عبد القادر عارفي

من أخطر أوهام النضج أن يخلط الإنسان بين انخفاض حاجته إلى والديه وانخفاض قيمتهما. فالطفل يحتاج إليهما في كل شيء تقريبًا: في طعامه، وأمنه، وحركته، وقراراته. ثم يكبر، ويتعلم، ويعمل، ويملك ماله، ويؤسس بيته، ويصبح قادرًا على تدبير شؤون كان والداه يقومان بها عنه. وهنا يتسلل الوهم: ما دمت أقل حاجة إليهما، فقد صارت منزلتهما في حياتي أقل أيضًا.

لكن قيمة الوالدين لا تُقاس بمقدار ما يستطيعان تقديمه لنا اليوم. فقد يصبح الابن أغنى من أبيه، وأوسع حظًا من التعليم، وأعرف ببعض شؤون عصره، وربما يصبح الأبوان نفسيهما محتاجين إليه بعدما كان هو المحتاج إليهما. ومع ذلك لا يمحو انقلاب الأدوار تاريخ العلاقة، ولا يجعل استقلال الإنسان المتأخر قصة بدأت من نفسه.

ولعل أخطر ما في هذا الوهم أنه يُدخل إلى الأسرة منطق المنفعة: ما دمت لم أعد أحتاج إليك كما كنت، فقد نقص حضورك في حياتي. لكن الإنسان لا يقيس كل ما له قيمة بمقدار ما ينتفع به منه في اللحظة الراهنة. والوالدان من هذا الباب: ليست قيمتهما في مقدار ما يقدمانه اليوم، بل في أنهما داخلان في قصة وجود الإنسان وتكوينه، وفي أن جانبًا من شخصيته وذاكرته وأمنه الأول تشكّل في حضورهما.

ولعل هذه الحقيقة تفتح معنى من معاني قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا}. فالإنسان أمام الله مخلوق لم يمنح نفسه الوجود، وأمام والديه ابن لم يصنع بدايته وحده. ووراء استقلاله الحالي تاريخ من العجز حمله فيه والداه، وأمامه -إن طال به العمر- ضعف آخر لا محالة.

وقد لخّص القرآن هذه الدورة الإنسانية في قوله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة}. فالقوة التي يشعر بها الإنسان اليوم ليست بدايته ولا نهايته؛ إنها مرحلة عابرة بين ضعفين. وإذا كانت القوة عابرة، فالسؤال الأخلاقي ليس فقط: هل أصبحت مستقلًا؟ بل: ماذا ستفعل بهذه القوة حين تصبح قادرًا على الاختيار والرفض والمخالفة؟

هنا يصبح البر أدبَ القوة.

حين تصبح القوة في يد الابن

وأدب القوة لا يعني أن يبقى الابن تابعًا في كل قرار إلى آخر عمره. فالوالدان قد يخطئان، وقد يعرف الابن في تخصصه أو ظروفه ما لا يعرفانه. وقد رسم القرآن لهذا الموقف ميزانًا بالغ الدقة في قوله تعالى: {فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا}. ففي الآية إمكان للمخالفة، لكن المخالفة لم تُسقط المعروف. فصحة الرأي شيء، ومقام صاحبه شيء آخر.

قد يقترح عليك أبوك أن تستشير شخصًا تعرف أنه غير متخصص في المسألة. لا يلزمك أن تعمل باقتراحه، لكن الفرق كبير بين أن تقول: «هذا الرجل لا يفهم»، وبين أن تقول: «جزاك الله خيرًا يا أبي، وجدت من هو أخص بهذه المسألة وأعرف بتفاصيلها». قد يبقى القرار نفسه، لكن الذي يتغير هو مقدار الكرامة التي حفظتها وأنت تتخذه.

وقد تتقدم على والديك في معرفة اكتسبتها من تخصصك وزمنك؛ فكل جيل يدخل الحياة وفي يده أدوات لم تكن كلها في يد الجيل الذي سبقه. لكن التقدم في مسألة لا يمنح الإنسان حق الاستعلاء على من سبقه بالفضل. يمكن أن تقول: أخطأ أبي هنا، ولم تحسن أمي التقدير هناك. فالبر لا يقتضي عصمة الوالدين. لكن الإنصاف شيء، والازدراء شيء آخر.

فالاختلاف قد يقع في الرأي، أما المقام فلا ينبغي أن يدخل ساحة النزاع.

الرحمة التي تهذّب القوة

لكن إذا كان للابن أن يخالف، فما الذي يضبط طريقة مخالفته؟ هنا يأتي قوله تعالى: {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة}. ويلفت النظر أن خفض الجناح قُيّد بالرحمة؛ فكأن المطلوب ليس خضوع من لا يملك رأيًا، بل تواضع من يملك القدرة على الاعتراض ثم يختار ألا يجعل اعتراضه جرحًا.

فالرحمة لا تلغي صوابك، لكنها تهذّب طريقة استعماله. تستطيع أن تصحح من غير أن تحتقر، وأن ترفض من غير أن تكسر، وأن تستقل من غير أن تجعل استقلالك إعلانًا عن انتهاء قيمة والديك في حياتك. خفض الجناح ليس انكسارًا للإنسان؛ إنه انتصار الرحمة على غرور القوة.

ولهذا كان قول النبي ﷺ للرجل الذي استأذنه في الجهاد: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» كاشفًا عن جانب آخر من البر. فالرحمة سهلة في الكلام، لكن المحافظة عليها حين تضيق النفس تحتاج إلى مجاهدة.

وقد تكون هذه المجاهدة وقتًا تنتزعه من يوم مزدحم، أو صبرًا على حديث تكرر، أو ضبطًا للغضب حين ترى أن رأيك أوضح. فالإنسان قد يعترف بفضل والديه نظريًا، ثم يضيق بأبسط ما يطلبانه عمليًا. وقد يكون أيسر عليه أن يتصور التضحية في موقف استثنائي من أن يعيشها كل يوم في تفاصيل صغيرة لا يراه فيها أحد.

ما لا يستطيع المال أن يردّه

ومن هنا لا يُختزل البر في المال. بل قد يكون الوالدان في غنى عن مال ابنهما أصلًا. لا يحتاج الأب إلى راتبك، ولا تحتاج الأم إلى نفقتك، لكنهما قد يحتاجان إلى ما لا يشتريه المال: مجلس بلا استعجال، ومكالمة لا تبدأ بطلب، وإنصات يشعرهما بأن اتساع حياتك لم يدفعهما إلى هامشها.

وقد قال الله تعالى عن الأم: {حملته أمه وهنًا على وهن}. والإنسان يحمل في حياته آثار تضحيات لم يشهد أكثرها أصلًا؛ لأنها بُذلت له في زمن لم يكن قادرًا على تذكرها. وللأم خصوصية الحمل والولادة، وللأبوة كذلك صور طويلة من المسؤولية والحماية والسعي وبناء المستقبل. وما تلقاه الابن من أبويه أوسع من أن يدخل في حساب متكافئ بين ما أخذ وما رد.

يمكن أن ترد مالًا بمال، لكنك لا تستطيع أن ترد عمرًا بعمر.

ولعل هذا العجز عن مكافأة الوالدين يفتح للإنسان بابًا إلى معنى أعظم. فإذا كان لا يستطيع أن يرد عمرًا بعمر لمن حملاه وربياه، فكيف بحق الله الذي خلقه من العدم، وخلق له أبويه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة؟ قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله}، وقال: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.

فإذا كانت معرفة فضل الوالدين تهدم في الإنسان وهم أنه صنع نفسه، فإن معرفة فضل الله تهدم هذا الوهم من أصله. وهكذا يصبح البر مدرسة في الشكر؛ يتعلم فيها الإنسان ألا يعيش كأنه مدين لنفسه بكل ما وصل إليه، وأن يرى الفضل قبل أن يطالب الآخرين بالاعتراف بفضله هو.

لكن الشكر لا يكتمل بأن نعرف النعمة في أذهاننا؛ بل بأن نعرفها في وقتها. نعم، يبقى بعد موت الوالدين الدعاء والاستغفار والصدقة والوفاء، لكن بعض أبواب البر لها وقت ينتهي. تستطيع أن تتصدق عن أمك بعد رحيلها، لكنك لا تستطيع أن تعيد إلى يدها هدية صغيرة كانت تستطيع أن تفرح بها وهي حية.

ومن فقه قيمة الوالدين ألا نحتاج إلى الغياب حتى نفهم معنى الحضور، وألا نؤجل الإحسان إلى يوم نتخيل أن المال سيكون فيه أوسع والوقت أكثر فراغًا. فبعض أجمل صور البر صغيرة في ظاهرها، عظيمة لأنها جاءت في وقتها.

فتفاحةٌ في يد أمك اليوم خيرٌ من أطنان الفاكهة تتصدّق بها عنها غدًا.

ــــــــــــــــــــــــــــ

* عبدالقاهر عارفي – طاجيكستان، باحث مهتم بالفكر الإسلامي.

** المصادر:

القرآن الكريم:

* سورة الإسراء، الآيتان 23–24.

* سورة الروم، الآية 54.

* سورة لقمان، الآيتان 14–15.

* سورة النحل، الآية 53.

* سورة إبراهيم، الآية 34.

السنة النبوية:

* البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم 3004: «أحيٌّ والداك؟ … ففيهما فجاهد».

* مسلم، صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث رقم 2549: «أحيٌّ والداك؟ … ففيهما فجاهد».