- الشباب: البضائع المستوردة حطَّمت الحواجز بين الطبقات
- الخبراء: العلامات التجارية أدَّت إلى تفاقم مشكلة البطالة
تحقيق- سلمى البحيري
"شيك جدًّا.. رائع.. روش.. تحفة، لكن ماركته إيه ده؟!".. هذه الكلمات يتبادلها الشباب عند شراء أحدهم لمنتجات من الماركات العالمية، وخاصةً في عالم الملابس وبعض المنتجات التي تحمل بضعة أحرف أجنبية محفورة على منتج جلدي، أو مطبوعة على "تي شِرت".
وأصبحت الاختصارات الأجنبية المحفورة أو المطبوعة على المنتجات هي السمة الغالبة في ملابس شباب الجامعات من الجنسَين، الراغبين في مسايرة الموضات والماركات العالمية، وإذا استثنينا أبناءَ وبناتِ القادرين على زيارة أوروبا لشراء أحدث صيحات الموضة، فسنجد أن البقية الأخرى تبحث عن مثل هذه المنتجات أو البديل لها في عالم الملابس زهيدة السعر، بمعنى أن يكون المنتج من شركة عالمية ولكن به خطأ، أو يكون "فرز ثاني أو ثالث"، وهناك أيضًا المستعمل، أو ما يطلق عليه مصطلح "سكند هاند" الذي يأتي عن طريق البالات من الدول الأوروبية، ويباع في الأسواق منخفضة الثمن، مثل سوق الثلاثاء، ووكالة البلح، وغيرهما، وهو ما فتح الباب أمام انتشار البضائع "المضروبة" في أسواق القاهرة، ورغم أن هذه البضائع كانت تنتشر على استحياء في بداية الأمر، إلا أنها الآن امتدَّت إلى أرقى المراكز التجارية لتُباع "على عينك يا تاجر"، وهذه الأزياء المضروبة هي تقليدٌ لماركات عالمية في الشكل وحروف العلامة التجارية.
وتستحوذ الملابس الرياضية على الرصيد الأكبر من لهفة الشباب على الماركات العالمية، ورغم أن البضائع "المضروبة" تنتشر بصفة خاصة بين الشباب في مجال الملابس الرياضية ووجود اختلاف واضح في نوعية الملابس بين "المضروب" والأصلي؛ فإن الشباب يتبعون مبدأ "الصيت لا الغنى".
ومع تفشي هذه الظاهرة بين أوساط الشباب من الجنسين، وسباقهم المحموم على هذه المنتجات، نفتح هذا الموضوع، في محاولةٍ لمعرفة ما يدور في عقول هؤلاء الشباب، الذي يمثِّل الشريحةَ الكبرى في مجتمعنا، والتي تدفع مئات الجنيهات مقابل شراء هذه البضائع.
![]() |
|
نوع السيارة يحدد شخصية مالكها!! |
تقول نادية محمد (24 سنة): بالنسبة لي "مش هيفرق معايا كثير" إذا كانت العلامة التجارية عالمية أو مشهورة، ولكن كل ما يفرق معي هو الشكل العام للملابس، أما بالنسبة للموبايلات والسيارات وبعض الإكسسوارات وما يشبهها فتفرق جدًّا معي؛ لأنني أتصور أن نوع الموبايل وعلامته التجارية يُظهِر مدى ثراء الشخص الذي يحمله؛ حيث إن أصدقائي وكل من يراني لأول مرة يحكم عليَّ مِن نَوع الموبايل الذي أحمله ونوع السيارة التي أمتلكها لا من خلال شخصيتي!!.
أما محمد حامد (19 سنة) فيفرِق معه كثيرًا نوعُ الماركة التي يرتديها؛ لأن أول شيء ينظر إليه أصحابه في النادي العلامة التجارية المطبوعة على ملابسه أو حذائه، وبالنسبة له فإن إمكانياته المادية تمكِّنه من أن يشتري حذاءً رياضيًّا بـ1000 جنيه!! لأن الحذاء الرياضي يفرق معه أكثر من ملابسه.
ويؤكد حامد أن الملابس إن كان بها أخطاء وتحمل علامات تجارية عالمية؛ فسوف يُقبَل عليها بدون تردُّد؛ لأنها توفر له كثيرًا، بدلاً من أن يشتري الأصلي من احتياجاته.
ويقول إيهاب سمير (24 سنة- مهندس): إنه ما دام يملك النقود التي يشتري بها ملابس باهظة الثمن بعيدًا عن كونها ذات علامة تجارية عالمية أو لا، فسوف يشتريها ويرتديها.
ويشدد إيهاب على أن العلامات التجارية التي لها مرجعية دينية، كدعوى لعقيدة معينة أو مرتبطة بفكر ديني معين، يرفض شراءها أو بمعنى آخر يقاطعها.
ويرى أن الشركات العالمية تدرس السوق التي تروِّج فيها بضائعها، وهم درسوا السوق العربي جيدًا، وعلموا أن ما يفرق عندهم هو الاسم الأجنبي والعلامة التجارية العالمية بعيدًا عن الجودة، مشيرًا إلى أن هناك مواردَ مصريةً من ملابس وأحذية عالية الجودة، ولكن المستهلك يبعد عنها؛ لكونها سلعةً محليةً وليست مستوردةً، على الرغم من أنها عالية الجودة!!.
![]() |
|
اختيار ماركة الملابس أول ما يجذب شباب الموضة!! |
ويضيف مصطفى محمد (20 سنة) أن الملابس والأحذية ذات العلامة التجارية العالمية ضرورية جدًّا، وهو يلجأ دائمًا لشرائها؛ وذلك لجودتها العالية ولشكلها الأنيق، فمن الممكن- على حد قوله- أن يشتري حذاءً رياضيًّا بـ400، معللاً ذلك بأنه مع الأستخدام يظل هذا الحذاء لمدة عام أو أكثر، أما الحذاء الرياضي المحلي الذي قيمته 100 جنيه فيتهالك سريعًا مع الاستخدام بعد ارتدائه للمرة الأولى.
ويرفض مصطفى فكرة أنه يرتدي الملابس التي تحمل العلامات التجارية العالمية ليعجب به الآخرون أو لتطلعه للانتماء إلى الطبقات الثرية والطبقات، مبررًا أنه يرتدي لنفسه ما يريحه ويتناسب مع هيئته.
ويشكِّل التميز المبرر الرئيسي لمصطفى فؤاد (23 عامًا) لارتدائه الماركات العالمية ليظهر أمام مجتمعه بمظهر غير معتاد عليه، ويقول إن "التي شيرت والترنج والكوتشي والبنطلون الوتر بروف" ما هي إلا ملابس رياضية ومركات لملابس رياضية للنوادي ولممارسي الرياضة، والدليل على ذلك أنهم يستخدمون لاعبي الكرة للإعلان عن منتجاتهم، لكنَّ رواج هذه الملابس داخل المجتمع في مكانها غير الصحيح هو سبب انتشارها في الشارع المصري؛ فإننا لا نرى رواجًا كبيرًا لعلامات تجارية لملابس الكلاسيك أو السوارية، على عكس العلامات التجارية للملابس الرياضية.
وتؤكد دنيا (22 عامًا) أن العلامات التجارية ليست في الملابس والأحذية فقط، ولكن في العطور وأدوات التجميل أيضًا، ولكون مستحضرات التجميل والعطور العالمية باهظة الثمن، ظهرت الشركات المماثلة لها في المنتج وبأسعار منخفضة فيلجأ لها الجميع.
![]() |
|
موديل المحمول يظهر ثراء حامله!! |
ويقبل محمد حسني (26 عامًا) أن يرتدي ملابس مستعملة (سكند هاند) مقابل أن تحمل ماركةً عالميةً، فمن خلال الماركة تظهر قيمته في المجتمع وأمام الناس، فلا أحد ينظر الآن لمستوى الدراسة، ولكن الحكم الأول يأتي عن طريق الموايل الذي تحمله والملابس التي ترتديها إن كانت أصلية أم عادية محلية أم عالمية، من وجهة نظره!!.
وتقول السيدة انتصار إنها كـ"أمّ" لا تستطيع أن ترفض لابنها شيئًا من احتياجاته لكي يظهر بمظهر (شيك) أمام الناس، ولأنه في جامعة خاصة، وكل زملائه يرتدون ملابس غالية ويحملون موبايلات حديثة، فتشترى لابنها احتياجاته من الماركات العالمية، على الرغم من أنها غالية جدًّا.
أما علي محمد (مدرس) فيقول إنه اشترك في جمعية بـ50 جنيهًا في الشهر ليشتري لابنه حذاءً رياضيًّا بـ500 جنيه؛ لكي يكون مثل زملائه، ولكي لا يُشعِرَه بالحرمان.
![]() |
|
د. أحمد المجدوب |
ويحلل الدكتور أحمد المجدوب- الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- هذه الظاهرة قائلاً: إنه أمر طبيعي، والسبب في ذلك التحولات الاقتصادية السريعة والعنيفة التي صاحَبَتها تغيُّراتٌ اجتماعيةٌ، جعلت المادة هي صاحبة الكلمة العليا، أما القيم والمعاني فقد تراجعت كثيرًا، وأصبح هناك صراعٌ محمومٌ بين الأثرياء والفقراء، ويظهر ذلك من خلال الموبايلات والملابس والأحذية والسيارات وأدوات التجميل.
ويضيف: إننا الآن لا نرى التفاوت الطبقي الملحوظ عادةً؛ لأن الطبقات اختفت؛ فالكل الآن يحمل أجهزة محمول حديثة، ويرتدي ملابس بعلامات تجارية عالمية، سواء الغني أو الفقير، فهناك فقراء لا يملكون غذاء اليوم، ولكنهم يحملون الموبايلات الحديثة، حتى التعليم أصبح فيه الماركات العالمية؛ فهناك تعليم أجنبي وتعليم عربي وتعليم حكومي.
ويؤكد د. المجدوب أن الطبقات الدنيا أو الفقيرة تتحدَّى الشرائح الغنية في المجتمع؛ حتى يكون لهم الأفضلية مثلهم، ويأتي التحدي عن طريق المظاهر المادية المحصورة في الملابس والموبايلات.
![]() |
|
د. فؤاد السعيد |
مضيفًا: إذا نظرنا إلى البنطلون الجينز الأمريكي العادي، نجده يتكرر من مصنع لآخر بنفس الخامة ونفس الموديل ونفس درجات اللون، ولكن الذي يختلف العلامة التجارية أو "اللوجو" التي تحدد ثمنه وتحدد أي فئة أو طبقة ترتديه.
فالطبقات العليا- كما يقول د. السعيد- لا يفرق معها التكلفة المادية، ولكن المشكلة الحقيقية في الطبقات التي لا تملك هذه التكلفة المادية، مما يعود بالسلب على الأسر الفقيرة وغير القادرة؛ مما ينتج عنه خلافٌ أسريٌّ ومرضٌ اجتماعيٌّ، ويشعرون بدرجة من الحرمان عند شباب هذه الطبقات وتقل درجة التوافق بين الأباء والآبناء، وهناك بعض الحالات التي تلجأ للهروب من المدرسة للكسب المادي بالعمل في الوِرَش أو محلات المواد التموينية أو الألبان؛ بغرض الكسب المادي وشراء مستلزماتهم من ملابس تحمل علامة تجارية عالمية.
![]() |
|
د. عادل المهدي |
وعلى الصعيد الاقتصادي، يؤكد الدكتور عادل المهدي- رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة جامعة حلوان- أن هذه العلامات التجارية العالمية المستهلكة بدرجة كبيرة داخل مصر إحدى أسباب الفجوة بين الاستيراد والتصدير؛ وذلك يرجع- من وجهة نظره- لجودة المنتجات العالمية، فيلجأ لها المستهلك، على الرغم من غلوِّ ثمنها، وهذا الغلو نتيجة للعلامة التجارية وليس تغطية لتكلفة المنتج.
ويطلق د. المهدي على انتشار هذه المنتجات داخل السوق المصري اسم "عولمة الأسواق" ولا يرجع لاحتكار أو خصخصة، موضحًا أنه ما هو إلا منافسةً واحتكاكًا في الأسواق.
ويطالب المصانع والشركات المصرية بمحاولة التقليد في التصنيع؛ حتى تصل إلى نفس جودة المنتجات العالمية، وأن يعملوا تحت فكرة الإبهار وليس فكرة الإشباع؛ لأن المنتجات العالمية تعمل على إبهار المستهلك بالمنتج.
ويؤكد أن لجوء الأُسَر والشباب إلى استهلاك هذه المنتجات العالمية باهظة الثمن، يؤدي إلى عجز شديد داخل ميزانية الأسرة، كما يؤكد على الاحتياجات الأساسية داخل الأسرة؛ مما يؤدي إلى زيادة الاستهلاك وقلة الادخار، وما ينتج عنه من قلة الاستثمار وقلة عدد المشروعات، فيترتب على ذلك تفشِّي ظاهرة البطالة، رغم أن لنا اليد العليا في حل هذه الأزمة.





