- منظومة الأخلاق يشترك فيها الشارع والمدرسة والإعلام
- المراهقة منعطف خطير في حياة الشاب والأسرة
حوار- خديجة يوسف:
التحرش كلمة انتشرت في الآونة الأخيرة، خاصةً في الشارع المصري، وزاد من انتشارها التناول المكثّف من قبل وسائل الإعلام؛ بل وخرجت دراسات ترصد الظاهرة، وتوالت المؤتمرات والندوات، بل وزحفت بعض القضايا إلى المحاكم، وحصلت على أحكام بالسجن، ووصل الأمر إلى حدّ التظاهر ضد التحرش؛ مما فجَّر العديد من الأسئلة حول أسباب وتداعيات وسبل علاج هذا المرض إذا كان صحيحًا، أم أنه خطة متعمَّدة للتحرش بالصورة المعروفة عن الدول الإسلامية ومن بينها مصر؛ خاصةً إذا وضعنا في الحسبان دراسةً أجراها المركز المصري لحقوق المرأة بعنوان "غيوم في سماء مصر"؛ شملت عيِّنة من ألفي رجل وامرأة مصريين و109 نسوة أجنبيات؛ توصلت إلى أن نسبة الرجال الذين اعترفوا بارتكابهم التحرش الجنسي بلغت 62%، بينما بلغت نسبة النساء اللاتي قلن إنهن تعرضن لهذه الممارسات 83%؛ نصفهن قلن إن ذلك يحدث يوميًّا.
وقالت الدراسة إن معظم النساء لم يفعلن شيئًا حين تعرَّضن للتحرش الجنسي، مضيفةً أن معظم النساء المصريات يعتقدن أن عليهن عدمَ فتح الموضوع أبدًا، في حين ألقى 53% من الرجال باللوم على المرأة لأنها تستدعي هذا السلوك؛ فهي تستمتع به، أو ترتدي ملابس غير محتشمة، وتوافق بعض النساء الرجال في هذا الرأي.
هذه القضية التي تظهر للسطح مع كل مناسبة في مصر، وخاصةً الأعياد، سواءٌ كان عيد الفطر أو الأضحى دفعتنا إلى الدكتور أحمد عبد الرحمن أستاذ الفلسفة والأخلاق، والذي كشف لنا حقيقة موضوع التحرش الجنسي، بل والتحرش الفكري معًا، وسبل علاجهما في حوار موجَّه إلى الشباب والكبار على حدٍّ سواء:
* هل هناك معنى واضح للتحرش من الناحية الأخلاقية؟
** التحرش سلوك متعمَّد من قِبَل المتحرش وغير مرغوب به من قبل المتحرش بها؛ حيث يسبِّب إيذاءً جنسيًّا أو نفسيًّا أو أخلاقيًّا للضحية، ومن الممكن أن تتعرَّض له الأنثى أو الرجل في أي مكان بما فيها الأماكن العامة، والتحرش درجات؛ فإما أن يكون عن طريق اللفظ أو النظرة أو الحركة، وقد يشمل التحرش الجنسي الإثارة الجنسية أو الإرغام على الجنس، وتختلف كل درجة عن الأخرى.
* وما أسبابه من وجهة نظرك؟
** له أسباب عديدة؛ على رأسها انعدام التربية، والابتعاد عن النهج الإسلامي، وإحاطة الشاب أو الفتاة بأصدقاء السوء، ومواكبتهم في عتيِّهم، والانفلات الإعلامي في القنوات الفضائية، خصوصًا الأفلام الغرائزية التي تعرض مشاهد غير مألوفة في مجتمعنا، والإنترنت أيضًا.
* هذه الظاهرة طفت على السطح في الآونة الأخيرة بطريقة لافتة للنظر.. هل ترى أنها خطة مدبَّرة؟!
** بالتأكيد هي خطة مدبرة ضد الشعب المصري ليظهر للعالم العلماني أنه شعب بلا أخلاق، ولو نظرنا إلى النسبة التي تتعرَّض للتحرش فسوف نجد أنها ليست كبيرةً كما ينشر البعض، وكما تتشدَّق وسائل الإعلام ليل نهار، وكأننا أصبحنا نعيش في غابة، أرادوا تشويه صورة الشعب المصري وإظهاره في أسوأ صورة، وكأن كل الشعب بغايا، وهذا أمر ليس صحيحًا بالمرة.
* لكنَّ دراسة المركز المصري لحقوق المرأة تؤكد أن 62% من الرجال المصريين قاموا بعمليات تحرُّش، وأن 82% من المصريات تعرَّضن للتحرش الجنسي، سواءٌ بالكلمة أو غيره!! ما تعليقك؟
** أؤكد أن هذه الدراسة كاذبة وباطلة، وتريد أن تثبت شيئًا معينًا بطييعة الحال التي تقوم عليها أغلب الدراسات، ولديَّ تساؤل: هل تستطيع هذه الدراسة أن توضح لي كم هو عدد هؤلاء الرجال؟ ومن هن أولاء السيدات والسادة الذين تعرَّضوا للتحرش؟ وكيف كانت سلوكياتهم؟!
* تقول الدراسة إن العينة التي أُجريت عليها مكونة من ألفي رجل وامرأة مصرية و109 نسوة أجنبيات.
** هذه دراسة باطلة، وأغلب هذه الدراسات كما قلت سابقًا تكون من تأليف صاحب الدراسة وليس لها أي أساس من الصحة؛ فهل النسبة المذكورة كفيلة للتعميم على كل الشعب المصري؟
* نخرج من الدراسة إلى شيء آخر مهم، وهو: كيف يمكننا معالجة هذه المشكلة؟
** للتوضيح.. المشكلة ليست بالحجم الذي تتناوله وسائل الإعلام، ولكن الحل يكمن في شيء واحد فقط؛ أن نعود إلى الأخلاق والتربية الإسلامية.
![]() |
|
التربية والأخلاق السبيل لمواجهة التحرش |
** التربية السليمة التي تقي المجتمع من كل الأمراض وليس من التحرش فقط؛ يجب أن تكون بأن يُربَّى الطفل على الثواب والعقاب، ويعرف أين يقع الصواب وأين يوجد الخطأ، وأن تكون هناك مقدسات لديه لا يستطيع اختراقها عن طريق تطبيق الإسلام بحذافيره داخل جنبات الأسرة، وكذلك بين جميع أفراد المجتمع، وحذارِ أن تترك الأسرة أولادها للتليفزيون الذي يشيع ثقافة العداء والفساد، فتجد المذيعة عاريةً لا نعرف لماذا!! ونرى العنف في أفلام الكرتون لا نعرف لماذا!! فيجب أن تكون الأسرة المسلمة واعيةً متيقظةً.
* وهل يسهم سن القوانين في الحد من التحرش؟
** سيُسهم بعض الشيء في الحد من الظاهرة، ولكن لن يقضي عليها، بينما المهم هو التربية.
* فيما يتعلق بالأسرة؛ كيف بمكن لها أن تكون متيقظةً لأبنائها ونحن نعيش عصر السماوات المفتوحة والإنترنت؟
** هذا صحيح.. وهنا يقع "مربط الفرس" كما يقولون؛ وإذا أردنا الحل فيجب علينا أن يتكاتف المجتمع جميعًا لكي تنتشر الأخلاق، وهذا لاحظته في ماليزيا عندما سافرت للعمل هناك، فالشعب كله يحاولوا تطبيق القيم والمبادئ الإسلامية؛ فنجد الطالب مثلاً لا يغشّ، وغيرها من القيم المنتشرة في المجتمع الماليزي؛ بفضل تطبيق قواعد الإسلام والتي افتقدناها نحن اليوم.
مرحلة المراهقة
* ماذا عن مرحلة المراهقة التي تتبلور فيها المشاعر والأحاسيس ويشعر فيها الشباب بالميل للجنس الآخر؟

** بالفعل مرحلة المراهقة تمثل منعطفًا خطيرًا في حياة الشاب والأسرة على حدٍّ سواء، ولكن ما دامت النبتة طيبةً والتربية سليمةً فلا يجب على الأسرة أن تقلق بشأن هذه المرحلة من حياة أبنائها، ولتعلم الأسرة جيدًا أن هذا المنعطف هو مرحلة التمرد؛ فقد يبعد الولد قليلاً عن الطريق الذي تربَّى ونشأ بداخله، ولكن هذا لا يدعو إلى القلق؛ لأنه سوف يعود في أقرب وقت.
* لماذا يحيد المراهق عن الطريق الذي تربَّى فيه؟
** لأن المجتمع المحيط به مختلٌّ، وبه الكثير من عناصر الفساد، كما أنه يفتقد إلى الكثير من القيم والأخلاق، وهناك شركاء متشاكسون يعملون على هدمه.
* هل يعني ذلك أنه قد تجد الأسرة المسلمة ابنها في يوم من الأيام متحرشًا؟
** نعم.. لأن الأخلاق منظومة متكاملة، لا تستطيع الأسرة أن تغرسها بمفردها في أبنائها؛ فهناك المدرسة والشارع والإعلام، وكلها لهم تأثيرها القوي والفعَّال، ولكن أكرِّرها: سوف يرجع إلى الطريق السليم بإذن الله.
الإسلام والمرأة
الحجاب صيانة للمرأة من الأعين الجائعة
* فيما يتعلق بالمرأة باعتبارها العنصر الأضعف كيف يحميها الإسلام من التحرش؟

** الإسلام كرَّم المرأة أفضل تكريم، وحفظها كالجوهرة المكنونة، فأمرها الله عز وجل بالزي الشرعي الذي لا يصفُ ولا يشفُّ، وهذا يحميها، ولكن بما أننا نتحدث عن التحرش فيجب أن يكون سمت المرأة المسلمة الوقار والأخلاق، فلا تصدر منها ضحكةٌ عاليةٌ، ولا تتحدث بطريقة لافتة، وصوت به ميوعة، ولا تضع على وجهها المساحيق، فيجب على المرأة المسلمة أن تكون مثالاً للوقار والسكينة والأخلاق، والمرأة التي تتوافر فيها كل هذه الصفات بالتأكيد لن تتعرض لأي تحرش؛ لأن الرجل يحترمها مهما كانت أخلاقه.
* ولكن وسائل الإعلام أعلنت أنه من ضمن اللاتي يتعرَّضن للتحرش سيدات محجبات!.
** ماذا يقصد هؤلاء بمقولة سيدة محجبة؟ هل الحجاب الذي نراه هذه الأيام أم الحجاب الذي ذكرته سابقًا الذي لا يصفُ ولا يشفُّ، وهل وصفت وسائل الإعلام كيف تتحدث هذه المراة وتمشي وهل تضع المساحيق أما لا؟ فالملابس التي نراها في الشارع نستطيع من خلالها أن نقول إن المرأة هي التي تتحرَّش بالرجل.
* هل وقع حادث تحرش في عهد الرسول الكريم أو الصحابة الأجلاء؟
** لا لا.. لم يحدث على مدى كل قرءاتي، ولم يستوقفني حادث كهذا؛ لأنه تم تربيتهم تربيةً سليمةً.
* هناك حملات عديدة يتبنَّاها البعض لنشر الفضيلة في المجتمع؛ هل ترى لهذه الحملات تأثيرًا؟
** هي بالفعل جهود رائعة، وأدعو الله تعالى أن يكلِّلها بالنجاح، وأن يسخِّر لها المخلصين من أجل تنفيذها، ولكنها في النهاية محاولاتٌ لن تحقق أي نجاح بمفردها؛ فلا بد من تكاتف كل وسائل المجتمع لتحقيق هذا الغرض، لكن أن يبني هؤلاء المخلصون من جانب ويهدم أعوان الفساد من جانب آخر فهذا يجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا؛ خوفًا على مستقبل هذه الحملات.
المرأة متحرشة
الحجاب ينشر الفضيلة في المجتمع
* كيف إذن واجه الإسلام التحرش الجنسي؟

** الإسلام واجه التحرش بعدة طرق؛ منها أنه نشر القيم وحث على التربية السليمة ووضَّح قواعدها، وخيرُ مثال على مواجهة التحرش ولو بالكلمة من رجل إلى رجل أو امرأة إلى امرأة نتعمَّق في معاني سورة النور، وأنا أدعو الجميع أن يتغلغل في معاني هذه السورة القيمة ويعمل على تطبيق معانيها السامية.
* ما هي النصيحة التي يوجهها د. أحمد عبد الرحمن للمرأة حتى تتجنَّب مثل هذه الحوادث؟
** نصيحتي أن يتبع كل إنسان شرع الله في كل أموره صغيرها قبل كبيرها، ووقتها سوف يسود المجتمع الطمأنينة والحب والخير والرخاء.
* وبماذا تنصحها إذا تعرضت للتحرش؟
** أقول لها أن تتمسك بحقها، وأن تذهب إلى قسم الشرطة، وتحرِّر محضرًا ضد هذا الإنسان الذي يحتاج إلى تأديب ورادع قوي؛ حتى لا يفعل ذلك مع غيرها، وحتى نقضي على حالة السلبية التي يعاني منها المجتمع المصري الآن.
ولكن أهمس في أذنيها قبل الذهاب: هل كانت ملتزمةً بالزي الشرعي وما يتبعه من أخلاق أم كانت ترتدي ملابس تتحرَّش بها بالرجل فيعاقبها القانون بأنها هي المتحرشة وليست هو؟!!
