بيوتٌ تحت الركام، وأهلٌ يرفعون الحجارة بأيديهم، وأمةٌ تملك أن تكون اليد الثانية... فما حكم المشاركة في إعمار غزة؟ وما ثوابها؟ وكيف يشارك كلٌّ بما يستطيع؟

 

في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أمضى شابٌّ عشرة أيام كاملة بيديه وأدواتٍ بسيطة حتى أزاح السقف الخرساني الأول عن بيته المهدوم، كما نقلت الجزيرة نت. لم ينتظر مؤتمراً ولا قراراً ولا تمويلاً؛ بدأ بما يملك.

ذلك المشهد الصغير يطرح على كل مسلم سؤالاً كبيراً: إذا كان صاحب البيت قد بدأ بيديه، فأين يد الأمة؟ وهل المشاركة في إعمار غزة فضلٌ يتطوع به من شاء، أم فريضةٌ يُسأل عنها كل قادر؟ وما الذي ينتظر من يشارك من أجرٍ ومثوبة؟

◆  غزة اليوم: الصورة باختصار

لا يحتاج المشهد إلى كثرة أرقام؛ فالخلاصة التي تتفق عليها التقارير أن أغلب بيوت القطاع مهدّمة كلياً أو غير صالحة للسكن، وأن جبال الركام لم يُرفع منها إلا القليل، وأن شبكات المياه والطرق والمدارس والمستشفيات أصابها خرابٌ واسع.

وبحسب ما نقلته الجزيرة نت عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن ما يصل فعلاً من أموال الإعمار يكاد يكون معدوماً، وإن القيود على المعابر تمنع دخول الإسمنت والحديد والمعدات الثقيلة، فلا يجري إلا إصلاحٌ جزئي وإغاثةٌ مؤقتة. وأكد محافظ سلطة النقد الفلسطينية، بحسب وكالة وفا، أن الإعمار ينبغي أن يكون بقيادة فلسطينية تستند إلى المؤسسات المحلية. وفي الاتجاه نفسه قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق النازحين داخلياً إن الفلسطينيين يجب أن يملكوا قرار مستقبلهم، وإن الإعمار يعني استعادة الحياة والحقوق وسبل العيش لا رصّ الحجارة وحده.

فالحاجة قائمة، والطريق ضيق، والأهل يبدأون بأيديهم. فما الذي يوجبه الشرع على من وراءهم؟

◆  الإعمار فريضة: أدلة الوجوب

أولاً: الأخوة التزامٌ لا شعار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، وقال النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه» (رواه البخاري ومسلم). ومعنى «لا يُسلمه»: لا يتركه ولا يخذله فيما نزل به. فمن ترك أخاه بلا مأوى وهو قادرٌ على نصرته، فقد وقع في الخذلان الذي نهى عنه الحديث.

ثانياً: الجسد الواحد.

قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»

رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما

والجسد لا يكتفي بالشعور بألم العضو، بل يستنفر كل طاقته لعلاجه. فالتداعي في الحديث حركةٌ ونصرة، لا مجرد حزن.

ثالثاً: الأمر بالتعاون على البر. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2). وأي برٍّ أعظم من إيواء من هُدم بيته، وإحياء مدرسةٍ ومستشفى وبئر ماء؟

رابعاً: حق المال بعد الزكاة. ذكر الإمام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (البقرة: 177) -بما معناه- اتفاق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجةٌ بعد أداء الزكاة وجب صرف المال إليها. وقرر ابن حزم في «المحلّى» -بما معناه- أن على الأغنياء في كل بلد أن يقوموا بفقرائهم إن لم تكفِهم الزكاة، فيُعطَوا ما يقيهم الحر والبرد ويسترهم.

خامساً: القاعدة الأصولية. «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؛ فإذا كان حفظ النفس واجباً، وكان لا يتم في غزة إلا بمأوى وماء ودواء ومدرسة، صار السعي إلى ذلك واجباً.

◈ من يتعيّن عليه الواجب؟

الإعمار في أصله فرض كفاية على الأمة كلها: إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به من يكفي أثم كل قادرٍ قعد عنه. والواقع اليوم أن الكفاية لم تتحقق بعد، فيتوجه الخطاب إلى كل قادر بحسب قدرته: الغني بماله، وصاحب الخبرة بخبرته، وصاحب الكلمة بكلمته، ومن لا يملك إلا الدعاء بدعائه.

◆  أجرٌ لا ينقطع: مثوبة المشاركة

إذا كان الوجوب يحرّك الضمير، فإن الأجر يحرّك الشوق. وقد فتح الله لمن يشارك في هذا الإعمار أبواباً من الثواب قلّ أن تجتمع في عمل واحد:

١. المضاعفة. قال تعالى:

﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

(البقرة: 261)

فكل لبنةٍ تُوضع في جدار بيتٍ من بيوت غزة قد تكون عند الله سنابل لا تُحصى.

٢. الصدقة الجارية. قال النبي ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه). والبيت الذي يُسكن، والبئر التي يُشرب منها، والمدرسة التي يُتعلم فيها، كلها صدقاتٌ جارية يبقى أجرها ما بقي نفعها، فقد تموت أنت ويظل جدارٌ بنيته يكتب لك الحسنات.

٣. بيتٌ في الجنة. قال النبي ﷺ: «من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة مثله» (رواه البخاري ومسلم عن عثمان رضي الله عنه). وما أكثر المساجد التي تنتظر من يعيدها في غزة.

٤. تفريجٌ بتفريج.

قال رسول الله ﷺ: «من نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يسّر على معسرٍ يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة... والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»

رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه

فأنت حين تعين أخاك في غزة على سقفٍ يؤويه، إنما تستجلب عون الله لنفسك في دنياك وآخرتك.

٥. القليل عند الله كثير. قال النبي ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (رواه البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم رضي الله عنه)، وقال: «سبق درهمٌ مائة ألف درهم»، وبيّن أن صاحب الدرهم تصدق بأحد درهمين لا يملك غيرهما (رواه النسائي، وحسّنه الألباني). فالميزان عند الله ميزان الصدق والطاقة، لا ميزان الكثرة.

٦. المال لا ينقص. قال ﷺ: «ما نقصت صدقةٌ من مال» (رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه). وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ (البقرة: 272)؛ فما تقدمه لغزة إنما تقدمه لنفسك في الحقيقة.

◆  بكل ما تستطيع: أبواب المشاركة

لم يجعل الإسلام الخير حكراً على الأغنياء، بل جعل لكل نفسٍ باباً على قدر وسعها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، و﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16). وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «على كل مسلم صدقة»، فلما سُئل عمن لا يجد، ذكر العمل باليد، ثم إعانة ذي الحاجة الملهوف، ثم الأمر بالخير، ثم الإمساك عن الشر. فلا عذر لأحد في القعود؛ لكل مسلمٍ سهمٌ في هذا الإعمار:

◆ بالمال: صدقةً أو زكاةً؛ فأهل غزة اليوم تجتمع فيهم أوصاف مصارف الزكاة من الفقراء والمساكين والغارمين ومن هو في حكم ابن السبيل داخل أرضه.

◆ بالوقف: أن يشترك الناس في وقف بيتٍ أو بئرٍ أو فصلٍ دراسي أو عيادة، فالوقف أداة الإسلام التاريخية لبناء المرافق، وأصله قول النبي ﷺ لعمر رضي الله عنه في أرضه بخيبر: «إن شئت حبستَ أصلها وتصدّقتَ بها» (رواه البخاري ومسلم).

◆ بالكفالة: كفالة أسرةٍ حتى تعود إلى بيتها، أو كفالة طالبٍ حتى يعود إلى مدرسته.

◆ بالخبرة: المهندس بتصميمه، والطبيب باستشارته، والمعلم بدروسه عن بُعد، والمحاسب بإدارة الأموال بأمانة. فالخبرة مالٌ من نوع آخر.

◆ بالوقت والجهد: التطوع في المؤسسات الموثوقة، وتنظيم حملات الجمع المشروعة في الأحياء والمساجد وأماكن العمل.

◆ بالكلمة: إبقاء القضية حية في الوعي، والتعريف بحاجات الناس، وحثّ الأهل والأصدقاء على المشاركة؛ فـ«الدالّ على الخير كفاعله» كما في حديث رواه الترمذي وصححه الألباني.

◆ بالدعاء: وهو سهم من لا يملك غيره، فقد قال ﷺ: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة» (رواه مسلم).

◆ بالنية الصادقة: فمن عجز اليوم ونوى صادقاً أن يشارك متى قدر، كُتب له أجر نيته، و«إنما الأعمال بالنيات» (رواه البخاري ومسلم).

◆  أعذارٌ تُقال.. وجوابها

◆ «ما أقدّمه قليل لا يغيّر شيئاً»: والجبل ذراتٌ اجتمعت، والدرهم قد سبق مائة ألف درهم، والله لا يسألك عن النتيجة بل عن الوسع.

◆ «هذا شأن الحكومات والهيئات الكبرى»: هو شأنها حقاً، لكنه لا يُسقط واجب الأفراد ما دامت الكفاية لم تتحقق؛ ففرض الكفاية يتوجه إلى الجميع حتى يُقام.

◆ «الطريق مغلق والمواد لا تدخل»: والإعمار ليس حجارة فقط؛ فكفالة الأسرة، وإيواؤها المؤقت، وتعليم أبنائها، وعلاج مرضاها، كلها إعمارٌ للإنسان قبل البنيان، والمال المرصود اليوم يكون جاهزاً حين تُفتح الأبواب.

◆  وصفوة القول..

إن إعمار غزة فريضةٌ على الأمة قبل أن يكون مشروعاً للمانحين، وأجرٌ جارٍ قبل أن يكون رقماً في الموازنات. وقد سبقنا إليه أهلها بأيديهم العارية، فلا يليق بنا أن نكتفي بالتفرج على صبرهم. فليبحث كل منا عن سهمه: مالاً أو خبرةً أو جهداً أو كلمةً أو دعاءً، وليتذكر أن الجدار الذي يُبنى في غزة اليوم قد يكون غداً شاهداً له بين يدي الله.

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾

(المزمل: 20)

━━━━━━  ۞  ━━━━━━

 

◆  المصادر

[١] الجزيرة نت — إعمار ينتظر السياسة.. مَن يعيد غزة مِن الركام؟ — 16 أكتوبر 2026

https://www.aljazeera.net/politics/2026/10/16/%D8%A5%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%8A%D9%86%D8%AA%D8%B8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%85%D9%86

[٢] وكالة وفا — محافظ سلطة النقد: إعادة إعمار غزة يجب أن تقودها المؤسسات الفلسطينية — 16 أكتوبر 2026

https://www.wafa.ps/news/2026/10/16/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D9%8A%D8%AC%D8%A8-%D8%A3%D9%86

[٣] شبكة أخبار جامعة النجاح الوطنية — تصريحات المقررة الخاصة المعنية بحقوق النازحين داخلياً عن إعمار غزة — 22 أكتوبر 2026

https://nn.najah.edu/news/Palestine/2026/10/22/572314/

[٤] صحيح البخاري وصحيح مسلم — أحاديث: «المسلم أخو المسلم»، «مثل المؤمنين»، «من بنى مسجداً»، «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، «على كل مسلم صدقة»، وقف عمر بخيبر، «إنما الأعمال بالنيات»

[٥] صحيح مسلم — أحاديث: «من نفّس عن مؤمن كربة»، «إذا مات الإنسان انقطع عمله»، «ما نقصت صدقة من مال»، «دعوة المرء المسلم لأخيه»

[٦] سنن النسائي — كتاب الزكاة، حديث «سبق درهم مائة ألف درهم»، وحسّنه الألباني

[٧] سنن الترمذي — كتاب العلم، حديث «الدال على الخير كفاعله»، وصححه الألباني

[٨] القرطبي — الجامع لأحكام القرآن — تفسير الآية 177 من سورة البقرة

[٩] ابن حزم — المحلّى — كتاب الزكاة (قيام الأغنياء بفقرائهم)