- د. سلطان أبو علي: مطلوب مشاركة الجهات الحكومية

- خبراء: العمل الصيفي إضافة للدخل القومي ويمنع الجريمة

 

تحقيق- علاء الأمير

انتهت متاعب امتحانات الثانوية العامة والجامعات، وبدلاً من أن تتحول الإجازة إلى فرصة لالتقاط الأنفاس طلبًا للراحة والاستجمام بعد عناء المذاكرة سواء من جانب الطلاب أو الأسر وأولياء الأمور للاستراحة ولو قليلاً من شبح المصروفات الدراسية المرتفعة والتي تفرضها بعض الكليات والمعاهد في عصر مجانية التعليم المزعومة التي تنتظرهم بعد الإجازة؛ مما يجعل هؤلاء الطلاب في كفاحٍ مستمرٍّ وبدلاً من الذهاب إلى شواطئ مارينا والعجمي وغيرها يتجهون لوسط المدينة والموسكي بالقاهرة؛ بحثًا عن أي عملٍ صيفي، خاصةً أنهم يرون أن ذلك ليس عيبًا ولا حرامًا.

 

"إخوان أون لاين" تجوَّل في أروقة بعض تلك الأماكن التي تعجُّ بفرص العمل الصيفية وبقدر تنوع تلك الأعمال بقدر تنوع المؤهلات التي يحملها العمال (الطلاب) الذين توافدوا للكفاح.

 

في البداية وجدنا هيثم محمد (الطالب بكلية الآداب- الفرقة الثالثة) يعمل بائع ساعات في مول طلعت حرب، وعندما سألناه عن السبب في القيام بهذا العمل قال: إن العمل الصيفي مهم للشباب في ظل الغلاء المستعر في مصر، مشيرًا إلى أنه يعمل ليساعد نفسه وأهله في مصروفات البيت، مؤكدًا أنه بعد التخرج سيبحث عن عملٍ في مجاله فإن لم يجد وهذا هو المتوقع- على حدِّ قوله- فسيظل في هذا العمل كبائعٍ للساعات.

 

وعن أبرز المواقف التي تعرَّض لها يقول هيثم إنه ذات مرة جاءت مجموعةٌ من زملائه ليشتروا ساعةً فوجدوه هو البائع فكان سعيدًا بذلك؛ لأنه أثبت أن العملَ شرفٌ بدلاًَ من البطالة.

 

 الصورة غير متاحة

أرصفة القاهرة تكتظ بالبائعين من الشباب

  أسامة فتحي (الطالب بكلية الحقوق) يقول إنه يعمل في إجازة الصيف منذ كان في المرحلة الثانوية؛ حيث عمل مع والده في ورشة خاصة به إلا أنه مع مرحلة الجامعة بدأ يُفكِّر في عملٍ أكثر "شياكة" على حدِّ وصفه، ويضيف أنه منذ اليوم الأول للإجازة بل وقبلها وهو يحاول إيجاد عملٍ مناسبٍ لطالبٍ جامعي فأخذ يبحث في المطاعم المشهورة ومحلات الملابس ومحلات "السوبر ماركت" الكبيرة إلا أنه اكتشف أن هذه الأماكن في الغالب محجوزة، إما لأقارب الموظفين أو لطلابٍ آخرين يعملون فيها كل إجازة، وبعد طول عناءٍ وجد عملاً في بنزينة وواظب على العمل فيها كل إجازة، ويرى أسامة أن العمل في الصيف فرصة جيدة ليوفر شيئًا من مصروفاته وحتى يشعر أنه كافح من أجل تعليمه.

 

أما أحمد علي (الطالب بجامعة القاهرة) فهو يعمل في محل مأكولات شهير بوسط القاهرة، وعندما سألناه عن مهنته، قال إنه طالبٌ بكلية الآداب ويعمل في هذا المطعم في الصيف والشتاء، ولا ينقطع إلا فترة الامتحانات فقط، ويرى أنه رغم قسوة العمل إلا أنه أفضل من لا شيء.

 

ويحكي أحمد السيد (الطالب بكلية التجارة) أنه جرَّب كثيرًا من المهن، وفي كل صيفٍ يعمل في وظيفةٍ مختلفةٍ بين بائعٍ في محل إلى موظف في شركة أمن إلى عامل في مصنع، وعندما سألناه عن عدم استقراره في مهنة محددة أو وظيفة معينة، قال إنه يرى أن العمل في الصيف مجرَّد فترة مؤقتة، وإنه فور تخرجه سيحاول الالتحاق بوظيفة تناسب مؤهله، كما يعتبر أن عمله في الصيف يمنحه خبرةً في مجالات عديدة.

 

أما معتز مصطفى وصديقه فتحي محمود فإنهما يفضلان العمل الخاص بهما؛ حيث يقومان بشراء ملابس وتسويقها إما بالقسط أو "الكاش" مع وضع هامش ربح بسيط، ويعتبران ذلك بدايةً لمشروعٍ صغيرٍ من الممكن أن يكون كبيرًا في المستقبل.

 

تضحية

ويشير أحمد محسن (الطالب بأكاديمية عين شمس) إلى أنه أجَّل الالتحاق بالأكاديمية لمدة عام؛ لأنه لا يملك المصروفات الدراسية المرتفعة والتي تبلغ 2500 جنيهٍ سنويًّا؛ مما جعله يبحث عن عملٍ لتدبير هذا المبلغ، وعن طبيعة عمله قال إنه يعمل كبائع للفضيات لمدة 12 ساعةً، ومصروفه اليومي للذهاب للأكادمية يكلفه 20 جنيهًا وهو لا يملك ذلك، وعن حلمه بعد التخرج أوضح أنه يتمنى أن يعمل في أي بنكٍ؛ حيث إنه متخصصٌ في التجارة (على حدِّ قوله).

 

وبدأ أحمد محمد عبد السلام (الطالب بالمعهد العالي للتعاون- الفرقة الثالثة) كلامه معنا بقوله: "مش عيب ولا حرام"، مؤكدًا أن العمل الصيفي أفضل من الجلوس على المقاهي، وهو يعمل بائعًا للملابس، ويتفق مع سابقيه في أن الهدف من العمل المساعدة في المصروفات الدراسية؛ حيث إنه في معهد خاص، معربًا عن سعادته عندما يشكره أحد أو يُقدِّره كشاب مكافح، وعن مستقبله يقول: لو وجدت عملاً يُناسب المعهد فسأعمل فيه والإ فسأبحث عن مجالٍ آخر حتى لو (بائع ملابس).

 

وعن أعداد الطلاب العاملين في الصيف يؤكد إبراهيم عبد القادر (موظف أمن بمول طلعت حرب) أن الأعداد تزداد بعد انتهاء امتحانات الجامعات، وأن مول طلعت حرب يحتوي على حوالي 72 محلاً يعمل في كل محلٍّ حوالي 5 طلاب؛ مما يجعل أعداد الطلاب في المول تصل إلى أكثر من 350 طالبًا، ويقول إن الراتب جيد والمكان نظيف والزبائن كثيرة، وعن حالة الشباب النفسية التي يراها يقول إن معظمهم سعداء بالعمل بالرغم من طول مدته.

 

ذكريات صيفية

 الصورة غير متاحة

 العمل في محلات المأكولات يجتذب الطلاب

وعن العمل الصيفي يقول سعد عبد الحميد (مدرس لغة إنجليزية) إنه كان يعمل في إجازة الصيف في أيام الجامعة، وعن ذكرياته التي ترجع إلى عشر سنوات يقول: أنا من مواليد الصعيد، وكنت أسافر إلى القاهرة في فترات الإجازة الصيفية وأبحث عن عملٍ يساعدني في مصروفات الجامعة وشراء الملابس، مؤكدًا أنه يتشرَّف بذلك ويعلمه لأولاده.

 

ويشاركه الرأي علاء فاروق (مدرس لغة عربية) والذي كان يعمل بائعًا للملابس في العتبة أثناء فترة الإجازة الصيفية، مما أكسبه خبرةً، فضلاً عن أنه فتح مصنعًا للملابس بعد ذلك، وهو الآن يعمل بالتدريس ولا يشعر بالحرج أن يذكر ذلك لتلاميذه.

 

استثمار للوقت

ويُعلِّق على هذه الظاهرة د. سلطان أبو علي- وزير الاقتصاد الأسبق- قائلاً: إن العمل الصيفي مفيدٌ ويُعدُّ استثمارًا للوقت، خاصةً أن الشاب يساعد نفسه ويتعلم شيئًا مفيدًا، كما أن هذا العمل يزيد في الإنتاج، وهو أفضل من الجلوس على المقاهي والتسكع في الطرقات.

 

وعندما سألناه عمَّا يضيفه هذا النوع من العمل إلى الدخل القومي، قال إنه ليس هناك رقمٌ محدد؛ لأن هؤلاء الطلاب غير معينين وإنما يعملون بشكلٍ موسمي؛ ولذلك فهم يفضلون العمل في البيع وتقديم الخدمات عن العمل الإنتاجي لأنه لا يحتاج إلى خبرة.

 

ويطالب د. سلطان أبو علي المجلس القومي للشباب بتنظيم هذا العمل والاستفادة من تجربة الجامعة الأمريكية التي توفر فرص عمل في فترة الصيف لطلابها سواء في التدريب في البنوك أو شركات الاتصالات أو المحطات الفضائية أو شركات السيارات، وهي بذلك تقدم لهم خدمة التدريب العملي (كل واحد في مجاله)، مؤكدًا أن المجلس القومي للشباب ممكن أن يقوم بنفس المهمة ولكن بشكلٍ آخر من خلال محاولة توظيف هذه الطاقات الشابة بشكلٍ يضمن للدولة الاستفادة منهم فيما بعد.

 

إضافة للاقتصاد

 

د. حمدي عبد العظيم

ويضيف د. حمدي عبد العظيم- الخبير الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا- أن العمل في الصيف له إيجابيات كثيرة، منها أنه يُكسب الشاب خبرةً عمليةً؛ لأن التعليم في الجامعات والمعاهـد نظري، وبالتالي فلا بد للشباب أن يحتكوا بسوق العمل.

 

كما يُساهم في زيادة الدخل القومي، خاصةً العمل ذا القيمة الإنتاجية، والذي يعمل على تشغيل الموارد، وذلك يُمثل إضافةً للاقتصاد القومي، إضافةً إلى أن العملَ في الصيف يمنع الجريمة ويعمل على إبعاد الشباب عن التطرف والاغتصاب والانحراف.

 

ويُقسِّم عبد العظيم هؤلاء الشباب إلى قسمين؛ الأول نوعٌ من الشباب يعمل بجدٍّ وكفاحٍ، وهؤلاء هم أبناء الفلاحين والعمال أصحاب الجامعات الحكومية؛ لأنهم يحاولون جادين المشاركة في المصروفات الدراسية وغير ذلك، أما النوع الثاني فيصفهم بالمدللين، وهم أبناء المعاهد والجامعات الخاصة؛ لأنهم يعملون باستهتار ولا مبالاة (على حدِّ وصفه).