البدر الليلةَ في تمامه، وبعد ليلتين يبدأ في النقصان؛ وكذلك عمرك يا ابن آدم: أنفاسٌ معدودة، ورأس مالٍ يذوب كل ساعة، فإما أن تشتري به الباقي وإما أن يضيع في الفاني.

الوقت هو الحياة، وما عمر الإنسان إلا ساعات تمر، وأنفاس تُعدّ، وأيام تُطوى صفحاتها واحدة بعد واحدة. ومن عرف قيمة وقته عرف قيمة نفسه، ومن أضاع وقته فقد أضاع أثمن ما وُهب، وإن ظن أنه لم يخسر شيئاً.

ويُروى عن الحسن البصري رحمه الله قوله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومٌ ذهب بعضك». فتأمل يا عبد الله: لست تملك أيامك كما يملك التاجر بضاعته، بل أنت هي؛ كلما مضى يوم نقص منك شيء لا يُعوَّض.

  البدر يعلّمك درس العمر

انظر الليلة إلى السماء؛ فنحن في الثالث عشر من جمادى الأولى، أول الأيام البيض، والقمر يقترب من تمامه، يملأ الأفق نوراً وبهاءً. لكنه بعد ليلتين يبدأ في النقصان، ليلةً بعد ليلة، حتى يعود خيطاً دقيقاً منحنياً، كما وصفه ربنا سبحانه:

﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾

(يس: 39)

والعرجون: عود عِذق النخلة إذا قدُم ويبس فانحنى واصفرّ. وتلك صورة الإنسان: يولد هلالاً ضعيفاً، ثم يشتد حتى يبلغ تمامه في شبابه وقوته، ثم يأخذ في النقصان، فيضعف بصره، ويثقل سمعه، وينحني ظهره، حتى يعود كالعرجون القديم. فالبدر لا يدوم، والشباب لا يدوم، والفرصة لا تدوم.

ولذلك سنّ النبي ﷺ صيام هذه الأيام الثلاثة من كل شهر، كأنها وقفة شهرية يراجع فيها المسلم حسابه، فقال لأبي ذر رضي الله عنه:

قال رسول الله ﷺ

«يا أبا ذرّ، إذا صمتَ من الشهر ثلاثة أيام، فصُمْ ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة»

رواه الترمذي وحسّنه، والنسائي

 

  نعمةٌ مغبونٌ فيها أكثر الناس

يا أخي، أخبرك رسول الله ﷺ عن صفقة يخسرها أكثر الناس وهم لا يشعرون:

قال رسول الله ﷺ

«نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحةُ والفراغ»

رواه البخاري

 

والمغبون: الذي باع سلعته بأقل من ثمنها، أو اشترى بأكثر من قيمتها. فكأن الصحيح الفارغ تاجرٌ بيده جوهرة، فباعها بحفنة تراب؛ ساعاتٍ ثمينة كان يمكن أن يشتري بها رضا الله وجنته، فباعها بتصفحٍ لا ينتهي، وحديثٍ لا يُفيد، ونومٍ يزيد على الحاجة.

ويُروى أن بعض السلف مرّ ببائع ثلج في يوم صائف، وهو ينادي: «ارحموا من يذوب رأس ماله»، فقال: هذا والله مثلي ومثل الناس؛ رأس مالنا يذوب ونحن لا نشعر. فهل رأيت تاجراً يرى بضاعته تذوب بين يديه ثم يجلس يتسلّى؟!

يا هذا.. أين ذهب أمسُك؟

قف لحظة، وسل نفسك: أين ذهب يوم أمس؟ أين ساعات الأسبوع الماضي؟ وأين ذهبت سنة كاملة مضت كأنها أيام؟ إنك لا تكاد تذكر منها إلا قليلاً، ثم هي مكتوبة كلها في صحيفتك: الدقيقة التي قضيتها في ذكر، والساعة التي أضعتها في غفلة.

ويُروى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما معناه: ما ندمتُ على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي.

تختار لنفسك في الدنيا أجود الثياب، وأحسن البيوت، وأنفع الصفقات، ولا ترضى أن تُغبن في درهم، ثم ترضى أن يمضي يومك كله بلا ركعة نافلة، ولا صفحة من كتاب الله، ولا كلمة طيبة لوالديك! يا عبد الله، أترضى أن تُغبن في عمرك ولا ترضى أن تُغبن في مالك؟

  أربعةُ أسئلةٍ تنتظرك

الوقت أمانة، وكل أمانة يُسأل عنها صاحبها، وقد أخبرنا النبي ﷺ بالأسئلة قبل الامتحان:

قال رسول الله ﷺ

«لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه»

رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح

 

تأمّل كيف سُئل عن العمر جملةً، ثم سُئل عن الجسم وهو وعاء الشباب خاصةً؛ فالعمر كله مسؤول عنه، وزمن القوة مسؤول عنه مرتين.

وأقسم ربنا بالعصر، وهو الزمن، ليعلّمنا أن كل إنسان خاسر، إلا من ملأ وقته بأربع:

﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

(العصر: 1–3)

 

  إضاعة الوقت أشدّ من الموت

وكان أئمة السلوك يرون أن من حفظ وقته حفظ قلبه، وأن أول علامة على الغفلة أن يستهين العبد بساعاته. ومن أبلغ ما قيل في ذلك:

« إضاعة الوقت أشدّ من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. »

— ابن القيم، الفوائد (بتصرف يسير)

فالموت فراق للدنيا، وهي فانية على كل حال، أما الوقت الضائع ففراقٌ لما يبقى. ولذلك فإن أشد الناس حسرة يوم القيامة من يطلب ساعةً واحدة فلا يُعطاها:

﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾

(المؤمنون: 99–100)

 

يتمنى الرجوع، لا ليجمع مالاً، ولا ليبني داراً، بل ليعمل صالحاً؛ فاعمل اليوم ما سيتمنى غيرك أن يرجع ليعمله.

وما أصدق قول أمير الشعراء أحمد شوقي:

دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له

إنّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ

فارفعْ لنفسِك بعد موتِك ذكرَها

فالذكرُ للإنسانِ عمرٌ ثانِ

 

  لصوصُ الوقت 

كان الناس قديماً يضيّعون أوقاتهم في السمر الطويل والجدل، أما نحن فقد جاءتنا لصوص الوقت إلى جيوبنا؛ شاشة صغيرة تفتحها لتنظر في رسالة واحدة، فإذا رفعت رأسك وجدت ساعة قد مضت، لا تدري فيمَ مضت. وأخطر ما فيها أنها لا تسرق الوقت جملة واحدة، بل تسرقه فتاتاً: دقيقتين هنا، وخمساً هناك، حتى يجتمع منها في آخر اليوم ما لو جُمع لختمت فيه جزءاً من القرآن، أو زرت فيه رحماً، أو جلست فيه مع أولادك جلسة تبقى في ذاكرتهم.

ومن لصوص الوقت كذلك: التسويف، وهو أخطرها؛ يقول لك الشيطان: غداً تبدأ، وبعد رمضان تتوب، وإذا تقاعدت تفرغت للعبادة. وما يدريك أن الغد سيأتيك؟

  لا تجعل حفظ الوقت سوطاً على نفسك

ليس المقصود أن تعيش في قلقٍ دائم من كل دقيقة، ولا أن تحرم نفسك من الراحة والنوم ومجالسة أهلك؛ فهذه كلها إذا صحّت فيها النية صارت عبادة. إنما المقصود أن تكون أنت صاحب وقتك لا عبداً له، تعرف أين تضع ساعاتك، وتجعل لربك منها نصيباً ثابتاً. وقد قال ﷺ: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ» (متفق عليه). فقليلٌ دائم خيرٌ من كثيرٍ منقطع.

 

  اغتنم قبل أن تُغلَق الأبواب

جمع النبي ﷺ مواسم العمر كلها في وصية واحدة:

قال رسول الله ﷺ

«اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»

رواه الحاكم وصححه، وصححه الألباني

 

فالشاب يقول: أنا في أول الطريق، والكهل يقول: شغلتني الأسرة والعمل، والشيخ يقول: ضعفت قوتي. وكلهم صادق، وكلهم مفرّط إن لم يغتنم ما بين يديه الآن. فالوقت المناسب للعمل الصالح ليس غداً، بل هذه الساعة التي أنت فيها.

زاد عملي  ✦  سبع وصايا لحفظ الوقت

١   ابدأ يومك بنية جامعة بعد الفجر: «اللهم اجعل يومي هذا في طاعتك»، فإن النية تحوّل العادات إلى عبادات.

٢   اجعل لك ورداً ثابتاً لا تتنازل عنه مهما ازدحم يومك: صفحات من القرآن، وأذكار الصباح والمساء، ولو كان قليلاً.

٣   اغتنم الأوقات الميتة: في الطريق، وفي الانتظار، وقبل النوم؛ استغفار، وتسبيح، وتلاوة من الحفظ.

٤   حدّد لنفسك وقتاً معلوماً لتصفح الشاشات، وأغلق التنبيهات التي لا تحتاجها، فإن ما لا يُقاس لا يُضبط.

٥   صُم الأيام البيض هذا الشهر، واجعلها وقفة شهرية تراجع فيها كيف أنفقت ثلاثين يوماً من عمرك.

٦   لا تؤجّل التوبة ولا العمل الصالح إلى «فرصة قادمة»؛ ابدأ الآن بخطوة صغيرة، ثم ثبّتها.

٧   في آخر كل يوم، اكتب في دفترك سطراً واحداً: ماذا قدّمت اليوم لآخرتي؟

 

مرآة النفس  ✦  أسئلة قبل أن يغرب يومك

○   كم ساعة قضيتها اليوم في ما ينفعني في ديني أو دنياي؟

○   هل كان لكتاب الله نصيب من يومي، ولو صفحة واحدة؟

○   ما أكثر ما سرق وقتي اليوم، وهل أنا راضٍ عن ذلك؟

○   هل أجّلت عملاً صالحاً كان في استطاعتي أن أعمله الآن؟

○   لو كان هذا آخر يوم في عمري، فهل أرضى بما ختمته به؟

 

  وأخيراً..

يا أخي، إن العمر قصير مهما طال، وإن الساعات التي تمضي لا تعود ولو بذلت فيها ملء الأرض ذهباً. فاجعل من هذه الليالي البيض بدايةً جديدة، وانظر إلى البدر وهو في تمامه، واعلم أن عمرك مثله: يكتمل ثم ينقص. فاملأ أيامك بما تحب أن تراه في صحيفتك، وكن كالزارع الحاذق: لا يترك شبراً من أرضه بلا بذر، لأنه يعلم أن يوم الحصاد آتٍ لا محالة.

نسأل الله أن يبارك لنا في أعمارنا وأوقاتنا، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.

 

اللهم بارك لنا في أوقاتنا، ولا تجعلنا من الغافلين، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك