن الحياة، أو فرض نسخة تطورية منه ليصبح أكثر عقلانية وكونية وإنسانية، ومنسجمًا مع كل الثقافات مرة واحدة، متسامحًا مع كل أشكال الشر أيضًا، ويُعد الهاجس اللاديني لصيقًا بالفلسفة النسوية، ومتابعًا جيدًا لكل مفاهيمها وطروحاتها، في وصال مع فكر ما بعد الحداثة، من خلال تركيزها على إظهار المشترك الأخلاقي في ميوعة شديدة وسيولة، وتحطيم المركزيات الثابتة وتجسيد اللاقيمة.

«ويعتقد الفكر ما بعد الحداثي أن الحداثة، في محاولتها فرض نموذج ميكانيكي مصطنع على الكون، تركتنا بمنظور ممزق للعالم، وهو منظور يخلق ثنائية مصطنعة تفصل جذريًا بين العقل والجسد، والذات والموضوع، والثقافة والطبيعة، والأفكار والأشياء، والقيم والحقائق، والروح والمادة، والإنساني وغير الإنساني»(1)، تمهيدًا لنموذج لا يشبه البشر، هجين ومتلبس بكل ألوان الشر.

عصر ما بعد النموذج وإعلاء منظومة الفوضى

عندما يُستبعد الدين عن قيادة الإنسان والحياة، تسود الفوضى والفساد، وتتفاقم الأمراض النفسية والاجتماعية، ويضطر الناس للعيش وسط اختلالات فظيعة، وبصعوبة تتأقلم أرواحهم في ظل ضياع البوصلة التي تحدد الاتجاه الصحيح، في ظل احتدام وتسارع الخطوات بلا ضوابط.

وسار لزامًا علينا أن نقول إننا دخلنا عصر ما بعد النموذج، زمن اختلاط المرجعيات باسم المرونة الكاذبة والانفتاح على الآخر المتعدد في ذوقه ومزاجه، ووصلنا، للأسف الشديد، إلى الإسفاف والتلاعب بالعقول وقلب الحقائق، وبعدما كان العالم منشغلًا بإنشاء نماذج للنظام، أصبح الآن منصرفًا لإعلاء نماذج للفوضى، بداية من محاولة تفكيك الدين وأركانه، والاحتفال بنماذج مشوهة ومائعة، متسامحة مع الفساد وراضية بالقذارة.

وبالتالي، كان سهلًا التلاعب بكل أنظمة القيم الإنسانية، تمهيدًا لعالم متسامح مع كل أشكال الفساد، وعالم قذر تنصهر فيه المبادئ، ويتعامل فيه البشر كنفايات أو كائنات زائدة عن الحاجة.

نحن في عصر التزييف البارع والتحول الجنسي وعبادة الأهواء، «وبالمناسبة، يعامل الانتماء الديني بنفس الانفتاح الذي يعامل به الانتماء الجنسي»(2)، وفي نظرهم يعادل التحرر الجنسي قمة التحرر المجتمعي، ويتم التلاعب بدقة بالذاكرة والإدراك ليسهل السيطرة على البشر.

بعد تفكيك كل الثوابت وزرع اللاجدوى واللاقيمة، وقد تم رفع شعار نزع القداسة عن كل شيء، وطبعًا ساهم في ذلك التحول الكبير في تفريخ أشكال متعددة للشر وبصورة سائلة مختلفة عما كان سابقًا؛ «فأغلب الأنواع المقيتة اللعينة للشر، من الشرور الفتاكة بجسد الإنسان، ومرورًا بالشرور المدمرة للاجتماع الإنساني، ووصولًا إلى الشرور المدمرة لروح الإنسان، كل هذه الشرور لم يعد من الممكن احتواؤها في أية حاوية، فضلًا عن إحكام احتوائها، إنها تتدفق بحرية، وتخترق بسهولة كل الحدود الطبيعية أو الصناعية»(3)، ويصعب أيضًا معرفة مساراتها والتعامل مع طغيانها.

شيطنة الجسد والوثنية الجديدة

لا شك أن العلاقة بين نبذ الدين وعبادة الجسد وطيدة في زمننا هذا، حيث اتضح التقاء خط الإلحاد بخط شيطنة الجسد بشكل لافت للنظر؛ لأن المتفننين في إنكار وجود الله يفضلون العيش في قطيعة تامة مع أي روابط عقدية، وينشرون وهم الحرية من كل القيود، وهم منغمسون حتى الأذقان في عبادة الشيطان نفسه، إنهم يؤلهون الجسد بكل الصور، ويركزون على تضخيم الذات والبحث عن اللذة، في ظل تراجع كبير للضبط الأخلاقي الموجه للأفراد والجماعات.

إنها منظومة شمولية شيطانية تعلي من الجسد، وتركز على أشد الصور التدميرية للروح والإحساس والقيم الإنسانية العليا، ويتصدر الملاحدة الجدد المشهد بعبارات جوفاء مضطربة، بعيدة عن الضبط والتأسيس، فهم ينكرون وجود الله على الإطلاق، ويقعون في فخ تأليه الأهواء، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الجاثية: 23).

ومن هنا يتنامى الشر وقوى الشر، لنصل إلى أزمة عقيدة ومشكلة أفكار ومثل عليا، مع تزايد انتشار مقولات ميكيافيلية نجسة في كل المجالات ووسط كل العناصر، وخاصة مع تحول الوسائل إلى غايات وبشكل عنيف ومؤذٍ؛ «فالشر يسكن اليوم في بيوت آمنة، ويصعب تحديد موقعه وكشفه وإخراجه وطرده، إنه يظهر فجأة بلا سابق إنذار، ويضرب بعشوائية بلا منطق ولا نظام، والنتيجة هي بيئة اجتماعية تشبه حقل ألغام»(4)، والمصيبة أننا لا نعرف زمن انفجارها ولا مكان وجودها، وهذه الألغام مغروسة في كل مكان وبكميات مهولة، تنفجر بشكل متسارع ومتكرر وبلا هوادة.

في مجتمع متحرر من كل القيود، بعيد عن الله، تقوده الأهواء بمزاجية بربرية بهيمية وحشية منحرفة، كل مرة يقيم نصبًا تعبده، تحت مسمى جديد، متى انكشف وجه إبليس من لعبة الغواية، ينشط أبالسة جدد للتمويه والتضليل وإفساد العقل وتعطيل الإدراك، وضرب الذاكرة وتشويش البوصلة، لممارسة فعل التدمير الناعم بلا صوت ولا دماء.

معظم الملاحدة الجدد يعترفون بسيادة العلم على الكون(5)، ولكنهم يعبدون الأوهام ويسقطون في شرك عبادة الروحانيات الشيطانية تحت مسميات غريبة: علم الطاقة، والتأمل الروحي، والريكي.. إلخ، وهذه ضروب من الوثنية تلبس لباسًا أنيقًا، وشعوذة ودجلًا تتلون بلون الحداثة والعصرنة.

ومن أكثر المفارقات غرابة استعمال طقوس الوثنية الجديدة في حفظ القرآن والرقية والتنمية البشرية، والذكر الزائف باستدعاء أسماء الله الحسنى، كتغطية وتمويه على المسارات الإبليسية المتعددة، وتأليه الذات تحت اسم التشافي الذاتي، والسيطرة على الجسد وغيره من الشرور المتلونة بألوان ظاهرها توحيد، وباطنها كفر وشيطنة.

الجسد بين المعنى والمرجع

عندما نكتب عن قضايا الجسد في فلسفة الشر النسوية -الإلحادية، فكأننا دخلنا دهليزًا طويلًا ومتفرعًا، ومن الصعوبة الخروج منه بسلام، أشبه بمتاهة في ظلام دامس.

ومعنى الجسد متعلق بالمرجع الذي يحكمه، ومن الصعوبة فهم دلالاته بمعزل عن سياقات بنائه، ولهذا يمكن القول إن الجسد له سلطة مركزية في «فلسفة الشر» النسوية ـ الإلحادية، له الأولوية على كل شيء، وكأنه الإله الجديد، في ظل المادية الطاغية، وتنامي الاستهلاك والنظرة السلعية وسوق المال والأعمال القذرة غير الصالحة للبشر، مثل الاستنساخ وتحويل الجنس وتجارة الأعضاء والدعارة، ناهيك عن استعمال الأطفال في هذه الصفقات الإجرامية، مثل ما جاء في جزيرة إبستين الشيطانية.

ومن هذا السياق نفهم أن الجسد في الثقافة الغربية له طابع الهيمنة، وقال عنه المسيري في كتابه «الحقيقة والمجاز» إن الجسد (الجنس) أصبح يحل محل الإله عند الغرب، وله أولوية معرفية وأخلاقية(6)، ويرى ميشال فوكو أن الجسد هو مركز القوة في كل شيء، ولذلك جاءت انتكاسة الفطرة، وفقد الناس الإيمان بأن القوة تنبع من الله، ولهذا لا نستغرب عندما نجد في ديار الغرب ضعفًا روحيًا وتدهورًا أخلاقيًا مشهودًا، رغم كل القوة والتقدم المادي، ولذلك تضعف السيطرة على قوة الأهواء، ويخفت صوت الضمير، ليُحتكم إلى سلطة الجسد وحده.

الجسد.. بين الإعلاء والانمحاء

في منظومة الشر النسوية الإلحادية، يتصدر الأوغاد المشهد في أكثر الأوقات، ويظهرون في قوالب مائعة تتسرب في كل شيء، فيتحول كل أوغاد العالم فجأة إلى أمناء، يتحكمون في قيمنا ومشاعرنا وأفكارنا وسلوكياتنا، ويتحكمون في الأزياء وفنيات تعرية الجسد في إطار عولمة الثقافات.

وبكل صراحة، وفي خضم جدلية «اللباس والعري»، يعرضون جسد المرأة كموضوع جنسي، أو سلعة، أو شيء، ويحاولون إقناعنا أن هذا هو الوضع المميز لها كأنثى مميزة.

وكيف لثقافة إلحادية ماجنة تؤسس لتعرية جسد الأنثى باسم الحرية أن تناصب العداء لكل من اختارت وبحرية أن تغطي هذا الجسد؟ لماذا حرية العري مكفولة، وحرية الستر جريمة يعاقب عليها القانون؟ وسجال فرنسا مع الحجاب ليس ببعيد.

وتحضرني كذلك في هذا المقام ما حدث سنة 2021م في النرويج، عندما رفض المنتخب النرويجي من النساء في كرة اليد الشاطئية لبس «البكيني»، وهو اللباس الرسمي لهذه الرياضة، وقررن ارتداء لباس الرجال من نمط اللعبة نفسها، وهو أكثر سترًا طبعًا.، والغريب أن الاتحاد الأوروبي لكرة اليد الشاطئية فرض على اللاعبات غرامة مقدارها 150 يورو لكل لاعبة.

وسيظل السؤال مطروحًا وبإلحاح: هل يتوقف الإنجاز الرياضي على مقدار ما تكشفه الأنثى من جسدها؟ أم أن الموضوع له علاقة بالتجارة والمصالح المادية؟ ينظرون للجسد الأنثوي «كمستهلك»، حيث ترتبط به صناعات تجميلية، وطب تجميلي، ومصانع للأزياء وأخرى للإكسسوارات، وأيضًا كموضوع «للاستهلاك» يُستغل في الإشهار والإعلانات، وحتى في تقديم البرامج السياسية والفكرية والدينية، وفي الدعارة.

حيث أصبحت الحياة الاستهلاكية أكبر مروج لاستغلال الجسد الأنثوي في سوق نخاسة واسعة وقذرة.

يمكن القول: إن تزايد العنف في العالم، وهذا العنف العالمي، له علاقة بإعلاء الجسد على حساب مباهج الروح، إنها حرب تدميرية شاملة للذاكرة والانتماء والمشاعر والقيم، بل أشد فتكًا من القنبلة النووية: قنبلة الجنس، الجنس العشوائي البهيمي، يدمر الأعراق والأخلاق وينسفها نسفًا.

إنها حرب عقدية من قبل منظومة شيطانية شمولية، حرب على المجتمع والأسرة والإنسان في كل مكان، يتجاور فيها إعلاء الجسد بمحوه من الوجود بشكل ساخر ومخزٍ، ويتعانق شبق الحياة الهدام مع ثقافة الموت، بالانتحار أو حركات القتل الرحيم، أو الإجهاض، وعمليات تغيير الجنس، أو حتى قتل الآخر وتدميره بلا إحساس بالذنب.

وعندما يتم إقصاء الدين من قيادة الحياة، وتعم الحريات المطلقة كالطوفان، يتزايد العنف والفساد، وتظهر أشكال الشر دفعة واحدة، لينشغل الكل بالنزاع والكراهية والفوضى، وينشط الأوغاد والانتهازيون لتأجيج الصراع والتنافس على الربح السريع وتجارة الموت والإيذاء، بحيث يُتعامل مع البشر كنفايات يسهل التخلص منها بكبسة زر، وتتصدر المزاجية وقوة الأهواء المشهد، لتسلط العداء على الذات وعلى الآخر وعلى الواقع، حيث ترتفع النزعة التدميرية لتعم بشكل يصعب التحكم فيه، في ظل سيطرة منظومة الشر النسوية ـ الإلحادية، لتعلن في النهاية موت الإنسانية وموت الإنسان.

ـــــــــــــــــــــــــ

* أ.د. ليلى محمد بلخير: أستاذة اللغة العربية بجامعة قسنطينة- الجزائر، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الهوامش:

1. مجموعة من المؤلفين، «ما بعد الحداثة: دراسات في التحولات الاجتماعية والثقافية في الغرب»، ترجمة حارث محمد حسن وباسم علي خريسان، ط1، ابن النديم للنشر والتوزيع، الجزائر، ص118.

2. عبد الوهاب المسيري، «اللغة والمجاز»، ص115.

3. زيجمونت باومان، «الشر السائل»، ص43.

4. المرجع السابق، ص61.

5. سامي عامري، «العلموية: الأدلجة الإلحادية للعلم في الميزان»، ص31.

6. عبد الوهاب المسيري، «اللغة والمجاز»، ص57.