د. فضيلة تركي

قد يتعمد البعض طرح قضية الحرب في غزة بعيدا عن سياقاتها الحقيقية، ومحاولة إضفاء بعْدٍ حقوقي انساني عليها، برغم أن زعماء الغرب جاهروا بخطابات دينية وثقافية، ولم يحاول قادة الاحتلال الصهيوني ولا الحكومات الغربية إخفاءها عن الجمهور، ومن ذلك الاستشهاد بالمقولات التوراتية لتبرير التوحش الصهيوني، واستحضار الوزير الذي جاء حاجًا لمجلس الحرب الإسرائيلي (الكابينت) باعتباره يهوديًا قبل أن يكون وزير خارجية الولايات المتحدة، مما يدل على استدعاء أتون الحرب الحضارية كما ظهرت في 11 سبتمبر.

       والحقيقة التي لا مراء فيها أن هذه الحرب على غزة تمثل امتدادا للحروب الصليبية واستمرارا للحقبة الاستعمارية التي تعرض لها المسلمون، وكما تمثل ذروة التدافع الثقافي الحضاري، والصراع بين الحق والباطل.

      ومن تداعيات هذه الحرب، التي انتُهكت فيها القيم الإنسانية ومبادئ العدالة، ثورة الطلبة في الجامعات الغربية، الذين انتفضوا على حرب الإبادة وسياسات الغرب التي تكيل بمكيالين. إنها ثورة على القيم التي ظل الغرب يتبناها داخل حدوده ويخذلها خارجه.

       فالطلبة الذين يتظاهرون ويحتجون لأجل غزة ويتعاطفون معها، هم في الحقيقة يتعاطفون مع نموذج ثقافي مغاير لما عاشوه؛ ذلك النموذج الذي طالما حاربته مراكز الصراع والاعلام والسياسة، تحت مسميات مختلفة كالعلمانية والإسلاموفوبيا والإرهاب. بل إن الحرب على غزة جزء من هذا الصراع الشرس والمرير ضد الإسلام؛ هذه الحرب التي أعلنت على الإسلام وعلى كل شعائره ورموزه غايتها صرف الأنظار عنه وعن حقيقته، كي تبقى الشعوب في غفلة عن مصدر قوتها وعزتها ليسهل استنزافها واستعبادها.

       فإذا بغزة تعيد الإسلام للساحة الإنسانية وبقوة، وتعرضه بصورة مغايرة للصورة النمطية التي ترسخت في وعي الغرب، والتي صورت المسلم دوني وعدواني وهمجي وشهواني…

       فإذا بالمسلم يظهر في صورة البطل الذي يدافع على أرضه وحقه في الحياة والحرية والكرامة، فتبرز غزة معنى آخر للقوة مغايرا لما عرفه الشاب الغربي في زمن العولمة؛ زمن القوة المادية والاستكبار الاقتصادي والسياسي. إنها قوة الروح التي تمثلت في الصبر والجلد الذي واجهت بهما غزة وحشية الصهيونية الغربية، وقوة الايمان التي منحت أهل غزة قدرا من السكينة والتحمل أدهش العالم ودفعته للتساؤل عن سر هذه القوة.

    إن الشباب الثائر في الجامعات أو المحتجين في الشارع الغربي لا ينظرون لغزة بعيون الإسلاموفوبيا، لقد تجاوز هؤلاء الشباب الطروحات الحاقدة ضد الإسلام، وانطلقوا من الفطرة السليمة والمشترك الإنساني من حب للعدل والحرية ورفض للاستكبار والظلم…

 

     وإنك لتشعر أن الفئة المحتجة تغيرت نظرتها للمسلمين نتيجة الطوفان. فالنموذج الذي قدمته المسلمة الغزاوية يختلف عما علق في ذاكرة الغرب عن المسلمة الضعيفة الخاضعة للسلطة الذكورية المستسلمة لقدرها. فالصورة النمطية للمسلمة صورة سلبية في العقل الغربي.

     فجاءت حرب غزة فقلبت الصورة، وأصبحت غزة نموذجا للقوة، ولكن لقوة مغايرة تماما لما هو معهود. فالغرب لا يدين إلا بقوة المادة وقوة الاستهلاك وقوة المتعة. لكن القوة التي رآها الغرب فأذهلته وحركت في أعماقه الحنين إليها، هي قوة الروح؛ فالمرأة فقدت ابنها أو زوجها تقف صامدة قوية، تصدح بكلمات الرضا والفخر بالشهادة. وقد حركت بذلك فطرة الانسان التي طمستها المادة، وشده الحنين إلى شقه المفقود، فراح يتساءل عن سر هذه القوة النفسية العجيبة، وسر الشعور بالسكينة والسلام رغم فداحة المصاب.

    إنها قوية برغم أنها بعيدة عن معاني التمكين المادي الذي يقدمه الغرب اليوم الحل الأمثل لتخليص المرأة في العالم الإسلامي من أصفاد التخلف وعبودية الذكورية. إنها قوية دون أفكار النسوية التي تدعو إلى التمرد على فطرة الأمومة. ومن هنا بدأ الغرب يتساءل عن سر هذه الطمأنينة والسلام الذي افتقدهما رغم ما يعيشه من ترف ورفاه المادي.

     ومن ساحات المعارك الساخنة مسألة "الحجاب" التي أثارها الغرب، إذ اعتبره رمزا من رموز الإسلام وحاربه باسم العلمانية، وأثار حوله كثيرا من الشبهات. غير أن الحجاب ظهر من جديد في حرب غزة فكسر الصورة النمطية التي قدمها الغرب عنه في إعلامه ومراكز دراساته عنه؛ فالحجاب في تصورهم مفروض على المسلمة من والدها أو أخيها أو زوجها.

      فدحضت المرأة الغزية هذه الفكرة وأبطلتها واقعا؛ فرغم ظروف الحرب القاسية حافظت على حجابها وخرجت به من تحت الأنقاض، وفرت من القصف وهي تلبسه، وظهرت به في المستشفيات وغيرها من ساحات النزوح والمأساة. فحجابها لا ينفك عنها ولا تنفك عنه حتى في أحلك الظروف وأشدها قسوة.

    إنه نموذج ثقافي مغاير، يحمل في ثناياه معاني مناقضة لمفهوم الجسد الذي تروج له ثقافة الغرب. فالغزية بحجابها تبعث رسائل مفادها أن المرأة ليست جسدا فحسب، وتلفت الانتباه إلى معنى آخر تراجع كثيرا مع غلبة النموذج المادي وسيطرته ثقافيا؛ ألا وهو بُعد الروح والعقل، اللذان ميز الله -جل وعلا-بهما الانسان عن غيره من المخلوقات. فالمرأة انسان قبل أن تكون جسدا، تحمل رسالة وقيما تعيش من أجلها، في حين حصرت الحضارة الغربية المرأة في جسدها، اختزلت وظيفتها في اشباع الغرائز، حتى نسيت انسانيتها، وراحت تلهث وراء شقها المادي، وعبدت ذاتها وتضخم لديها الأنا فلم تعد ترى معنى للوجود إلا في المتع والشهوات….

      ويكشف نموذج الغزاوية عن دور آخر يمكن أن تؤديه المرأة، وهو دور العطاء والتضحية للمجتمع والتحرر من "الأنا"، وخدمة الإنسانية من خلال فطرتها بوصفها مخلوقا خصه -الله تعالى- بخصائص وأدوار مختلفة. فلم ترفض وتتنكر الفلسطينية لخصائص الأنوثة التي حباها الخالق بها، بل رضيت بها ولم تنافس الرجل في عضلاته ولا أدواره.

    ويرى الشباب الغربي مشهدا مغايرا لما عهده، ويكتشف قوة مغايرة لما اعتاده. قوة الروح والايمان، وقوة الصبر والجلد…، وما ألحقته هذه القوة بالجيش المدجج بالأسلحة والعدد من هزائم..

لقد صدق توماس فيردمان -كاتب العمود الشهير في النيويورك تايمز- عندما كتب: “أن إسرائيل خسرت تعاطف جيلٍ بأكمله”، فهو يعني كل حرف كتبه؛ فإن إسرائيل والغرب خسرا معركة الأخلاق والقيم، وفتحا الباب على مصراعيه لغزة لتعطي للإنسانية دروسا في الأخلاق، وتعيد حبل الوصل بين السماء والأرض من جديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أ.د. فضيلة تركي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أستاذة التعليم العالي جامعة بسكرة، الجزائر.