كشف صندوق النقد الدولي، في تقريره الأخير عن مصر، ضمن المواد التحليلية لتقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" المقرر صدوره كاملاً في 13 أكتوبر، أن انخفاض معدلات التضخم بعد موجات الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والطاقة لا يعني انتهاء أزمة غلاء المعيشة،

وحذر من أن أسعار الضروريات تواصل الارتفاع مقارنة ببقية السلع لأكثر من عام بعد بداية الأزمة، بينما تظل آثارها ممتدة على القوة الشرائية والأجور الحقيقية وتوقعات التضخم. وأظهر التحليل أن صدمات الغذاء والطاقة التي تتعرض لها مصر لا تترك أثراً مؤقتاً على مؤشر الأسعار فقط، وإنما تعيد تشكيل تكلفة المعيشة لفترة أطول، وترفع توقعات التضخم على المدى القريب والمتوسط حتى بعد مرور سنوات على بداية الأزمة.

وأشار الصندوق إلى أن هذه الآثار تضغط بصورة أكبر على الأسر منخفضة الدخل، لأن الجزء الأكبر من موازناتها يذهب إلى الضروريات التي شهدت أكبر الزيادات السعرية.

وأوضح الصندوق أن نحو 23 مليون شخص إضافي وقعوا في براثن الفقر المدقع خلال الفترة من 2021 إلى 2024، مقارنة بما كانت ستظهره تقديرات الفقر التقليدية، التي توقفت عن الصدور منذ عام 2025، بما يعكس اتساع الفجوة بين التضخم المقاس في المؤشرات العامة والتكلفة الفعلية التي تتحملها الأسر الأكثر تعرضاً لصدمات الغذاء والطاقة.

وأكد التحليل أن تراجع معدل التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، وإنما يعني في الأساس تباطؤ سرعة الزيادة، لتبقى السلعة التي ارتفع سعرها بنسبة كبيرة عند مستوى سعري أعلى، حتى إذا أصبحت الزيادة الشهرية أو السنوية أقل، وهو ما يفسر استمرار الإحساس بالغلاء بعد انحسار موجة التضخم الأولى، التي شهدتها البلاد منذ عام 2022، عقب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية.

ويمتد الأثر إلى سوق العمل أيضاً، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الضروريات إلى تآكل الأجور الحقيقية عندما لا تلحق زيادات الدخول بسرعة ارتفاع تكاليف المعيشة، فتتراجع قدرة الأسر على شراء الكمية نفسها من السلع والخدمات، حتى مع انخفاض معدل التضخم لاحقاً. وحذر الصندوق من أن ارتفاع توقعات التضخم يمثل مشكلة إضافية للسياسات الاقتصادية، لأن الأسر والشركات قد تتصرف على أساس استمرار الزيادات السعرية، بما يصعب مهمة البنوك المركزية في إعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة، ويزيد كلفة معالجة الصدمة.

 ودعا الصندوق حكومة الانقلاب إلى الإسراع بالتحول من الدعم العيني إلى التحويلات النقدية الموجهة والمؤقتة.

وقدر أن تكلفة بعض أدوات الدعم الواسع قد تتجاوز تكلفة التحويلات النقدية الموجهة بما يصل إلى 22 مرة، محذراً في الوقت نفسه من استمرار الدعم السعري الشامل لفترات طويلة، لأنه يستهلك موارد مالية كبيرة، وقد يؤدي إلى استفادة شرائح لا تحتاج إلى المساعدة بالقدر نفسه.

وأكد مصدر باتحاد الغرف التجارية، لـ"العربي الجديد"، فشل حكومة الانقلاب في إيجاد منظومة للتحول من الدعم العيني إلى النقدي، للشهر الرابع على التوالي، مؤكداً أن هناك توجيهات منها بالبدء في المنظومة اعتباراً من أول يناير 2027، لكنه أوضح، في الوقت نفسه، أن آلية تطبيق الدعم النقدي لم تكن محددة بصورة نهائية، ولم يصدر قرار وزاري يوضح تفاصيل التنفيذ، بما يشير إلى صعوبة تنفيذها خلال العام المالي 2026-2027، المنتهي في يونيو المقبل.

بدورها، قالت رئيسة حزب الدستور والخبيرة الاقتصادية الدكتورة وفاء صبري، لـ"العربي الجديد"، إن جزءاً أساسياً من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر يرجع إلى اختيار حكومة الانقلاب، منذ البداية، السير وراء توصيات صندوق النقد الدولي، مشيرة إلى أن معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أساسيات الاقتصاد، وفي مقدمتها الإنتاج والتنمية. وأضافت أن القاعدة الأساسية في الاقتصاد هي أنه في ظل غياب التنمية والإنتاج ستظل الدولة تدور في دائرة مغلقة، موضحة أن التضخم لا يعالج فقط من خلال الأدوات النقدية، وإنما يحتاج أيضاً إلى أدوات مالية وسياسات تستهدف زيادة الإنتاج وضبط الإنفاق.

وقالت إن الإنفاق خلال السنوات الماضية تركز بدرجة كبيرة على مشروعات لا تحقق عائداً، موضحة أن مشروعات البنية التحتية في حد ذاتها تمثل أمراً جيداً، لكنها اعتبرت أن التوسع فيها لم يكن أولوية في ظل محدودية الموارد وتعدد الأزمات، خاصة الإنفاق على الطرق والكباري والعاصمة الإدارية وغيرها، مشيرة إلى أن هذا المستوى من الإنفاق لا يوجد حتى في دول متقدمة لا تواجه الأزمات نفسها.

بدوره، حذر الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني من أن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي قد يزيد الضغوط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وضعف الرقابة على الأسواق، مؤكداً أن قيمة الدعم النقدي لن تحقق الحماية المطلوبة إذا لم تواكب الارتفاع المستمر في تكلفة السلع والخدمات.

وأوضح أن مخاطر التحول إلى الدعم النقدي تتزايد مع ارتفاع الأسعار، مشيراً إلى أن ثبات قيمة الدعم النقدي في مواجهة موجات الغلاء قد يؤدي إلى تراجع قدرته على تغطية الاحتياجات الأساسية للأسر، وبالتالي زيادة الضغوط على محدودي الدخل والطبقة المتوسطة. وأشار الميرغني إلى أن الأسر الفقيرة اضطرت بالفعل إلى تغيير أنماط استهلاكها للتكيف مع ارتفاع الأسعار، إذ انتقلت من اللحوم إلى الدواجن، ثم إلى البقوليات مع ارتفاع تكاليف الغذاء، كما اتجهت إلى المواصلات العامة بدلاً من الخاصة، مؤكداً أن هذا التكيف يتم على حساب مستوى التغذية والصحة.

وأضاف أن هذا التراجع في القدرة على الإنفاق ينعكس على مستوى معيشة الأسر، مشيراً إلى ارتباط أنماط التكيف مع الغلاء بارتفاع معدلات الأنيميا والتقزم، نتيجة اضطرار الأسر إلى الاستغناء عن بعض السلع الغذائية الأساسية.

وفي تصريح لـ"العربي الجديد"، لفت الميرغني إلى أن ارتفاع الأجور خلال السنوات الأخيرة لم يواكب الزيادة الكبيرة في الأسعار، ما أدى إلى تراجع حاد في القوة الشرائية للعمال والطبقات الكادحة، موضحاً أن الحد الأدنى للأجور ارتفع من 1200 جنيه إلى 8000 جنيه، لكن هذه الزيادة لم تعن تحسناً حقيقياً في مستوى المعيشة، في ظل ارتفاع التضخم بنحو 40% خلال 2023، وزيادة أسعار الطعام والشراب بأكثر من 70%، بحسب عرضه.

وأوضح أن كثيراً من أفراد الطبقة الوسطى أصبحوا يعملون في وظيفتين أو ثلاث وظائف لتوفير الحد الأدنى من احتياجات المعيشة، في ظل اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة. وأضاف أن الضغوط لا تتوقف عند انخفاض الإنفاق العام، إذ يتحمل المواطن رسوماً متزايدة للحصول على الخدمات العامة، فضلاً عن أعباء العلاج والكتب والدروس الخصوصية، وهو ما يضاعف الضغوط على الأسر العاملة والفقيرة.