منزلةٌ قليلٌ أهلها، يعرفها القلب اعترافاً، وينطق بها اللسان ثناءً، وتؤديها الجوارح طاعة؛ بها تُحفظ النعم الحاضرة، وتُستجلب النعم الغائبة.
الشكر نصف الإيمان، والصبر نصفه الآخر؛ فالعبد يتقلب بين نعمةٍ تستوجب الشكر، وبليةٍ تستوجب الصبر، ولا يخرج حاله عن هذين في ليل ولا نهار. وقد جمعهما النبي ﷺ في كلمة جامعة:
|
قال رسول الله ﷺ «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له» رواه مسلم |
يا عبد الله.. تأمّل كم مرة طلبت من الله شيئاً، فلما أعطاك نسيت أنك طلبت! وكم من نعمة كنت تتمناها بالأمس صارت اليوم عادةً لا تلتفت إليها! ذلك أن النعمة إذا دامت أُلفت، وإذا أُلفت نُسيت، وإذا نُسيت لم تُشكر.
الشكر في اللغة والاصطلاح:
أصل الشكر في لغة العرب: الظهور؛ يقولون: دابّة شكور، إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تُعطى من العلف. فالشكور هو الذي يظهر عليه أثر القليل حتى يبدو كثيراً، كالسنبلة الطيبة تأخذ حبة من الأرض فتردّها سبع سنابل.
وأما في الاصطلاح، فمن أجمع ما قيل فيه قول الإمام ابن القيم:
« الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة. »
— ابن القيم، مدارج السالكين
فالشكر إذن ليس كلمة «الحمد لله» تُقال بعد الطعام ثم تُنسى، بل هو حال يسري في الإنسان كله: قلبٌ يعرف من أين جاءت النعمة، ولسانٌ يتحدث بها، وجوارح تستعملها فيما يحب المنعم.
الفرق بين الحمد والشكر:
يفرّق أهل العلم بين المنزلتين؛ فالحمد أعمّ من جهة سببه، لأن العبد يحمد ربه على صفات كماله وعلى إحسانه معاً، وأما الشكر فيكون على الإحسان والنعمة خاصة. والشكر أعم من جهة أدواته؛ لأن الحمد غالباً باللسان والقلب، والشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح جميعاً، ولذلك قال تعالى لآل داود:
|
﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: 13) |
فسمّى العمل شكراً، ولم يقل: قولوا شكراً.
تعقيب: وفي ختام الآية تنبيه عجيب: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. فالشاكرون قلة في كل زمان، وهذا ما توعّد به إبليس منذ البداية: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: 17)؛ كأنّ أعظم ما يريده العدو من الإنسان ليس أن يعصي فحسب، بل أن ينسى المنعم وهو غارق في نعمته.
أركان الشكر: خمس قواعد:
يذكر ابن القيم أن الشكر يقوم على قواعد خمس، إذا اكتملت اكتمل، وإذا نقص منها شيء نقص بقدره:
١ خضوع الشاكر للمشكور: فلا يرى نفسه مستحقاً للنعمة، بل يراها منّة وفضلاً.
٢ حبّه له: فإن القلوب جُبلت على حب من أحسن إليها، فكيف بمن لا إحسان إلا منه؟
٣ الاعتراف بنعمته: أن يقرّ في قلبه أنها من الله وحده، لا من ذكائه ولا من حيلته، فلا يقول كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ (القصص: 78).
٤ الثناء عليه بها: امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: 11)، تحدّثاً يقصد به الاعتراف لا الفخر.
٥ ألّا يستعملها فيما يكره: وهذا أدقّها وأثقلها؛ فمن أنعم الله عليه بالبصر ثم أطلقه في الحرام، وبالمال ثم أنفقه في المعصية، فقد قال «الحمد لله» بلسانه، ونقضها بيده.
الشاكرون في القرآن:
أثنى الله على أنبيائه بالشكر، فقال عن نوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (الإسراء: 3)، وقال عن إبراهيم عليه السلام: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (النحل: 121).
وانظر إلى سليمان عليه السلام، ملكٌ لا ينبغي لأحد من بعده، يرى عرش بلقيس مستقراً عنده في طرفة عين، فلا يقول: انظروا إلى قوتي، بل يقول:
|
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ (النمل: 40) |
فرأى النعمة امتحاناً قبل أن يراها مكافأة. وهذا هو الفرق بين قلبين: قلبٍ ينظر إلى النعمة فيرى المنعم، وقلبٍ ينظر إليها فلا يرى إلا نفسه.
وأما سيد الشاكرين ﷺ، فكان يقوم من الليل حتى تتفطّر قدماه، فلما قيل له: أتصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» (متفق عليه). فجعل العبادة شكراً لا ثمناً، وحباً لا مقايضة.
من ثمرات الشكر:
١ الزيادة الموعودة: وهو وعد لا يُخلف: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7). ولم يقيّد الزيادة بنوع، فهي زيادة في المال والصحة والإيمان والطمأنينة.
٢ حفظ النعمة الحاضرة: ولذلك سمّى السلف الشكرَ «قيدَ النعم»، ويُروى عن عمر بن عبد العزيز قوله: «قيّدوا نعم الله بشكر الله».
٣ الأمان من العذاب: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ (النساء: 147).
٤ رضا الله عن العبد: وأيسر طريق إليه لقمة يحمد الله عليها، قال ﷺ: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (رواه مسلم).
٥ راحة القلب: فالشاكر يعيش بما عنده، والجاحد يعيش بما ينقصه؛ الأول في جنة حاضرة، والثاني في سباق لا ينتهي.
وما أصدق ما يُنسب إلى بعض السلف من الشعر:
|
إذا كنتَ في نعمةٍ فارعَها |
فإنّ المعاصي تُزيلُ النِّعَمْ |
|
وحُطْها بطاعةِ ربِّ العبادِ |
فربُّ العبادِ سريعُ النِّقَمْ |
كيف تكون من القليل الشكور؟
أولاً: أن تعدّ النعم لا أن تعدّ النواقص. يقول تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (النحل: 18). فمن عجز عن الإحصاء فلا أقل من أن يحاول؛ نَفَسٌ يدخل بلا ثمن، وعين تبصر، وبيت يؤوي، وقلب يعرف ربه.
ثانياً: أن تنظر إلى من هو دونك. وهي وصفة نبوية دقيقة:
|
قال رسول الله ﷺ «انظروا إلى من أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدرُ ألّا تزدروا نعمة الله عليكم» رواه مسلم |
وما أحوجنا إليها في زمن الشاشات التي تعرض علينا كل يوم من هو فوقنا في المال والجمال والمتاع، حتى صار كثير من الناس يملكون ما لم يملكه آباؤهم، ثم لا يشعرون إلا بالنقص!
ثالثاً: أن تتذكر النعمة بفقدها. زُر مريضاً لتعرف قدر العافية، وامشِ في جنازة لتعرف قدر الحياة، وتذكّر قوله ﷺ: «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا» (رواه الترمذي وحسّنه).
رابعاً: أن تشكر الناس؛ فإن من لم يعتد شكر الوسائط لم يعتد شكر المنعم الأول: «لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ الناس» (رواه أبو داود، وصححه الألباني). كلمة «جزاك الله خيراً» لزوجتك وأمك وعامل النظافة في شارعك ليست مجاملة، بل تدريب يومي للقلب على الاعتراف بالجميل.
خامساً: أن تستعين بالله على الشكر نفسه؛ فالشكر نعمة تحتاج إلى شكر، ولذلك علّم النبي ﷺ معاذاً أن يقول في دبر كل صلاة: «اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).
|
الشكر في الشدة قد يقول قائل: كيف أشكر وأنا في همّ؟ والجواب أن البلاء نفسه لا يخلو من نعم: نعمة أنه لم يكن أكبر، ونعمة أنه لم يكن في الدين، ونعمة ما يُرجى فيه من تكفير وأجر. والشكر في الضراء لا يعني إنكار الألم، بل أن ترى النعم الباقية وأنت تتألم من الفائتة، فتجمع بين الصبر والشكر كما جمعهما الحديث. |
|
زاد عملي ✦ زاد عملي للشكر |
|
١ اكتب كل ليلة ثلاث نعم محددة مرّت بك في يومك، ولا تكرر نعمة كتبتها من قبل، وستعجب بعد شهر من طول القائمة. ٢ إذا تجددت لك نعمة أو اندفعت عنك نقمة، فاسجد لله شكراً، فقد كان النبي ﷺ إذا جاءه أمر يسرّه خرّ ساجداً شاكراً لله (رواه أبو داود والترمذي، وحسّنه الألباني). ٣ حافظ على دعاء معاذ في دبر كل صلاة: «اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». ٤ اشكر بالجوارح: الأيام البيض من هذا الشهر تبدأ غداً (13–15 جمادى الأولى)، فاجعل صيامها أو صيام بعضها شكراً لله على عافية بدنك. ٥ أخرج من كل نعمة جديدة شيئاً لله، ولو قليلاً؛ زيادة في الراتب، أو شفاء مريض، أو نجاح ولد. ٦ قل «جزاك الله خيراً» لثلاثة أشخاص كل يوم، وسمِّ لهم المعروف الذي صنعوه. |
|
مرآة النفس ✦ هل أنا من الشاكرين؟ |
|
○ متى آخر مرة شكرت الله على نعمة لم أكن أنتبه لها، كالنَّفَس والبصر والنوم الهادئ؟ ○ هل أتحدث عن نواقصي أكثر مما أتحدث عن نعم الله عليّ؟ ○ هل استعملت اليوم نعمة من نعمه فيما لا يحب؟ ○ هل أشكر من أحسن إليّ من الناس، أم أعدّ إحسانهم حقاً مكتسباً لي؟ ○ إذا أصابتني ضراء، هل أرى ما بقي من النعم، أم لا أرى إلا ما ذهب؟ |
وأخيراً..
اعلم يا أخي أن الله غنيّ عن شكرك، وأن الشكر لا يزيد في ملكه شيئاً، ولكنه يزيد فيك أنت: يزيد في قلبك نوراً، وفي نعمتك بركة، وفي صلتك بربك قرباً. ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾. فإذا أصبحت فقل بقلبك قبل لسانك: يا رب، هذه نعمتك، وهذا عبدك، فأعنّي على أن أكون لك شكوراً.
﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ (النمل: 19)